يُنظر إلى السيرة الذاتية في مجمل التصورات النظرية باعتبارها محكياً استعادياً يحاول من خلاله شخص معلوم إعادة بناء ما تناثر من وقائع وتقديمها في صيغة قصة تروي تفاصيل حياة تتميز بالتماسك والانسجام، وقد تكون الأنا، الدالة على الذاتية والفرد المعزول، هي الأداة المفضلة من أجل الإمساك بما يمكن أن تختزله الذاكرة في غفلة من الزمن وسلطان النسيان، فهي وحدها تملك القدرة على استثارة أهواء الذات وإسقاطها على الخارج في ما يشبه الامتلاك الذي من دونه سيظل الوعي أجوف، دون أن يعي ذلك إهمال ما يمكن أن تأتي به ضمائر أخرى من قبيل الأنت والهو، فهاتان وسيلتان مهمتان في بناء بيوغرافيا خاصة، أو رسم سيرة غيرية تلتقط حياة شخص من مخلفات التاريخ الخاص أو العام، لا من الحميمية المباشرة للذات الممثلة .
يمكن، من هذه الزاوية، رد وقائع السيرة إلى ما يمكن أن يصدق عليه التاريخ (الأحداث العامة) أو ما يمكن أن يؤكده مسار شخص يعيش ضمن جيل بعينه أو ضمن مجموعة مهنية أو ينتمي إلى تيار تعد وقائعه جزءاً من سيرة عامة خاصة بهذه الفئات مجتمعة، كلياً أو جزئياً، فاستناداً إلى مقتضيات هذه الاستعادة تقترح السيرة الذاتية ما يشبه البرنامج الذي تتم من خلاله إعادة بناء وحدة خاصة بحياة ممتدة في الزمن .
يتعلق الأمر في هذه برغبة في التقاط زمنية خاصة توحي، أو توهم، بتميز الذات الساردة وتفردها ضمن سياق ثقافي أو سياسي لن يكون للوقائع الخاصة من دونه أي معنى، ذلك أن حقيقة مؤلف السيرة ليست مستمدة مباشرة من أناه الساردة، بل موطنها الفضاء السيري بتعبير فيليب لوجون، أي مجموع النصوص التي سبق أن كتبها، أو مجموع الوقائع والأحداث التي كان جزءاً منها أو شاهداً عليها، لذلك لا يتعرف قارئ السيرة إلى كاتب يكتب، بل يكتشف ما يعود إلى إنسان يعرف بعضاً من حياته .
وتلك ميزة كل سرد سيري، إنه واع، وهذا الوعي هو الذي يوجهه ويقود خطاه، وهو الذي يدفع صاحب السيرة إلى الاعتقاد في قول الحقيقة كلها، وأن الوقائع المسرودة هي وقائع حقيقية وقد يكون هو الذي يميز أيضاً بين وقائع خام تنتمي إلى زمنية ولت إلى الأبد، وبين استعادة بعدية لا يمكن أن تسلم من مضافات اللغة وانتقائية الذاكرة وهوى الانتماء، وهذا الفاصل، في ما يبدو، هو الذي يحدد مضمون السيرة ويمنحها وضعها الخاص باعتبارها نوعاً سردياً هجيناً يحتمي بالتاريخ رغبة في تأكيد الحقائق المروية، ولكنه يرفض عمومياته، ويستعير من الرواية أدواتها، ولكنه لا يطمئن إلى الاستيهام التخييلي داخلها .
فهل يمكن للسيرة الذاتية، استناداً إلى هذه المفارقات، أن تكون شبيهة بالبورتريه الفوتوغرافي الذي يقال إنه قادر على استعادة الموضوع المصور في حقيقته الأصلية؟ أم هي شبيهة بالرسم الذي يلتقط نموذجاً عاماً يؤكد التشابه، ولكنه لا يلتفت إلى التفاصيل التي تسهم في بنائه؟ أم أن الأمر يشير، على النقيض من ذلك، إلى تخييل واقعي يستمد صدقيته من حميمية العوالم الذاتية، لا من موضوعية وقائع التاريخ؟
وقد قدم فيليب لوجون، وهو من أبرز المختصين في هذا الميدان، من زاوية شكلية، سلسلة من الخصائص الخطابية التي يعتبرها عماد السير الذاتية وشكل وجودها، فهي في جميع الحالات، أو جلها، محكي نثري يتحدث عن حياة واقعية خاصة بشخصية عامة، وغالباً ما تتم من خلال اللغة اللفظية حيث تشير الأنا الساردة داخلها إلى تطابق مركز السرد مع الشخصية التي تتحرك في النص، وهذا المحكي من طبيعة استعادية، فهو لا يحتمل حالات الإسقاط الاستباقي التي تميز الرواية ومشتقاتها، فحركة السرد فيه ممتدة دائماً إلى وراء هو مصدر القصة في الماضي ومآلها في الحاضر .
ومع ذلك، واستناداً إلى هذه الخصائص نفسها، يؤكد لوجون أن السيرة الذاتية (الغيرية) لا تختلف في شيء عن جميع الأنواع السردية الأخرى، الرواية في المقام الأول، لذلك ستظل من زاوية التحليل الداخلي للنص، شبيهة بالرواية، إذ إن كل الأدوات التي تستعملها من أجل إقناع المتلقي بصدقية المحكي يمكن للرواية محاكاتها، وقد حاكتها بالفعل . ذلك أن ما هو أساسي في الرواية، وفي السيرة على حد سواء، هو الاحتفاء بالتجربة الزمنية باعتبارها الوعاء القادر على استيعاب الوقائع وقياس حجمها وتطورها، والكشف عن الآماد الفاصلة بينها .
ومع ذلك، هناك ما يميز بينهما ويفصل عوالم التخييل (الرواية) عن التمثيل لوقائع سيرية فعلية يشهد التاريخ على صحتها، أو على الأقل لا تنكرها موسوعة القارئ أو تشكك فيها، ويستعين لوجون بعناصر خارجية هي وحدها قادرة، في نظره، على الفصل بين الوقائع التي تُبنى داخل ممكنات التخييل المفتوح، وبين ما يصنف ضمن الواقع الفعلي المحدود في التركيب وفي الممكنات، ويضع على رأس هاته العناصر ما يسميه ميثاق القراءة، فالمؤلف، وفق مقتضيات هذا الميثاق، يعلن في الصفحة الأولى من الغلاف، عن مضمون ما سيكتبه، إنه يلتزم بقول كل الحقيقة ولا شيء سواها . والحقيقة في منطق التمثيل السردي السيري، هي الالتزام بمرجعية واقعية تقتضي التجرد الكلي في نقل الوقائع وسردها .
إلا أن ميثاق القراءة هذا لا يمكنه أن يكون شاهد إثبات على حقيقة ما سيُروى، ذلك أن الفواصل بين التخييل وبين عملية رصد واقعي لأحداث ليست ممكنة بالمطلق، ولا هي واضحة بالشكل الكافي، فالذات التي تكتب ليست كلاً منسجماً قاراً يمتلك القدرة على الالتزام بموضوعية قصوى في التقاط كل ما عاشته بعيداً عن تأثيرات الأهواء . إن المعطى الحياتي أوسع بكثير من قدرات الوعي المدرك، وبذلك فهو يتجاوز حدود اللغة في التمثيل وفي الحمولات الدلالية على حد سواء، وعلى هذا الأساس، فإنه عوض أن يكشف عن نفسه من خلال ذاتية تؤكدها وقائع موضوعية، فإنه يحاول جاهداً الإمساك بالجوهر القار داخلها .
وذاك ما يقوم به فعل الانتقاء الذي يرافق محاولات صد مقاطع حياتية، سيرية كانت أو تخييلية، فكل حدث يُروى في السيرة يجب أن يكون موجهاً إلى رسم معالم حقيقة هي الغاية القصوى من السرد، وهو ما يعني، وفق منطق الانتقاء ذاته، أن الحياة خارج خطاب السيرة حقيقية، أما داخله فليست سوى تخييل واقعي، إننا ننتقل، من خلال فعل السرد السيري، من زمنية صامتة إلى أخرى موجهة، وهو ما يجعل السيرة الذاتية مبرراً وشارحاً ومؤولاً لواقع الحال .
ولهذا السبب، تعد كل استعادة تهذيباً للوقائع من خلال فعل الحكي ذاته، فالسرد، وهو المصفاة التي من خلالها نطل على مخزونات الذاكرة، يقوم بتصريف حر للزمن، حتى وهو يدعي التزامه بإكراهات تاريخ الشخص وتاريخ محيطه: إنه يقابل، من خلال هذه العملية، استناداً إلى منطق هو أعلم به من قرائه، بين الحاضر والماضي في السيرة، ويفسر اللاحق بالسابق، ويسقط السابق على اللاحق من خلال إحالات ضمنية منتشرة في جميع الاتجاهات، وعادة ما تتجاوز هذه الإحالات حدود الوقائع الخاصة بالذات الساردة لتستعيد أحداثاً تمت في فضاءات غريبة عن وقائع السيرة بحصر المعنى أو لا تجمعها بها صلة مباشرة .
وهذا أمر بالغ الأهمية في تصور الحقائق وبسط القول فيها، فالأنا لا تتكلم ولا تصف استناداً فقط إلى قناعات خاصة يمكن القول عنها إنها فردية، بل تفعل ذلك أيضاً استناداً إلى كل حالات الانتماء التي تجعل الفرد جزءاً من مجموعة، أي تحققاً لذهنية تعبر عن النحن التي تنطلق منها الأنا من أجل بناء عوالمها المخصوصة (أحكام من قبيل: يتصرف المغربي كذا، ويتصرف الخليجي كذا، والمصري كذا) . بعبارة أخرى، تستمد هوية الفرد جزءاً كبيراً من مضمونها من انتماءات قبلية، إنها موجودة في عالم قيمي يُبنى ضمن ثقافة وتاريخ وحضارة، بل قد تتحقق في الكثير من الحالات من خلال استحضار نماذج للتماهي من قبيل الأبطال والشخصيات العامة وأعلام السياسة والفن، فالذات تصنف نفسها ضمن هذه النماذج من خلال تكييف وقائعها مع وقائع التاريخ العام .
وللغة في هذا السياق وضع خاص، فهي ليست غطاء محايداً للوقائع، وليست بنية شفافة تعكس بأمانة ما يأتيها من خارجها لتقدمه خاماً كما كان في أصله . إنها تسهم في بناء الوقائع وتحدد جزءاً من حقيقتها، فأن تقول شيئاً ما عن شيء ما، معناه أن نقول شيئاً آخر، أي أننا نؤول، كما أكد ذلك أرسطو . إن أداة الصوت البَعدي الذي يستعيد ما فعله الطفل لغة عالمة لا تصف بل تؤول، وبذلك لا يمكن أن تكون جزءاً من الفعل المروي، إنها نظرة بعدية إليه، وهو أمر دال على أن السرد السيري، وغير السيري، لا يمثل، في واقع الأمر، لمعطيات استناداً إلى عين ترصد كل شيء، بل ينتقي ما يوده وما يسهم في بناء حبكته . وهو، في حالة السيرة خاصة، يكتفي بالتقاط ما يقود إلى بناء معالم صورة تخبر عن شخصية هي المراد من استعادة زمنية ولّت إلى الأبد ولن تحييها سوى اللغة .
إن السيرة الذاتية استناداً إلى ما يفصل بين حقيقة الوقائع وغايات الخطاب السردي، ليست خبراً محايداً، أي تجميعاً لأحداث تحكمها خطية كرونولوجية تربط بين بداية ومآل . إنها أكثر من ذلك، أو هي على النقيض من ذلك، بحث في الوقائع ذاتها عما يحقق التوازن بين عوالم الأنا المحدودة في الزمن، وبين الزمن التاريخي الممتد إلى ما لا نهاية .