
كسر في الوزن الديوان الصادر عن دار الانتشار العربي في بيروت، يضم أربعين نصاً شعرياً ضمن ستة أقسام بعناوين مختلفة، ويقع في 168 صفحة من القطع المتوسط، ويشكل حالة شعرية ذات مساحات منفتحة على ما حولها من موضوعات، حيث يتطرق الشاعر إلى الهموم الجمعية والذاتية، متأملاً المدينة والمرأة والقصيدة والوطن، إضافة إلى أدق تفاصيل الحياة ومحتوياتها التي يتناولها الصايغ في قصائده بوصف شعري لافت ومعبر، مزاوجاً في الوقت ذاته بين التجريد والتفصيل في قصائده .
تبدأ المفارقة في هذه المجموعة قبل الولوج إلى النص الأول، ففي العنوان تكمن أولى مفارقات المجموعة، حيث يتجاوز الشاعر الصورة النمطية التي تعتبر الوزن شرطاً أساسياً في البناء الشعري، متمرداً على ذلك الشرط بعنوان لا يخلو من الشعر، إذا ما التفتنا إليه كصورة مفارِقة في المعنى، قبل أن يكون مجرد إيقاع جامد .
أين يكمن سر البذور، هو العنوان الأول من عناوين الأقسام الستة التي يضمها كسر في الوزن ويتكون من 12 قصيدة قصيرة، أقرب ما تكون إلى قصيدة التوقيعة، التي تتميز بالتقاطاتها القائمة على عنصر التكثيف في بناء الصورة الشعرية، حيث يختزل الشاعر فيها وصفه في مساحة صغيرة، وهو ما ينعكس أيضا على عناوين تلك القصائد التي جاءت معظمها تحت عنوان بمفردة واحدة، كما يلاحظ في عنوان نجمة، شراع، النمور، البذور، الأسماء، الخيل، السؤال، الصمت، الرقم، الهواء، من قصيدة الرقم نقرأ:
هو مطرقة الاستحالة
ومسمار حقل الدلالة
وهو وحش وينقرض الآن
منذ الخليقة
وهو يكدس للانقراض معاوله . .
والعويلْ .
يعيد الصايغ في هذا المقطع رسم صورة جديدة للرقم، عبر لغته التي امتازت دائماً ببعدها الفلسفي والدلالي المتصاعد من جملة إلى جملة داخل النص، فهو يجعل من اللامحسوس محسوساً، باعثاً في الأشياء من حوله حياة جديدة وصفات مستوحاة من مخيلة الشاعر التي يتكئ عليها ليلتقط كل ما هو مبتكر وغير مألوف، وهذه خاصية يمكن من خلالها الحكم على جودة النص، ومدى قدرة الشاعر على إعادة صياغة الأشياء من حوله بفراسة واقتدار .
كذلك الحال بالنسبة للعناوين الأخرى في هذا القسم من الكتاب، ففي قصيدة الأسماء يشكل الصايغ في سؤال واحد عبارة شعرية مؤثرة عبر وصف بليغ حين يقول إن الأسماء جثث طافية فوق الماء، ضمن بناء تفعيلي على بحر المتدارك الذي درج على استخدامه الكثير من الشعراء عند كتابة قصيدة التوقيعة:
. . من ذا، بين الطلقة والطلقة،
ينكش شَعر الأسماءْ
لتكون، كعادتها
جثثاً طافية فوق الماءْ؟!
هذا السؤال القصيدة، يولد من قلق الشاعر، الذي يدفعه إلى طرح الأسئلة أيا كانت ماهيتها، فهو من خلال ذلك يؤسس جملته الشعرية عبر السؤال العميق، في فكرة مفاجئة تستدرج المعنى إليها حتى تضع في نهايتها ليس علامة السؤال فقط، بل وعلامة التعجب أيضاً، فعلامة السؤال هنا تعود لشكل وطبيعة الجملة في الكلام، أما علامة التعجب فهي التي تعكس الشعرية فيه .
ويحاول الصايغ تجاوز فكرة الموت في قصيدة نجمة التي يراها تبهت، ولكنها سرعان ماتسطع لتتجاوز أقدارها، وقد يكون في ذلك إسقاط على الفرد المبدع، الذي يحقق عبر أعماله حياة أخرى تبقيه حياً بعد الموت، فالعمل الإبداعي هو الذي يخلد صاحبه حتى لو اقتنصته رصاصة الغياب .
تتناسل في ضوء عتمتها أو تحاول
لكنها الآن تبهت أبعد
حتى تكاد تموتْ
وتومض ثانية
لتصارع أقدارها
نجمة العنكبوتْ .
القسم الثاني في المجموعة الشعرية حمل عنوان أجراس الملل وهو يضم سبع قصائد أطول نسبياً من قصائد القسم الأول، ينتقل معها الصايغ من قصيدة التوقيعة والوصف المكثف إلى مساحة أكبر ليتيح لنفسه سرد وقائع وأفكار شعرية في صور ممتدة، تفتح أبواب التأويل في ذهن القارئ . وهي نصوص تتسم بموضوعات مختلفة، يتحدث فيها عن تفاحة الماضي، والموت، والبحر، وغيرها من الموضوعات التي تتناول الأسطورة وحكايات الواقع . في قصيدة البراهين يعود الصايغ إلى العمر الأول عند ساحة الطفولة التي يحتفظ بألبومها، ليواجه به برودة الغد .
ويتناولني الغد البردان بمكائد سافرة
وتسافر بي
البراهين تعود إلى جحرها أعلى الجبل
ويبقى ظلي
وحده على سفح خيباته ليبعثر ما تبقى
في ألبوم طفولته من طوابع وانطباعات .
كما يضفي الصايغ على قصائده مشهدية أخاذة، كما هو الحال بالنسبة لقصيدة ليس موت، حين يعدد الموت في صور متوالية في الينابيع وزجاج النوافذ والقطارات بأسلوب تصويري عذب، إلى أن يرمي به في حفرة الوهم .
منذ ولد وهو لا يرى إلا موته في الينابع
وزجاج النوافذ والقطارات
وعندما مات أخيرا
اكتشف أن ما كان يراه طيلة حياته
ليس الموت
يتذكر ويضحك
ويهيل بيديه على وجهه
شلال ورد . . ويضحك .
يتقن الصايغ تفكيك الأشياء وجمعها من جديد في صياغة غير معتادة أو مكررة، تضيء الجملة الشعرية في متن النص، وهذا ما يمكن قياسه على جملة شلال ورد بدلاً من قول باقة ورد على سبيل المثال .
عنوان القسم الثالث في المجموعة سماوات خمس تندرج تحته مجموعة قصائد جاءت تحت عناوين فرعية هي السماوات التي حجبتها المظلة، هي تبدو سماء فقط، السماء من النافذة، السماء التي في السماء، سماي ومن هذه العناوين نلحظ توظيف السماء في أكثر من فضاء ومكان على أرض القصيدة، حيث ينجح الصايغ في نقلها من حيز الجمود والسكون إلى حيز الحركة، بأسلوب حركي مبدع، وخيال خصب، يقول الصايغ في قصيدة السماء التي في السماء:
أؤسس أسئلتي في الفراغ
فيستدرج الشكل ظلي إلى وحشة الحب
أدفن أسئلتي في حديقة بيتي
فيطلعها صاحبي شجرا
لا سماء سوى ما انتهى
فدعيني أقل ما أشاءْ:
مرة، حين داهمني الموت
أبصرت ما لا يرى
السماءُ التي في السماءْ .
هي عين الشاعر التي ترى ما لا يراه الغير، وهي التي تلتقط في هذا المقطع الشعري البصري المدهش سماء ثانية، تصنعها مخيلة الشاعر لتكون واقعاً لافتاً في مساحة شعرية فسيحة تبعث على التأمل والتفكّر، ثم الذهول أمام هذه الصياغة المحكمة للجملة الشعرية، التي يؤسسها الشاعر ويحلق معها في فضاء واسع بمحاذاة سماء الشعر، كما أن في هذا المقطع عودة إلى مسألة الموت التي يؤكد فيها الصايغ على فكرة الحياة التي تقف خلف أسوار الغياب، حين يبدأ هذا الأخير بمداهمة الشاعر أو المبدع في حالاته الكثيرة، فالسماء التي يبصرها الشاعر في هذا المقطع، هي الحياة الثانية التي لخصها الشاعر في قالب شعري وقفلة ثرية بالمفارقة وما هو خارج التوقع . ويمكن إسقاط ذلك على جميع القصائد الخمس .
يقول الصايغ في أولى قصائد هذا القسم . .
بعضنا قد يؤجل،
لكنه لا يموت
والمظلّة واحدة:
هطل المطر المر،
حين شعرنا بأن السماء
ملبدة بالحواس
السماء التي حجبتها المظلة .
وهنا تنتهي القصيدة بالتقاطة شعرية مناورة، تقلب موازين الأشياء فتجعل من الصغير كبيراً ومن الكبير صغيراً، من خلال رؤية فلسفية بديعة، اعتدنا عليها في قصائد الصايغ الذي يمتلك كل أدوات الكتابة الشعرية ويتفوق في رسم القصيدة داخل إطار لوحة فنية مطرزة بالجمال والدهشة .
وفي القسم الرابع أمر على اسمك تتجه القصيدة نحو المرأة، التي تبدو في قصائد هذا القسم بوصلة الشاعر، وتبدأ القصيدة بها، لتصل معها حتى نهاياتها أيضاً، بعيداً عن مصيدة الوصف المباشر الذي كثيراً ما نلمسه في قصائد شعرية تحاكي المرأة، وهو ما لم يسلم منه حتى كبار الشعراء .
وبالرغم من عنوان المجموعة الذي يحيل القارئ إلى مسألة الخروج عن سطوة موسيقا البحور، إلا أن الصايغ في عدد من قصائد هذا القسم وغيره يرفع من صوت الإيقاع الداخلي للنص، عبر موسيقا الحروف إلى جانب إيقاع الوزن، ويضع القارئ أمام حالة جمالية مكتملة من حيث الصورة والإيقاع والفكرة .
يقول الصايغ في قصيدة المصعد:
رنّ هاتفها فأراقْ
في الشفاهِ صهيل اشتياقْ
رقم صاعق ويدوخ رأس المسافات
بين الفراقِ وبين الفراقْ
رن هاتفها فإذا الروح تصعد في مصعد الشمسِ
نحو الجسدْ . .
والأبدْ
يتناولني أو يناولني بعض سحر العراقْ
مثلها لا أحدْ .
ولا تبتعد المضامين والعناوين الأخرى في هذا القسم عن أجواء هذه القصيدة، وهي عناوين دالة تهيئ القارئ للدخول إلى عوالم النص . أمر على اسمك، لو أني، البنت تحت الدوش، لا تسأليني كم أحبك، أظنك مرسومة، المصعد، كسرٌ في الوزن .
في قصيدة الوشاية وهي واحدة من قصائد القسم الخامس في هذه المجموعة الذي حمل عنوان قصائد تتقدمها الوشاية، ينحاز الشاعر إلى الفكرة، ويصيغ عبارته بثقة وتأمل، يجذبان انتباه القارئ ويأخذانه إلى أبعد مناطق النص، والوشاية حسب ما يراه الشاعر في هذه القصيدة هي واو المعية، وهو وصف يبدو بسيطا، ولكنه عميق في الوقت ذاته، ويحيل إلى درجة عالية من المهارة في استحضار الأفكار التي تعبر عما يريد الشاعر قوله والإشارة إليه . .
الوشاية واو المعية
وأطراف مقبرة لندنية
على المقعد الخشبي الطويل كتابات عشقٍ
ورسم قلوبٍ
كأن الذي مات باغته موته
فأراد اختصار الوصية .
هذه مباغتة جمالية لا مكان لها سوى في دائرة الشعر الآسر، الذي يضعنا أمام لقطة ذات أبعاد كاملة . . القافية التي تأتي في سياق المعنى من دون أن تكون مقحمة، والمفارقة الماثلة في موت يختصر الوصية .
الصايغ ومنذ مجموعاته الأولى يقترب من ملامسة الواقع، والهموم الجمعية التي عاينها في قصيدته، ومنها همّ الوطن الذي كتبه الصايغ شعراً بوصفه الأرض والهوية والضمير منذ بداياته الشعرية التي واكبت التحولات العربية في فترة حافلة بالأحداث والتغيرات، وهو ما جعل فكرة الوطن -بمفهومه الشامل- حاضرة في وجدان الشعر وذهنية القصيدة لدى معظم الشعراء العرب .
في قصيدة عمودية بعنوان مصر جاءت في القسم السادس يتحدث عن دورها وتاريخها العظيم، ومكانتها في قلب الحضارة والزمان العربي . .
إن بين الأسماء أحرف مصر
بل وإيماء مائها والسؤالا
مصر يا سورة الزمان وسراً
عربيا يكاد ألا يقالا
إن الصايغ بهذا العمل الشعري الذي ينضم إلى سواه من الأعمال السابقة ذات الأهمية والخصوصية اللافتتين يفرض نفسه كواحد من رموز الحراك الشعري في المشهد الأدبي العربي، وهذا يطرح سؤالاً لطالما طرحه عدد من النقاد الذين تناولوا هذه السيرة والمسيرة لشاعر ملتزم بقضية الشعر . . كيف لا تكون حركة النقد عمياء إذا أشاحت بنظرها عن مشروع شعري ناضج ومؤثر كمشروع حبيب الصايغ؟