كفلت الشريعة الإسلامية للمريض حقوقاً على أسرته وأهله وأصدقائه وأطبائه لا‮ ‬يجوز بأي‮ ‬حال التفريط فيها ولا التخلي‮ ‬عنها،‮ ‬فهو في‮ ‬حال ضعف نفسي‮ ‬ويجب على كل المحيطين به مساعدته على الخروج من حالة المرض إلى حالة العافية ليعيش حياته سليماً صحيح البدن مستريح النفس‮.. ‬أو حتى‮ ‬يقضي‮ ‬الله أمر كان مفعولا‮. وأول وأهم حقوق المريض تقع على طبيبه،‮ ‬فهو مطالب ببذل كل الجهد،‮ ‬واتخاذ الوسائل كافة لتخفيف آلامه،‮ ‬ومساعدته على الشفاء،‮ ‬وكل تقصير في‮ ‬ذلك‮ - ‬كما‮ ‬يؤكد د‮. ‬أيمن‮ ‬يسري،‮ ‬أستاذ الجهاز الهضمي‮ ‬والكبد بجامعة القاهرة‮ - ‬هو إهمال من جانب الطبيب سيحاسبه الله عليه،‮ ‬كما‮ ‬يحاسب مهنياً وأخلاقياً‮.
من هنا‮ ‬يرفض ويدين د‮. ‬يسري‮ ‬ما‮ ‬يطلق عليه الموت الرحيم،‮ ‬ويرى أن أي‮ ‬طبيب‮ ‬يتورط في‮ ‬هذا الجرم‮ ‬يجب أن‮ ‬يوقع عليه العقاب الرادع،‮ ‬فضلا عن عقاب الخالق سبحانه،‮ ‬فالمريض أمانة في‮ ‬عنق الطبيب هو مطالب شرعاً وقانوناً ومهنياً وأخلاقياً بتقديم كل مساعدة له على تجاوز حالة المرض إلى حالة الصحة لو كان بإمكانه ذلك‮.‬

وإلى جانب تقديم جميع الخدمات الصحية للمريض من جانب طبيبه،‮ ‬هو مطالب أيضاً بالحفاظ على أسراره‮.. ‬ولذلك فإن كل طبيب‮ ‬يكشف سر مريضه ‬يخالف أخلاقيات المهنة وينبغي‮ ‬أن‮ ‬يعاقب على ذلك‮.‬

ثقة متبادلة

ويقول‮: ‬العلاقة بين الطبيب ومريضه تقوم على الثقة المتبادلة،‮ ‬فالمريض‮ ‬يتحدث عن حالته بموضوعية ويروي‮ ‬لطبيبه معاناته وأعراض مرضه بكل شفافية حتى‮ ‬يسهل للطبيب التعرف بالمشكلة التي‮ ‬يعانيها‮ ‬،‮ ‬والطبيب في‮ ‬كل الأحوال مؤتمن على أسرار مريضه ولا‮ ‬يبوح بها لأي‮ ‬شخص أو جهة إلا في‮ ‬حالات خاصة كأن تطلبها محكمة للقضاء في‮ ‬قضية تخصه،‮ ‬أو تطلب منها جهات تحقيق رسمية تقريراً أو شهادة،‮ ‬وفي‮ ‬بعض هذه الحالات‮ ‬يجوز للطبيب أن‮ ‬يمتنع عن كشف أسرار مريضه‮.‬
ويوضح أستاذ الطب الشهير أن أسرار المريض ليست أمانة في‮ ‬عنق الطبيب وحده،‮ ‬بل هي‮ ‬أمانة في‮ ‬عنق كل من‮ ‬يطلع عليها خاصة في‮ ‬ظل تداول ملفات المرضى بين أياد ‬كثيرة داخل المستشفيات والمراكز الطبية فكثير من العاملين في‮ ‬المستشفيات‮ ‬يطلعون على مضمون ما تحمله الملفات والتي‮ ‬تحولت في‮ ‬كثير من المراكز الطبية من ملفات ورقية إلى ملفات على الكمبيوتر‮.. ‬ولذلك لا‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نحمل الطبيب وحده مسؤولية كشف ما في‮ ‬ملفات المرضى من بيانات طبية‮.‬

حفظ الأسرار

الفقيه الأزهري‮ ‬د‮. ‬سيف قزامل‮ - ‬عميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر‮ - ‬يؤكد أن حفظ أسرار المريض ليس مجرد حق من حقوقه،‮ ‬بل هو‮ ‬من الواجبات الدينية والأخلاقية،‮ ‬ويقول‮: ‬حفظ سر المريض واجب ديني‮ ‬وأخلاقي‮ ‬على كل إنسان،‮ ‬وهو أوجب على الطبيب الذي‮ ‬يتمكن بحكم العلاقة القريبة التي‮ ‬تجمعه بمريضه من التعرف بأسراره مباشرة فالمريض قد‮ ‬يخطر طبيبه بسر قد لا‮ ‬يطلع عليه أقرب الناس إليه،‮ ‬وذلك طمعا في‮ ‬العلاج،‮ ‬أو‮ ‬يطلع الطبيب بشكل‮ ‬غير مباشر من خلال فحصه للمريض على سر له لا‮ ‬يعرفه‮ ‬غيره‮.. ‬لهذا كان واجبا على الطبيب شرعا وقانونا حفظ سر مريضه وإذا ما خالف ذلك كان مستحقا لعقاب من الجهة التي‮ ‬تشرف عليه سواء كانت وزارة أو نقابة أو مؤسسة‮. ‬ويوضح عميد كلية الشريعة بالأزهر أن التزام الطبيب بحفظ أسرار مريضه،‮ ‬أمر تؤكده كل الشرائع والقوانين والأعراف المهنية لذلك‮ ‬يجب معاقبة كل من‮ ‬يستهين بذلك‮. ‬
لكن‮: ‬هل هناك حالات‮ ‬يجب فيها كشف سر المريض؟
يقول‮: ‬نعم عندما‮ ‬يكون المريض مصابا بمرض خطر ومعد مثل مرض نقص المناعة المكتسبة‮ «‬الإيدز‮» ‬وأراد هو أن‮ ‬يخفي‮ ‬هذا المرض اللعين عن المحيطين به،‮ ‬وعن المؤسسات الطبية في‮ ‬بلاده ما‮ ‬يعرض حياة الآخرين للخطر‮.. ‬هنا‮ ‬يكون من واجب الطبيب أو المركز الذي‮ ‬اكتشف المرض كشف حالة المريض للأجهزة الطبية المسؤولة لتحقيق هدفين‮: ‬الأول حماية المريض نفسه وتوفير الرعاية الصحية التي‮ ‬يحتاجها‮.‬
والثاني‮ ‬حماية المحيطين به والمخالطين له من العدوى،‮ ‬فالإبلاغ‮ ‬عن مريض الإيدز في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى جلب مصلحة للمريض،‮ ‬ودرء مفسدة عن المجتمع،‮ ‬وهذا ما تهدف إليه أحكام الشريعة الإسلامية‮.‬

ثواب كبير

وزيارة المريض أحد حقوقه الأساسية التي‮ ‬لا‮ ‬يجوز التفريط فيها أو التخلي‮ ‬عنها لما لها من أجر عظيم عند الله‮ - ‬سبحانه وتعالى‮ - ‬ذلك أن واجب المسلم أن‮ ‬يشارك أخاه المسلم أفراحه وأحزانه ليحقق معنى الأخوة ويؤكد الشعور الإيماني‮ ‬الأخلاقي‮ ‬الذي‮ ‬يجمع بين المسلمين الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‮: «‬مثل المؤمنين في‮ ‬توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى‮».‬
وعيادة المريض‮ - ‬كما‮ ‬يقول د‮. ‬أسامة الأزهري‮ ‬الأستاذ بجامعة الأزهر‮ - ‬من أفضل القربات إلى الله، وهي من الآداب التي‮ ‬جاء بها الإسلام وحث عليها رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬في‮ ‬العديد من الأحاديث الصحيحة،‮ ‬وقد اعتبرها صلوات الله وسلامه عليه من أهم حقوق المسلم على أخيه المسلم،‮ ‬حيث قال‮: «‬حق المسلم على المسلم ست‮» ‬قيل‮: ‬وما هي‮ ‬يا رسول الله؟ قال‮: «‬إذا لقيته فسلم عليه،‮ ‬وإذا دعاك فأجبه،‮ ‬وإذا استنصحك فانصح له،‮ ‬وإذا عطس فشمته،‮ ‬وإذا مرض فعده،‮ ‬وإذا مات فاتبعه‮».‬
وقد بشرنا رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬بأن هناك ثواباً كبيراً عند الله لمن يحرص على زيارة المرضى والاطمئنان عليهم والتخفيف عنهم،‮ ‬حيث‮ ‬يقول في‮ ‬الحديث الشريف‮: «‬من عاد مريضاً ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا‮ً».. ‬كما‮ ‬يرغبنا صلوات الله وسلامه عليه في‮ ‬عيادة المريض فيقول‮: «‬إن الله‮ - ‬عز وجل‮ - ‬يقول‮ ‬يوم القيامة‮: ‬يا ابن آدم مرضت فلم تعدني‮! ‬قال‮: ‬يا رب،‮ ‬كيف أعودك وأنت رب العالمين؟‮! ‬قال‮: ‬أما علمت أن عبدي‮ ‬فلاناً مرض فلم تعده؟‮ ‬أما علمت أنك لو عدته لوجدتني‮ ‬عنده‮». ‬وليس هناك أروع ولا أبلغ‮ ‬من هذا التصوير لفضل عيادة المريض ومثوبتها عند الله،‮ ‬حتى إن الله‮ - ‬جل جلاله‮ - ‬ليجعل عيادة المريض كأنما هي‮ ‬عيادة له‮.‬

عيادة الرجل للمرأة

سألت الفقيه الأزهري‮ ‬د‮. ‬سيف قزامل‮: ‬هل‮ ‬يجوز للرجل أن‮ ‬يعود أو‮ ‬يزور امرأة مريضة والعكس؟
قال‮: ‬لا بأس إذا أمنت الفتنة ولم تجلب الزيارة شبهة،‮ ‬فعيادة النساء للرجال والرجال للنساء مشروعة في‮ ‬ظل الضوابط الشرعية،‮ ‬وأهمها ألا تكون هناك خلوة شرعية بينهما،‮ ‬وألا‮ ‬يترتب عليها كشف للعورات أو نقل لأسرار المريض سواء كان رجلاً أو امرأة‮.‬
وقد نقلت لنا الروايات الصحيحة أن أم الدرداء عادت رجلاً مريضاً من أهل المسجد من الأنصار‮.. ‬ومما روي‮ ‬عن السيدة عائشة‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنها‮ - ‬قولها‮: «‬لما قدم رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬المدينة وعك أبوبكر وبلال‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنهما‮» - ‬قالت‮: «‬فدخلت عليهما»،‮ ‬فقلت‮: «‬يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟‮»، «‬ومعنى‮» ‬كيف تجدك‮ «‬أي‮ ‬كيف تجد نفسك،‮ ‬كما نقول نحن‮: ‬كيف صحتك؟ وهذه الروايات تؤكد أنه لا مانع من أن تعود المسلمة أخاها المسلم المريض ما دامت ملتزمة بالقواعد الشرعية والآداب المرعية،‮ ‬فلا خلوة ولا تبرج ولا تعطر،‮ ‬ولا خضوع بالقول»‮.‬
أيضاً تجوز زيارة الرجل للنساء المريضات،‮ ‬وهناك روايات كثيرة تنقل لنا كيف كان رسول الله‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬والعديد من الصحابة‮ ‬يعودون المريضات،‮ ‬ويرفعون من معنوياتهن،‮ ‬وهذا‮ ‬يؤكد حرص الشريعة الإسلامية على حقوق المريض وأهمها زيارته للتخفيف عنه،‮ ‬ودعمه معنويا لتكون له القدرة على مواجهة المرض،‮ ‬حيث أكد العديد من الدراسات والأبحاث الطبية والنفسية أن دعم المريض معنوياً والتخفيف عنه وعدم تركه للوساوس من الوسائل الفاعلة التي‮ ‬تقوي‮ ‬جهازه المناعي‮ ‬وبالتالي‮ ‬تكون لديه قدرة أكبر على مواجهة المرض‮.‬

آداب الزيارة

وقد أرشدنا الإسلام إلى آداب وأخلاقيات‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نتحلى بها عند زيارة المريض لتحقق الزيارة أهدافها الإنسانية والطبية وتسهم في‮ ‬رفع معنويات المريض والمساهمة في‮ ‬سرعة شفائه‮.. ‬ومن هذه الآداب‮ - ‬كما‮ ‬يقول الفقيه الأزهري‮ ‬د‮. ‬سعد الدين هلالي،‮ ‬أستاذ الشريعة الإسلامية‮ - ‬ما‮ ‬يتعلق بالوقت،‮ ‬والمدة،‮ ‬والاستئذان،‮ ‬حيث لا‮ ‬ينبغي‮ ‬زيارة المريض في‮ ‬وقت لا تسمح بها ظروفه،‮ ‬كما لا‮ ‬ينبغي‮ ‬إطالة الزيارة بما‮ ‬يسبب له حرجا‮ً.‬

ومن تلك الآداب أيضاً «التنفيس للمريض والسؤال عن حاله والدعاء له‮»‬،‮ وآداب التنفيس للمريض في‮ ‬أجله ‬من الآداب التي‮ ‬تؤكد المعنى الإنساني‮ ‬في‮ ‬حكم زيارة المريض‮. ‬والمقصود بالتنفيس أن عائد المريض‮ ‬يؤمله في‮ ‬الحياة،‮ ‬ولا‮ ‬يصدمه بكلمات الوداع،‮ ‬سواء رجا حياته أو كانت محتملة لشدة المرض وخطورته،‮ ‬وقد قال النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم‮: «‬إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في‮ ‬الأجل‮. ‬فإن ذلك لا‮ ‬يرد شيئاً‮ - ‬أي‮ ‬من القضاء‮ - ‬وهو‮ ‬يطيب بنفس المريض».. ‬وهكذا نرى أدب الإسلام في‮ ‬تطبيب المرضى‮ ‬بالمعاني‮ ‬الإنسانية الراقية‮. ‬

وسؤال العائد المريض عن حاله من أعظم ما‮ ‬يثلج صدر المريض،‮ ‬ولذلك أجمع الفقهاء على استحباب هذا السؤال على وجه‮ ‬يحقق مقصوده الكريم من دون أن‮ ‬يكون مزعجاً للمريض‮.. ‬وقد روي أن النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬كان‮ ‬يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأل عن حاله فيقول‮: «‬كيف تجدك». ‬وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام دخل على شاب وهو في‮ ‬الموت،‮ ‬فقال‮: «كيف تجدك‮؟». ‬قال‮: ‬أرجو الله‮. ‬وأخاف من ذنوبي‮. ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: «لا‮ ‬يجتمعان في‮ ‬قلب عبد في‮ ‬مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما‮ ‬يرجوه وأمنه مما‮ ‬يخاف‮».‬

وعن آداب الدعاء للمريض‮ ‬يقول د‮. ‬هلالي‮: ‬هي‮ ‬قائمة على معنى أن المريض‮ ‬يتعلق بكل أمل في‮ ‬شفائه أو تخفيف آلامه،‮ ‬وأعظم الأمل ما‮ ‬يأتي‮ ‬من عند الله سبحانه،‮ ‬خاصة إذا كان من الزائرين الصادقين‮.. ‬نقل ابن عباس‮ - ‬رضي‮ ‬الله عنه‮ - ‬عن النبي‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬قوله‮: «خمس دعوات مستجابات». ‬وذكر فيها‮: «‬ودعوة الأخ لأخيه‮». ‬ولذلك فإن الفقهاء أجمعوا على أنه‮ ‬يسن للعائد أن‮ ‬يدعو للمريض بالشفاء،‮ ‬وقد كان‮ - ‬صلى الله عليه وسلم‮ - ‬يمسح بيده اليمنى على المريض ويدعو له،‮ ‬وربما كان‮ ‬يقول‮: «‬كفارة وطهور‮». ‬وكان أحيانا‮ً ‬يضع‮ ‬يده على جبهة المريض ثم‮ ‬يمسح صدره وبطنه ووجهه ويدعو له‮. ‬وكان‮ ‬يرقي‮ - ‬أي‮ ‬يستعيذ بالله من المرض ويدعو للمريض بنية الشفاء‮ - ‬من له شكوى أو قرحة أو جرح‮. ‬وكان إذا‮ ‬يئس من المريض قال‮: «‬إنا لله وإنا إليه راجعون‮». ‬

ومن الأحاديث الواردة في‮ ‬ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‮: «‬ما من مسلم عاد أخاه فدخل عليه،‮ ‬ولم‮ ‬يحضر أجله،‮ ‬فقال‮: ‬أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن‮ ‬يشفي‮ ‬فلاناً من مرضه‮. ‬سبع مرات‮. ‬إلا شفاه الله منه‮». ‬