فما هي مظاهر رعاية الإسلام للضعفاء وكفالته لحقوقهم في المجتمع حتى يعيشوا حياة كريمة مستقرة؟
يقول العالم الأزهري، د. محمد مختار جمعة، وزير الأوقاف المصري تتجلى عظمة الإسلام ورحمته في تشريعاته التي كفلت حقوق الفئات الضعيفة التي لا تقوى على قضاء حوائجها، أو السعي في مصالحها، وهي فئات مهمة في المجتمع لا يمكن أن يغفلها لأن الإسلام لا يعرف ما يسمى الفئات المهمشة، فالجميع فيه سواء الرجل والمرأة، الصغير والكبير، والغني والفقير، فالإسلام يحدث التكامل ويقيم التوازن بين أفراد المجتمع، فينعكس أثر ذلك على المجتمع بأسره، حبا وحنانا ومودة وسعادة.
لا حقد .. ولا حسد
ويضيف: والإسلام حين يعطي الضعفاء مزيداً من الرعاية والعناية، فإن ذلك يصب في مصلحة الأقوياء والأصحاء والأغنياء، إذ يزول الحقد والحسد والمرض النفسي، وتعم روح الوئام والسلام، ويظهر المجتمع بصورة ترضي الله - عز وجل - وتستوجب رحمته، فالخير والبركة لا يحلان إلا بسبب مراعاة هؤلاء الضعفاء والقيام على قضاء حوائجهم.. رأى سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن له فضلاً على من دونه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مستنكراً: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!».
وهذه حقيقة يؤكدها - صلى الله عليه وسلم - مبيناً فضل هؤلاء الضعفاء أطفالاً كانوا أو شيوخاً، مرضى أو فقراء، رجالاً أو نساء، فلقد جعلهم الله تعالى محل نظره وسبب رحمته، فمن أرضاهم رضي الله عنه، ومن أغضبهم أو انتقصهم حقوقهم وقدرهم غضب الله عليه.
وقد وصف الله - عز وجل - حال هؤلاء الضعفاء، وبيّن قدرهم ومنزلتهم ومكانتهم عنده سبحانه، فهم مع ضعفهم يتمنى أحدهم لو يجد ما يسهم به في خدمة دينه ووطنه، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قول الله تعالى: «ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذ نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم. ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون».
ابن أم مكتوم
وإذا ما تأملنا سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - نجد أنه قد اهتم بالضعفاء اهتماماً بالغاً، وأولاهم رعاية خاصة، حتى إنه حين انشغل عن أحدهم وأعرض عنه ولم يعطه اهتماماً عاتبه الله - عز وجل - فيه، فقد جاء عبد الله بن أم مكتوم - وكان كفيف البصر - إلى رسول الله ذات يوم وعنده صناديد قريش: عتبه وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام، رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، فنزل قول الله تعالى: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى» فكان رسول الله - صلى الله عليه سلم - يكرمه ويقول له إذا رآه: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي»، ويسأله «هل لك من حاجة؟!».
وكان صلوات الله وسلامه عليه يسعى في قضاء حوائج الضعفاء، ويزور مريضهم ويخفف من آلامهم، ويطعم جائعهم، ويقضي عن غارمهم، فمن أحسن إلى الضعفاء ازداد قرباً من رحمة الله - عز وجل - قال تعالى «إن رحمة الله قريب من المحسنين» والنبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل هذا معهم والسعادة تغمر قلبه والرحمة تملأ حنايا صدره. يقول عبد الله بن أبي أوفى: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف (يستكبر) أن يمشي مع الأرملة، والمسكين فيقضي له الحاجة».
ثم يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثواب من سعى في خدمة هؤلاء الضعفاء وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يقول: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار»، فيا له من ثواب جزيل وفضل عظيم لمن فعل فعل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - واقتفى أثره.
ابتلاء من الله
والإسلام في تكريمه لهؤلاء الضعفاء والرحمة بهم- كما يوضح د. جمعة - يتعامل معهم بإنسانية حيث ينظر إلى هذا العجز أو المرض على اختلاف أنواعه ومقداره على أنه ابتلاء من الله - عز وجل - لا بد من أن نتلقاه ونتقبله بالرضا والصبر والدعاء، فهو منحة من الله يرفع بها المؤمن ويكفر بها من خطاياه، قال تعالى: «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور».. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه»، ومن ثم فمن ابتلي في نفسه بشيء من ذلك فليوقن تمام اليقين أن هذا من الله رحمة به ومنحة له، وليصبر وليتعلم كيف يتعامل مع الابتلاء وكيف يحافظ على حقوق الضعفاء.
والحذر كل الحذر من السخرية والاستهزاء بمن كان هذا حاله فقد قال الله، عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون»، فيحرم التعرض لهم بنظرة تحمل ازدراء، أو بقول ينال من حالتهم، أو بعمل ينتقص من حقهم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ها هنا»، ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله وعرضه».
والمسلم في تعامله مع أصحاب الحاجات من يتامى وفقراء وذوى قدرات خاصة ينبغي أن يكون كما يقول د. جمعة- صاحب أدب وخلق جم ولقد علمنا الإسلام ماذا نقول إذا رأينا من ابتلي ببلاء حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء»، وهذا من صور شكر الله تعالى على نعمه وعلى كل مسلم أن يدرك أن الصحيح قد يمرض، وأن الغني قد يفتقر وأن الحي سيموت، وكل شيء عند الله بقدر.
ومن حقوق الضعفاء التي كفلها لهم الإسلام: توفير الحياة الكريمة في المأكل والمشرب والمسكن، وتوفير دور الرعاية الصحية والاجتماعية لهم، وتنمية الطاقات الكامنة فيهم وتوظيفها في محلها، فمنهم من يقدر على عمل إبداعي فكري، ومنهم من يقدر على عمل رياضي بدني، فهو إذا شارك الناس فيما يقدر عليه ووجد لمسة حانية ممن حوله خف عنه الألم النفسي وأحس بأنه جزء من مجتمع يحبه ويحافظ عليه.
رعاية اليتامى
ومن هؤلاء الضعفاء «اليتامى» فقد وجه الإسلام أتباعه بالحفاظ على أموالهم، حيث أمر الله - عز وجل - الأوصياء، وكل من له صلة قرابة بيتيم أن يحسن إليه ويقوم على شؤونه والقيام باحتياجاته ورعاية أمواله، حيث وجه الله تعالى الأولياء والأوصياء برعاية اليتيم وإصلاح ماله وحاله، سواء أكان هذا اليتيم قريباً أو غريباً، قال تعالى: «ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم».
ولو تأملنا الآية ونظرنا على وجه التحديد في موقع كلمة «الإصلاح» ثم فكرنا في بدائلها اللغوية وما يرادفها لوجدنا أن العربية في عمقها واتساعها عاجزة عن أن توافينا بكلمات تقوم مقامها في هذا الموضع، فالإصلاح أمر جامع لما يحتاج إليه اليتيم، فقد يحتاج إلى المال فيكون الإصلاح برا وعطاء ماديا، وقد يحتاج إلى من يتاجر له في ماله أو من يقوم على زراعته، أو صناعته، فيكون الإصلاح هو القيام بذلك كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ابتغوا بأموال اليتامى، لا تأكلها الصدقة»، وقد لا يحتاج اليتيم إلى المال وإنما يحتاج إلى التقويم والتربية فيكون الإصلاح هنا رعاية وتربية، وقد لا ينقصه هذا ولا ذاك وإنما تكون حاجته إلى العطف والحنو والإحساس بالأبوة، فيكون الإصلاح إشباع ذلك عنده.
ولأجل هذا كان ترغيب النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفالة اليتيم، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة»، وأشار بالسبابة والوسطى.
وكان التحذير الأكيد والوعيد الشديد لكل من اعتدى على أموال اليتامى بأكلها أو ضياعها واضحاً في قول الله تعالى: «وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً. إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا».
وبهذا لا يترك الإسلام اليتامى نهباً للأوصياء أو الطامعين أو مستغلي حال ضعفهم، وإنما يشدد على حفظهم وتعهدهم بالرعاية والعناية، لئلا تضيع حقوقهم وتهمل تربيتهم، فنجد المجتمع يعاني ظواهر سلبية كأطفال الشوارع والعاطلين والمتسولين.
وهكذا يراعي الإسلام الضعفاء على اختلاف أنواعهم وتباين أسباب ضعفهم، وما بين مريض أو فقير أو يتيم أو امرأة صغيرة أو مسنة، أو أحد من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يرعاهم الإسلام رعاية لا مثيل لها.
د. محمد مختار جمعة