تسجل التقارير المتعلقة بالبيئة في معظم أقطارنا العربية والإسلامية تدهورا ملحوظا ينذر بمخاطر بيئية تضر بالإنسان والحيوان والنبات والجماد حيث تنتشر صور التلوث البيئي في كل مكان وتمارس سلوكيات خاطئة وضارة بالبيئة من المتعلمين والبسطاء على السواء، وكل هذه الأخطاء والتجاوزات يدفع ثمنها الإنسان العربي والمسلم الذي تحيط به مصادر التلوث من كل جانب . يحدث هذا للأسف الشديد في الوقت الذي يؤكد فيه علماء

الإسلام أن حماية البيئة من التلوث فريضة إسلامية . . وأن الإضرار المتعمد بالبيئة إفساد في الأرض يستوجب العقاب وأن الارتقاء بالبيئة والإحسان إليها بالنظافة والزرع والتجميل والقضاء على كل مصادر التلوث من فضائل الأعمال التي يتقرب بها المسلم إلى خالقه والتي يكتسب بها السلوك الحضاري الراقي الذي يحسن صورته بين خلق الله . طرحنا قضية التلوث البيئي في عالمنا العربي وموقف الإسلام منها على عدد من علماء الإسلام . . فماذا قالوا؟

في البداية يؤكد الدكتور مبروك عطية، أستاذ الشريعة الإسلامية، أن ما نشاهده من تلوث بيئي يتصاعد يوماً بعد يوم يمثل تحدياً صارخاً لتعاليم الإسلام فهذا الدين العظيم أولى قضية البيئة اهتماما كبيراً انطلاقاً من عنايته بتوفير كل وسائل الحياة السليمة والكريمة للإنسان . فالإسلام يريد للناس أن يعيشوا في بيئة نظيفة ليكونوا قادرين على القيام بأعباء مسؤولياتهم على خير وجه .

جزء من العقيدة

ويضيف: لقد جعل الإسلام الحفاظ على البيئة جزءاً أساسياً من العقيدة وهذا ما نقرؤه في الحديث النبوي الشريف: الإيمان بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والأذى المشار إليه في الحديث الشريف يشمل كل أنواع الإيذاء التي تلوث البيئة وتضر بمصالح الناس وصحتهم وأذواقهم ومشاعرهم، فتكدس القمامة في الشوارع أذى يضر بالناس، والكلمة التي تخدش الحياء أذى يلوث البيئة الأخلاقية ويخدش حياء الناس ويفسد أذواقهم ومكافحة هذا الأذى بكل صوره يعد من الواجبات الدينية التي يكتمل بها إيمان المؤمن وليست أمراً هامشياً يمكن التغاضي عنه .

وإذا كانت البيئة تتكون من عناصر عدة أبرزها: الماء والهواء وتعمير الأرض بالزراعات المفيدة فقد جاءت تعاليم وأحكام الإسلام تقرر كل ما من شأنه الحفاظ على هذه العناصر من السلوكيات الضارة بها، فقد قرر الإسلام أن الناس شركاء في أمور عدة من بينها الماء، الذي يعد شريان الحياة، وما دام الماء شركة بين الناس فلا يجوز لأي من الشركاء فرداً أو جماعة أن يصدر عنه أي تصرف يتسبب في إلحاق الأذى، لأن ذلك من شأنه أن يجر وراءه الإضرار بصحة الناس الذين يشربونه .

ومن هنا يأتي نهي الإسلام عن التبول والتبرز في المياه الجارية وكذلك الشأن في الهواء، فالنهي أيضاً ينسحب على كل ما من شأنه أن يلوث الهواء ويجعله ضاراً بالصحة، فعوادم السيارات ودخان المصانع وغيرها من ملوثات الهواء مرفوضة إسلامياً، لأن الهواء والماء لا يملكهما فرد أو جماعة تفعل بهما ما تشاء وإنما هما ملك عام لكل الناس في كل زمان ومكان .

اتقوا الملاعن الثلاث

المفكر الإسلامي الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، يؤكد أن حماية الإسلام للبيئة لا تقف عند الحفاظ على الموارد الطبيعية وحمايتها من كل ما يضر بها لكن الإسلام في فلسفته المتكاملة لحماية البيئة من التلوث جَرّم كل سلوك بشري يمثل إزعاجاً أو إضراراً نفسياً أو بدنياً بباقي أفراد المجتمع، ولذلك رفض الإسلام كل أشكال الضوضاء والإزعاج للآخرين لأنها تمثل تلوثاً سمعياً . . وجرّم الإسلام كذلك إشغال الطريق بأي شكل من الأشكال، سواء كان ذلك بإشغاله بمخلفات البناء أو القمامة أو مخلفات المستشفيات أو غير ذلك من صور الإشغال التي تعوق حركة الناس وتضر بصحتهم، أو حتى بإشغال الطريق بالجلوس فيه، ما يسبب عنتاً ومشقة للآخرين، وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: إياكم والجلوس في الطرقات . . قالوا: يا رسول الله ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها قال: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه . . قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر وكف الأذى ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

كما يحذر النبي عليه الصلاة والسلام من تلويث الطريق بفضلات الإنسان أو تلويث الأماكن التي يتردد عليها الناس لقضاء مصالحهم ومعايشهم أو يستظلون فيها، ويصف هذا التلويث بأبشع الأوصاف، إذ يعده من الملاعن كما جاء في قوله: اتقوا الملاعن الثلاث .

سلوكيات غير سوية

الدكتورة آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، تؤكد أن إفساد البيئة الذي يعاني منه العالم كله الآن وتكثر تحذيرات العلماء والأطباء وخبراء شؤون البيئة من آثاره المدمرة على الإنسان والحيوان والماء والزراعات بل والجماد يرجع إلى السلوكيات غير السوية للإنسان، لذلك كان اهتمام الإسلام منذ البداية بالتربية السوية للإنسان المسلم، وتحديد علاقاته بكل عناصر البيئة بأحكام صريحة ليعرف المباح والمحظور والمرغوب وغير المرغوب، بحيث لا يضر بالبيئة مهما كان حجم الضرر . وتقول: علاقة الإنسان المسلم بالبيئة علاقة دينية وخلقية ورد في شأنها عشرات النصوص من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، وهذا يعني أن العناية بالبيئة ليست مجرد سلوك حضاري بل هي مطلب ديني، وهذا له مدلول مهم في حياة المسلم يشعره دائما بأن الإخلال بالتوازن البيئي والإضرار بعناصر البيئة المختلفة سواء كانت بيئة طبيعية مثل الماء والهواء والجو أو كانت بيئة اجتماعية مثل الضوضاء وإزعاج الآخرين وإفساد ذوقهم الاجتماعي، كل ذلك يعد إفساداً في الأرض يحاسب عليه الإسلام .

من هنا تؤكد الدكتورة آمنة نصير على أن البعد الأخلاقي في التعاملات مع البيئة مسألة ضرورية من أجل استقامة الحياة، وسير نظام الوجود سيراً محكماً ملتزماً بأسبابه ومسبباته، وأن على الإنسان أن يدرك تمام الإدراك أن المالك الحقيقي لهذا الكون هو الله سبحانه وتعالى، وأننا مستخلفون فيه من قبله تعالى، فلابد أن يراعي الإنسان القوانين الخاصة بحماية هذا الكون والتي فرضت من قبل مالكه الحقيقي سبحانه وتعالى . وإذا ما أدرك الإنسان حقيقة التوجيهات والأوامر الإسلامية التي تؤكد ضرورة حماية البيئة من التلوث وتجسدت هذه التوجيهات في سلوكه لوجدت البيئة كل حماية ولعاش الإنسان حياة طيبة في ظل بيئة صحية وجميلة وخالية من أشكال التلوث .

وتؤكد د .آمنة نصير على ضرورة استثمار العاطفة الدينية في التعامل الرحيم مع البيئة فهذه أجدى وأنفع من قوانين أهل الأرض جميعاً، فهدايات السماء تعتمد على قانون العقاب والثواب الدنيوي والأخروي .

المواجهة الإسلامية

الدكتور محمد عبدالحليم عمر، أستاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، يوضح أن الإسلام في مواجهته لظاهرة تلوث البيئة يتخذ أسلوب الإقناع والتوعية أولاً ولا يلجأ إلى الأساليب العقابية إلا إذا فشلت أساليب التوعية . . ومواجهة الإسلام لمشكلة تلوث البيئة تعتمد على الأساليب الآتية:

الإسلام يحرم تلوث البيئة ويعتبره إفساداً في الأرض بإهلاك الموارد التي خلقها الله لنفع الإنسان حيث يقول سبحانه في صفة غير المستقيمين وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (البقرة: 205) ومن أوجه الإعجاز القرآني الإشارة إلى تفاقم حالة تلوث البيئة التي تعيشها البشرية الآن وآثارها وعلاجها في قوله تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (الروم: 41) .

ولذا فإن الأمر يقتضي الرجوع أولاً إلى الله وإلى الإسلام وأول خطوة في ذلك التوقف عن التلويث لأن الله سبحانه وتعالى في أكثر من 11 آية نهى عن الإفساد في الأرض وأخبر سبحانه أنه لا يحب المفسدين وهذا ما يوجد دافعاً إيمانياً لدى المسلم للامتناع عن تلويث البيئة .

تذخر السنة النبوية الشريفة بأحاديث عدة تحث على حماية البيئة وتحذر من التلوث أياً كانت درجته، وعلى رأس ذلك النص على أن حماية البيئة من شعب الإيمان حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وتعدد أحاديث أخرى بعض صور التلوث والاعتداء على المكونات البيئية مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: بينما رجل يمشي في الطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له، وقصة المرأة التي دخلت النار في هرة عذبتها، وقصة الرجل الذي سقى كلباً فغفر الله له، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: إماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس صدقة والنهي عن تلويث المياه بالمخلفات . . وغير ذلك من الأحاديث .

في كلمة جامعة للرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا ضرر ولا ضرار والضرر ما فيه منفعة لك ويضر غيرك، والضرار ما قصد به ضرر الغير من دون تحقيق منفعة لك، وكلاهما منهي عنه فمن يمارس الإنتاج أو الاستهلاك يحقق منفعة له ولكنه يحقق ضرراً لغيره بالمخلفات وبالتالي لكي يحصل على منفعته ويبارك الله سبحانه له فيها ويتقي غضب الله عز وجل لابد أن يعمل على التخلص الآمن من هذه المخلفات .

تعد حماية البيئة من مقصود الشريعة والذي يحدد في تحقيق مصالح الخلق وذلك يكون بجلب المنافع ودرء المفاسد لمقومات الحياة الخمسة وهي: الدين والنفس والعقل والمال والنسل، والقاعدة الفقهية أن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، وتلويث البيئة يفسد هذه المقومات وبالتالي فإن حماية البيئة من مقاصد الشريعة التي يجب على كل مسلم الالتزام بها وإلا كان آثماً يعرض نفسه لغضب الله عز وجل وعقوبته .

لم يقف الأمر في الإسلام عند حد وضع الإطار النظري لحماية البيئة وإنما امتد الأمر إلى التطبيق العملي من خلال جهاز الحسبة الذي كان يمثل أسلوب التحكم والسيطرة والرقابة على التلوث من خلال اتباع إجراءات وقائية وعلاجية لمنع التلوث ومن أمثلة ذلك واجب المحتسب تجاه مكافحة تلوث الهواء بالدخان بالأساليب المتاحة وقد جاء في هذا الخصوص: وينبغي أن يأمرهم المحتسب برفع سقائف أفرانهم ويجعل في سقوفها منافذ عالية واسعة للدخان والمجال لا يتسع لذكر أمثلة عديدة لما كان يقوم به المحتسب في مراقبة حماية البيئة من التلوث .

وفي النهاية يمكن القول إن الإسلام اهتم بحماية البيئة من التلوث وواجب المسلمين أن يلتزموا بأحكام دينهم وأن يتقوا الله في العناصر البيئية فلا يعتدوا عليها بالتلوث أو بالإسراف والتبذير في استخدامها ويمكن أن يمثل المدخل الإسلامي لمكافحة التلوث أحد الأساليب التي تعتمد عليها الحكومات في التوعية فإن التلوث يمثل إفساداً في الأرض والله لا يحب المفسدين، وحماية البيئة من أدنى تلوث يرضي الله ويجازي المسلم خيراً في الدنيا والآخرة، كما أن للمسلمين أن يعتزوا بدينهم الذي اهتم بحماية البيئة من التلوث منذ نشأته وقبل أن يصبح حجم الخطر فيها كبيراً ولو أن اللاحق من أمور المسلمين اتصل بالسابق في استمرار لأمكن في ظل النظام الإسلامي الحد من المشكلة قبل أن تستفحل وتأخذ هذا الشكل الخطير، ومع ذلك فإن الفرصة متاحة أمام مسلمي اليوم للإسهام في المجهودات الدولية لمكافحة التلوث من منظور إسلامي حتى يكونوا مشاركين بإيجابية في النظام الدولي المعاصر وليسوا تابعين ومتأثرين .

قدوة سيئة

الدكتور محيي الدين عبدالحليم، أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر، يؤكد أن القوانين والتشريعات لا تكفي وحدها لحماية البيئة والارتقاء بها والإحسان إليها، بل لابد أن يسبق هذه التشريعات السلوك الأخلاقي الذي يغرس في الإنسان قيمة الحفاظ على البيئة وهذا السلوك الأخلاقي تدفع إليه التنشئة الإسلامية والقدوة في البيت والمدرسة والشارع فكيف نربي أطفالنا على النظافة والحفاظ على البيئة ونحن أول من يلقي القمامة أمامهم في الشوارع والطرقات؟ بل أحياناً نكلفهم بأن يحملوا أكياس القمامة ليلقوها بأنفسهم في الشوارع .

إن الأسرة المسلمة في حالة عدم وعي بأهمية أن تعيش في بيئة نظيفة وأن تعلم أبناءها الحفاظ على البيئة .

أيضاً الشعارات والكلام لا يزال على لسان د .محيي الدين ذلك أننا نحشو عقول أولادنا في المدارس من خلال المناهج الدراسية بالكثير من الشعارات والهتافات الرنانة التي تحض على نظافة البيئة لكن للأسف هذا نظرياً فقط فالطفل يسمع شيئاً ويرى شيئاً آخر فتختلط الأمور لديه فماذا يفعل وكل من حوله لا يطابق سلوكه ما يقوله؟

فما نراه على أرض الواقع لا يتناسب تماماً مع توجيهات الإسلام التي تحثنا على حماية البيئة بل وتعتبر ذلك مطلباً أساسياً وواجباً إسلامياً فالرسول عليه الصلاة والسلام يقول: لا ضرر ولا ضرار . . وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لو أن بغلة عثرت بالعراق لسئل عنها عمر لِمَ لم يمهد لها الطريق وهذا دليل على حرص الإسلام على نظافة البيئة وسهولتها ويسرها، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن رجل يكون ثوبه نظيفاً وشعره نظيفا، هل يكون هذا داخلاً في الكبر؟ قال صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال .

ويطالب أستاذ الإعلام الإسلامي بضرورة التوعية الدينية وإحياء الضمير الديني للحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث بل وتنميتها والارتقاء بها .

والخطب في المساجد والدروس الدينية التي تعرض على شاشات التلفزيون لابد أن تولي بعض الاهتمام لهذه القضية المهمة بدلاً من مناقشة موضوعات جافة لا علاقة لها بمشكلات المسلمين وهمومهم .