«في يوم الخندق خان يهود بني قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما ذهب الأحزاب عن المدينة وخذلهم الله جل وعلا، عادوا إلى بلادهم مخذولين. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصفي حسابه مع يهود بني قريظة فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة حتى تعبوا من الحصار ورضوا بأن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. فحكم عليهم سعد بأن تقتل مقاتلهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم..فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل من فوق سبع سماوات».
وهنا انفجر الجرح الذي كان أصيب به سعد في يوم الخندق وبدأت روحه تفيض إلى بارئها جل وعلا. فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر.
تقول عائشة رضي الله عنها: «فوالله إني لأعرف بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من بكاء أبى بكر من بكاء عمر». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا سعد جزاك الله خيراً فقد أنجزت ما وعدته ولينجزنك الله ما وعدك». وفاضت روح سعد بن معاذ رضى الله عنه.
وفى تلك اللحظة يأتي جبريل عليه السلام ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن عرش الرحمن قد اهتز لموت سعد بن معاذ.
وعندما صاحت أم سعد حزناً على وفاة ابنها قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أم سعد: ألا يجف دمعك ويذهب حزنك بأن تعلمي أن ابنك هو أول من ضحك الله له واهتز له العرش».
ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأن الله عز وجل أرسل سبعين ألف ملك ليحملوا جنازة سعد بن معاذ.. وأن هؤلاء الملائكة لم ينزلوا إلى الأرض قبل اليوم وإنما نزلوا لتشييع جنازة سعد بن معاذ.
رمية متقنة
جاء في كتاب «أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم» للإمام الترمذي: «عن عامر بن سعد قال لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ضحك يوم الخندق حتى بدت نواجذه. قال: قلت: كيف كان ضحكه؟ قال: «كان رجل معه ترس، وكان سعد رامياً، وكان الرجل يقول: كذا وكذا بالترس يغطى جبهته، فنزع له سعد بسهم فلما رفع رأسه رماه. فلم يخطئ هذه منه، (يعنى جبهته) وانقلب الرجل وشال برجله. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. قال: قلت من أي شيء ضحك قال: من فعله بالرجل». واعلم أن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم هنا ما كان إلاّ تبسماً سروراً من رمية سعد وانتصاراً له وليس سخرية ولا تشفياً من الكافر المقتول فهو أكرم وأعف من ذلك صلى الله عليه وسلم.
وأيضا حدثنا عبدان بن أحمد ثنا محمد بن عبدالله بن بزيع ثنا فضيل بن سليمان ثنا محمد بن يحيى الأسلمي عن العباس بن سهل عن أبيه سهل قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بالخندق فأخذ الكرزين فحفر به فصادف حجراً فضحك فقيل ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ضحكت من ناس يأتونكم من قبل المشرق ويساقون إلى الجنة وهم كارهون». (المعجم الكبير).
آيتا الشمس والقمر
ومن المواقف الأخرى التي بكى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عبدالله بن عمرو قال: «انكسفت الشمس يوماً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى حتى لم يكد يركع، ثم ركع فلم يكد يرفع رأسه، ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه، ثم رفع رأسه فلم يكد أن يسجد، ثم سجد فلم يكد أن يرفع رأسه فجعل ينفخ ويبكي ويقول: رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم، رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك، فلما صلى ركعتين انجلت الشمس، فقام فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا انكسفا فافزعوا إلى ذكر الله. الحديث أخرجه النسائي وأبو داود والحاكم».
وقوله (انكسفت الشمس): أي اسودّت واحتجب ضوؤها لحيلولة القمر بينها وبين الأرض، وهو أمر يحدث على فترات زمنية ثابتة.
وقوله: (رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون؟) ذلك لأن الله عز وجل وعده في كتابه الحكيم بأن لا يعذبهم عذاب الخسف والاستئصال. قال عز وجل: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون»، (سورة الأنفال الآية: 33).
انكسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم، فقال بعض الناس، إنها انكسفت لموت إبراهيم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، وجمع الناس إلى الصلاة، فصلى بهم ركعتين من غير زيادة، في هيئتها، ثم خطب فيهم صلى الله عليه وسلم وأعلمهم أن الشمس والقمر لا يتأثران بموت أحد أو حياته، وسمع له نفخ وبكاء لشدة خوفه صلى الله عليه وسلم على أمته ونصح الناس أن يفزعوا إلى الدعاء والصلاة إذا رأوا ذلك، وبين السبب فقال صلى الله عليه وسلم: ولكن الله تعالى يخوف بها عباده. والحكمة من الفزع إلى الدعاء والصلاة واستحضار عظمة الله عز وجل، تذكر يوم الأهوال الأكبر، لأن من علاماته أن تتبدل سنن الكون في الشروق والغروب وظهور الدخان الأسود الذي يزكم الأنوف فإن قال قائل: إن الكسوف والخسوف أمر عادي يحدث بنظام دقيق كحدوث الليل والنهار. فيقال له: التسليم للعلم لا خلاف فيه، وأيضاً تدبر آيات الله والفزع إلى الله عز وجل حين رؤية هذا الحدث الذي لا يكون إلاّ في أزمنة متباعدة لا يتنافى مع ثوابت العلم التي لا تثبت أمام إرادة الله عز وجل والله تعالى أعلم.ويستفاد من الحديث أن البكاء جائز في الصلاة، وأن مناجاة الله عز وجل جائزة في الصلاة، إن كانت لأمر يتصل بطلب الرحمة والإشفاق من عذاب الله عز وجل، كما أن الآيات الكونية لا تتأثر بشيء يحدث بين العباد فلا مجال للسحرة بعد ذلك اليوم أن يضحكوا على عباد الله، من بعد ما تبين لهم الحق في كلام النبي الأمي عليه الصلاة والسلام.
منطق رسول الله
وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: «سألت خالي هند بن أبى هالة وكان وصافاً، فقلت: صف لي منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه (بسم الله تعالى) ويتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دفت، لا يذم منها سيئاً غير أنه لم يكن يذم ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا مكان لها، فإذا تعدى الحلق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، وضرب براحته اليمنى بطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام».
قال عز وجل: «وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً، وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيءٍ قديراً»، (سورة الأحزاب الآيات: 25-27). يقول الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: