من هنا يرفض ويدين د. يسري ما يطلق عليه الموت الرحيم، ويرى أن أي طبيب يتورط في هذا الجرم يجب أن يوقع عليه العقاب الرادع، فضلا عن عقاب الخالق سبحانه، فالمريض أمانة في عنق الطبيب هو مطالب شرعاً وقانوناً ومهنياً وأخلاقياً بتقديم كل مساعدة له على تجاوز حالة المرض إلى حالة الصحة لو كان بإمكانه ذلك.
وإلى جانب تقديم جميع الخدمات الصحية للمريض من جانب طبيبه، هو مطالب أيضاً بالحفاظ على أسراره.. ولذلك فإن كل طبيب يكشف سر مريضه يخالف أخلاقيات المهنة وينبغي أن يعاقب على ذلك.
ثقة متبادلة
ويقول: العلاقة بين الطبيب ومريضه تقوم على الثقة المتبادلة، فالمريض يتحدث عن حالته بموضوعية ويروي لطبيبه معاناته وأعراض مرضه بكل شفافية حتى يسهل للطبيب التعرف بالمشكلة التي يعانيها ، والطبيب في كل الأحوال مؤتمن على أسرار مريضه ولا يبوح بها لأي شخص أو جهة إلا في حالات خاصة كأن تطلبها محكمة للقضاء في قضية تخصه، أو تطلب منها جهات تحقيق رسمية تقريراً أو شهادة، وفي بعض هذه الحالات يجوز للطبيب أن يمتنع عن كشف أسرار مريضه.
ويوضح أستاذ الطب الشهير أن أسرار المريض ليست أمانة في عنق الطبيب وحده، بل هي أمانة في عنق كل من يطلع عليها خاصة في ظل تداول ملفات المرضى بين أياد كثيرة داخل المستشفيات والمراكز الطبية فكثير من العاملين في المستشفيات يطلعون على مضمون ما تحمله الملفات والتي تحولت في كثير من المراكز الطبية من ملفات ورقية إلى ملفات على الكمبيوتر.. ولذلك لا ينبغي أن نحمل الطبيب وحده مسؤولية كشف ما في ملفات المرضى من بيانات طبية.
حفظ الأسرار
الفقيه الأزهري د. سيف قزامل - عميد كلية الشريعة والقانون بالأزهر - يؤكد أن حفظ أسرار المريض ليس مجرد حق من حقوقه، بل هو من الواجبات الدينية والأخلاقية، ويقول: حفظ سر المريض واجب ديني وأخلاقي على كل إنسان، وهو أوجب على الطبيب الذي يتمكن بحكم العلاقة القريبة التي تجمعه بمريضه من التعرف بأسراره مباشرة فالمريض قد يخطر طبيبه بسر قد لا يطلع عليه أقرب الناس إليه، وذلك طمعا في العلاج، أو يطلع الطبيب بشكل غير مباشر من خلال فحصه للمريض على سر له لا يعرفه غيره.. لهذا كان واجبا على الطبيب شرعا وقانونا حفظ سر مريضه وإذا ما خالف ذلك كان مستحقا لعقاب من الجهة التي تشرف عليه سواء كانت وزارة أو نقابة أو مؤسسة. ويوضح عميد كلية الشريعة بالأزهر أن التزام الطبيب بحفظ أسرار مريضه، أمر تؤكده كل الشرائع والقوانين والأعراف المهنية لذلك يجب معاقبة كل من يستهين بذلك.
لكن: هل هناك حالات يجب فيها كشف سر المريض؟
يقول: نعم عندما يكون المريض مصابا بمرض خطر ومعد مثل مرض نقص المناعة المكتسبة «الإيدز» وأراد هو أن يخفي هذا المرض اللعين عن المحيطين به، وعن المؤسسات الطبية في بلاده ما يعرض حياة الآخرين للخطر.. هنا يكون من واجب الطبيب أو المركز الذي اكتشف المرض كشف حالة المريض للأجهزة الطبية المسؤولة لتحقيق هدفين: الأول حماية المريض نفسه وتوفير الرعاية الصحية التي يحتاجها.
والثاني حماية المحيطين به والمخالطين له من العدوى، فالإبلاغ عن مريض الإيدز في هذه الحالة يؤدي إلى جلب مصلحة للمريض، ودرء مفسدة عن المجتمع، وهذا ما تهدف إليه أحكام الشريعة الإسلامية.
ثواب كبير
وزيارة المريض أحد حقوقه الأساسية التي لا يجوز التفريط فيها أو التخلي عنها لما لها من أجر عظيم عند الله - سبحانه وتعالى - ذلك أن واجب المسلم أن يشارك أخاه المسلم أفراحه وأحزانه ليحقق معنى الأخوة ويؤكد الشعور الإيماني الأخلاقي الذي يجمع بين المسلمين الذين قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
وعيادة المريض - كما يقول د. أسامة الأزهري الأستاذ بجامعة الأزهر - من أفضل القربات إلى الله، وهي من الآداب التي جاء بها الإسلام وحث عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العديد من الأحاديث الصحيحة، وقد اعتبرها صلوات الله وسلامه عليه من أهم حقوق المسلم على أخيه المسلم، حيث قال: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه».
وقد بشرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن هناك ثواباً كبيراً عند الله لمن يحرص على زيارة المرضى والاطمئنان عليهم والتخفيف عنهم، حيث يقول في الحديث الشريف: «من عاد مريضاً ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً».. كما يرغبنا صلوات الله وسلامه عليه في عيادة المريض فيقول: «إن الله - عز وجل - يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده». وليس هناك أروع ولا أبلغ من هذا التصوير لفضل عيادة المريض ومثوبتها عند الله، حتى إن الله - جل جلاله - ليجعل عيادة المريض كأنما هي عيادة له.
عيادة الرجل للمرأة
سألت الفقيه الأزهري د. سيف قزامل: هل يجوز للرجل أن يعود أو يزور امرأة مريضة والعكس؟
قال: لا بأس إذا أمنت الفتنة ولم تجلب الزيارة شبهة، فعيادة النساء للرجال والرجال للنساء مشروعة في ظل الضوابط الشرعية، وأهمها ألا تكون هناك خلوة شرعية بينهما، وألا يترتب عليها كشف للعورات أو نقل لأسرار المريض سواء كان رجلاً أو امرأة.
وقد نقلت لنا الروايات الصحيحة أن أم الدرداء عادت رجلاً مريضاً من أهل المسجد من الأنصار.. ومما روي عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قولها: «لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وعك أبوبكر وبلال - رضي الله عنهما» - قالت: «فدخلت عليهما»، فقلت: «يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟»، «ومعنى» كيف تجدك «أي كيف تجد نفسك، كما نقول نحن: كيف صحتك؟ وهذه الروايات تؤكد أنه لا مانع من أن تعود المسلمة أخاها المسلم المريض ما دامت ملتزمة بالقواعد الشرعية والآداب المرعية، فلا خلوة ولا تبرج ولا تعطر، ولا خضوع بالقول».
أيضاً تجوز زيارة الرجل للنساء المريضات، وهناك روايات كثيرة تنقل لنا كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعديد من الصحابة يعودون المريضات، ويرفعون من معنوياتهن، وهذا يؤكد حرص الشريعة الإسلامية على حقوق المريض وأهمها زيارته للتخفيف عنه، ودعمه معنويا لتكون له القدرة على مواجهة المرض، حيث أكد العديد من الدراسات والأبحاث الطبية والنفسية أن دعم المريض معنوياً والتخفيف عنه وعدم تركه للوساوس من الوسائل الفاعلة التي تقوي جهازه المناعي وبالتالي تكون لديه قدرة أكبر على مواجهة المرض.
آداب الزيارة
وقد أرشدنا الإسلام إلى آداب وأخلاقيات ينبغي أن نتحلى بها عند زيارة المريض لتحقق الزيارة أهدافها الإنسانية والطبية وتسهم في رفع معنويات المريض والمساهمة في سرعة شفائه.. ومن هذه الآداب - كما يقول الفقيه الأزهري د. سعد الدين هلالي، أستاذ الشريعة الإسلامية - ما يتعلق بالوقت، والمدة، والاستئذان، حيث لا ينبغي زيارة المريض في وقت لا تسمح بها ظروفه، كما لا ينبغي إطالة الزيارة بما يسبب له حرجاً.
ومن تلك الآداب أيضاً «التنفيس للمريض والسؤال عن حاله والدعاء له»، وآداب التنفيس للمريض في أجله من الآداب التي تؤكد المعنى الإنساني في حكم زيارة المريض. والمقصود بالتنفيس أن عائد المريض يؤمله في الحياة، ولا يصدمه بكلمات الوداع، سواء رجا حياته أو كانت محتملة لشدة المرض وخطورته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل. فإن ذلك لا يرد شيئاً - أي من القضاء - وهو يطيب بنفس المريض».. وهكذا نرى أدب الإسلام في تطبيب المرضى بالمعاني الإنسانية الراقية.
وسؤال العائد المريض عن حاله من أعظم ما يثلج صدر المريض، ولذلك أجمع الفقهاء على استحباب هذا السؤال على وجه يحقق مقصوده الكريم من دون أن يكون مزعجاً للمريض.. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأل عن حاله فيقول: «كيف تجدك». وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام دخل على شاب وهو في الموت، فقال: «كيف تجدك؟». قال: أرجو الله. وأخاف من ذنوبي. فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف».
وعن آداب الدعاء للمريض يقول د. هلالي: هي قائمة على معنى أن المريض يتعلق بكل أمل في شفائه أو تخفيف آلامه، وأعظم الأمل ما يأتي من عند الله سبحانه، خاصة إذا كان من الزائرين الصادقين.. نقل ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «خمس دعوات مستجابات». وذكر فيها: «ودعوة الأخ لأخيه». ولذلك فإن الفقهاء أجمعوا على أنه يسن للعائد أن يدعو للمريض بالشفاء، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يمسح بيده اليمنى على المريض ويدعو له، وربما كان يقول: «كفارة وطهور». وكان أحياناً يضع يده على جبهة المريض ثم يمسح صدره وبطنه ووجهه ويدعو له. وكان يرقي - أي يستعيذ بالله من المرض ويدعو للمريض بنية الشفاء - من له شكوى أو قرحة أو جرح. وكان إذا يئس من المريض قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
ومن الأحاديث الواردة في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم عاد أخاه فدخل عليه، ولم يحضر أجله، فقال: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي فلاناً من مرضه. سبع مرات. إلا شفاه الله منه».