أسهمت أوروبا في تلك التحولات بنصيب وافر وكبير منها، فما عرفته من تحولات في ابنيتها الوطنية والقومية والإنسانية انعكس في مرآة التيارات الثقافية، التي مهدت الطريق أمام ظهور مدارس متعددة في الأشكال التعبيرية المختلفة، وكان كل ذلك يتمظهر في مسميات، ومفاهيم ومصطلحات، أصبحت اليوم مستقرة في القاموس الإنساني إلى حد كبير .

من نافل القول إن استيعاب ما يمكن تسميته بوجيز التيارات الثقافية في القرن العشرين يحتاج إلى مجلدات واسعة، لكن بانوراما سريعة على المحطات الكبرى كفيلة أن ترينا إلى أي حد كان للثقافة بمعناها الواسع دورا كبيرا في صراع الإنسان من أجل التعبير عن واقعه وأحلامه ورؤاه في واحد من أشد القرون ضراوة، فيكفي أنه اشتمل على حربين عالميتين أودتا بحياة الملايين من البشر، وعلى صعود قطبين بارزين هما الاتحاد السوفييتي وأمريكا اللذين دارت في فلكيهما معظم السياسات العالمية، وربما الثقافية، انصياعا، أو رفضا .

في مجال الفن التشكيلي كانت المساحة التي تنبني فيها التحولات الكبرى في هذا الفن تتحرك على مساحة أوروبا كاملة، ومع أن الصيت في هذا المجال يذهب غالبا إلى تأثير فرنسا الأفكار والحرية في حركة التشكيل، وهو أمر فيه الكثير من الصحة إلا أن تأثير بلدان أخرى لم يكن أقل شأنا، فالتفاعل بين الواقع وحاجة الفنان، كانت سمة أوروبية بامتياز في بدايات القرن الفائت فالتجريد الذي جاءت مقدماته الحقيقية مع الفنان الروسي كاندينسكي، كان له شديد الأثر في الفن الفرنسي ذاته، وفي هذا الإطار لا يمكن نفي حقيقة التأثير الفرنسي في الفن الروسي عموما في العقد الأول من القرن العشرين حيث كانت جماعة علم الفن آنذاك همزة الوصل الحقيقية بين روسيا وفرنسا، وقد تجلت ذروة أنشطتها في تنظيمها معرض الصالون الخريفي عام ،1906 والذي ضم عددا كبيرا من الأعمال وصل إلى 750 عملا، أعقب ذلك زيارة الفنان الفرنسي ماتيس إلى روسيا وتشكل جماعة الوردة الزرقاء التي أقامت معارضاً مشتركة لفنانين فرنسيين وروس بين عامي 1907 و1909 .

إن تاريخ الحركة الفنية التشكيلية وتعدد مدارسها كان يمكن أن يستمر ويأخذ مداه العالمي لولا أن قيام الثورة البلشفية عام 1917 أثر بشكل واضح في تقلص روح التعددية التي كانت موجودة سابقا من تجريدية وانطباعية وتكعيبية ورومانسية وغيرها، وما أن حل عقد الثلاثينات حتى بدأ يترسخ مفهوم الواقعية في الفن والأدب معا في عموم بلدان الاتحاد السوفييتي الذي شكل بمساحته سدس الكرة الأرضية، برغم أن مفهوم الواقعية ذاته عرف تنوعا كبيرا، إلا أن الفن الروسي أو السوفييتي راح يتقوقع في إطار ما عرف بالواقعية الاشتراكية التي أمحت وجود تلك التعددية في الواقعية لمصلحة الصفة، وهي الاشتراكية، حيث تم اختزال البعد الإنساني والإجتماعي في المسألة الطبقية، ما جعل روسيا تنسحب تدريجيا تاركة الساحة لبلدان أوربية أخرى، كانت فرنسا في مقدمتها، خاصة أن القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانا قد رسخا تقاليد مهمة في مجال حرية التعبير .

في فرنسا كان الفن التشكيلي والشعر يمتزجان معا في صناعة روح التمرد نتيجة آثار الحرب العالمية الأخرى، وعلى المقولات الفكرية التي قادت إلى الحرب، وراحت الثقافة تتغذى من ينابيع الفن والإبداع، وظهرت حالة فريدة من نوعها استقطبت العديد من مبدعي أوروبا، حتى أطلق على العاصمة الفرنسية باريس عاصمة النور، ففيها تبلورت الحركة الدادائية التي كانت قد انطلقت في الأساس في العاصمة السويسرية زيوريخ عام 1916 حيث قامت مجموعة من الفنانين والشعراء والنقاد ومنهم هوغو بول، وإيمي هينيتيز، وترزتن تزارا، وهاتز آراب، وغيرهم، بإصدار البيان الأول للحركة الدادائية، وقام بتلاوة البيان مارسيل جانكو ومما جاء فيه: لقد فقدنا الثقة في ثقافتنا، كل شيء يجب أن يهدم، سنبدأ من جديد بعد أن نمحي كل شيء، سيبدأ صدام المنطق، الرأي العام، التعليم، المؤسسات، المتاحف، الذوق الجيد، باختصار كل شيء قائم .

فرنسا التي تواصل فنانوها وشعراؤها مع الحركة الدادائية في زيورخ فقد لمعت الحركة الدادائية واشتهرت وضمت أسماء أثرت في مجمل الحركة الفنية والأدبية في العالم في ما بعد ومنهم أندريه برتون، و ماكس جاكوب، وجلم أبونيه، وغيرهم من الفنانين والشعراء والنقاد الذين انتفضوا ضد الفكر الأوروبي الذي أدى إلى الحرب العالمية الأولى خاصة العقلانية الأوروبية التي منحت لذاتها الحق في محورة العالم حول أفكارها، أو تخيلت أن بإمكانها فعل ذلك، ولقد جاء تتويج الدادائية عبر بياناتها، ومعارضها، وكان للمعرض الأول للدادائية الذي جاء تحت عنوان تابو عام 1921 بمثابة صدمة كبيرة لحراس الفكر التقليدي في فرنسا، والبلدان الغربية الأخرى، خاصة لما حمله من أفكار تحررية من كل ترسبات العقل وعقده، وأعطى الأولوية لحرية الخيال المبدع .

فصام

تحولت أوروبا القرن العشرين إلى ساحة صراع حقيقية بين الأفكار والتيارات الثقافية والإيديولوجية والفنية، خاصة أن الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي رسخت حالة من الانفصال والفصام بين العالمين، ليس على مستوى البنى المادية وحسب، وإنما في التوجهات الإبداعية والنقدية أيضاً، ولقد امتدت ساحة الصراع إلى أبعد من الساحة الأوروبية، فقد أصبحت أمريكا نفسها مركزا من مراكز تمركز الصراع الفكري، وهو ما تمثل بظهور حالات من التمرد الإبداعي من داخل النظام نفسه، فقد جاء الشعر والسرد الأمريكيين المعاصرين بمجملهما كردة فعل على المفهوم الرسمي للحرية الأمريكية، حيث قدمت أمريكا في مجال الرواية أساليب جديدة في السرد، إذ يعتبر وليام فوكنر أحد أهم رواد رواية تيار الوعي، وكتب أعمالا مهمة وفقا لهذا الشكل السردي منها الصخب والعنف وأبسالوم وإلى الوراء يا موسي والذي لا يقهر، كما قدمت أمريكا روائيا آخر يعتبر أحد أعلام الرواية وهو أرنست همنغواي صاحب الشيخ والبحر حتى إن النهاية المأساوية لهمنغواي بانتحاره، كانت جزءاً من حالة الاحباط التي عاشها الكثير من المبدعين في أمريكا من التناقض بين الشعار العام للنظام الرأسمالي وبين الآليات التي تتناقض مع ذلك الشعار، كما قدمت أمريكا شعراء وروائيين البيتنيكس في الخمسينات من القرن الفائت وفي طليعتهم آلن غينسبرغ، ووليام كارلوس، وبوب ديلان، إضافة الى لورنس فرلنفيني، ونيل كاسيدي، وغريغوري كورسو، ووليام بوروز، وغاري شنايدر، الذين مثلوا حالة خاصة في تاريخ الحركة الأدبية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد عانوا الكثير من التجاهل على مستوى النظام الأمريكي الرسمي، الذي اعتبرهم في مصاف المعارضة السياسية .

في الوطن العربي كان لمجمل التيارات الثقافية والفكرية تأثيرا كبيرا في التحولات التي تمت في كافة مجالات الفنون والإبداع، تحولات صاغت الجدل الفكري الذي أدى إلى ظهور حركة الحداثة العربية، التي خاضت حربا شرسة لفرض ما تحمله من جديد في ظل ظروف استثنائية، خاصة أن معظم بلدان الوطن العربي كانت واقعة تحت الاستعمار، بالإضافة إلى نكبة فلسطين عام ،1948 كل تلك العوامل أوجدت حداثة عربية بلون خاص، فبالقدر الذي استفاد فيه الحداثيون العرب من الاتجاهات والمدارس الغربية، فإنهم وقفوا ضد الممارسات السياسية للدول الأوروبية، وهكذا فقد واجهت الحداثة تحديات عدة، منها ما هو متعلق بتجديد أشكال التعبير، التي كانت تطغى عليها الكلاسيكية، والرومانسية المثالية، ومنها ما تعلق بمضمون الإبداع نفسه، وقد كان الشعر بالدرجة الأولى مجالا لظهور بدايات حركة التجديد، حيث تم الخروج عن العمود الشعري، إلى شعر التفعيلة، والشعر الحر، وقصيدة النثر .

ظهرت الحداثة العربية هي الأخرى بمثابة حلبة صراع بين أفكار ورؤى عدة، ففي الوقت الذي تبنى الكثير من المبدعين التجديد الإبداعي مع الالتزام بالقضايا الواقعية مثل البنى الطبقية والاقتصادية السائدة، وما تعبر عنه تلك الأفكار المعيقة لحركة التجديد العامة في المجتمع، مع اختلاف الأساليب، إلا أنها ركزت على الواقع في شموليته وظهرت أسماء مهمة في الشعر والرواية والتشكيل والمسرح تعبر عن هذا المنحى مثل نجيب محفوظ، وزكريا تامر، وبدر شاكر السياب، وأمل دنقل، وحنا مينة، وسعد الله ونوس، ولؤي كيالي وغيرهم . في هذا الوقت كان هناك منحى حداثي آخر تمثل بالنزوع إلى إعطاء الشكل أولوية كبرى انطلاقا من فكرة تماهي الشكل والمضمون، وفي هذا المنحى أيضا تباينت الأساليب وفقا للهاجس الذاتي أو الموضوعي فقد كانت التحولات العميقة التي أجراها الراحل محمود درويش مثالا على تطور سياق التجربة الإبداعية من نظرة مباشرة إلى الحداثة إلى حالة أكثر شمولية وكونية، كما استمر أدونيس في تحولاته التي قلص فيها المساحات الواقعية والحسية لمصلحة الفكري والذهني، وما ينطبق على الشعر والرواية يظهر أيضا في الحركة التشكيلية العربية التي شهدت تحولات واسعة منذ خمسينيات القرن الفائت، حيث تعددت المدارس، بل وتداخلت في بعض الأحيان، وقد راح قوس التشكيل يصبح أوسع مما كان في البدايات، وهو ما نلحظه اليوم بشكل أكثر دقة بما يسمى اللوحة التعبيرية المعاصرة المنفتحة على كافة المدارس والمنذاهب الفنية .

العولمة التي شهدها العالم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي مع بداية تسعينات القرن الفائت وسقوط جدار برلين وتحول منظومة الدول الشرقية نحو الغرب وسيطرة أمريكا كقطب وحيد على السياسة العالمية، وظهور الشبكة العنكبوتية كإحدى أكبر وسائل التدفق المعلوماتي، فقد أدت كل تلك الأمور إلى حصول تغيرات كبيرة على مستوى تراجع الحداثة العربية في مستواها النظري، ففي الوقت الذي رافق فيه الفكر حركة التجديد الإبداعي العربي، ومهد الطريق لاختراقات عملية واسعة للبنى الكلاسيكية، راح هذا الفكر نفسه يشهد نوعا من الثبات والمراوحة في المكان نظرا للكثير من العوامل الموضوعية، وهكذا خسرت الحداثة مرجعياتها الفكرية، وهو ما يتمظهر في غياب السياق الفكري الإبداعي الفني، هذا الثالوث الذي كان الناظم العام لحركة الحداثة العربية، كما كان الناظم العام لحركة الحداثة الأوروبية في القرن العشرين، إذ وقف الفكر دوما إلى جانب الحركات الإبداعية المجددة في القرن العشرين، وخاض معها معاركها، وذاق طعم انتصاراتها، كما ذاق طعم هزائمها .