لم تهتم حضارة من الحضارات بالبيئة وتوفر لها وسائل الحماية كما فعلت حضارة الإسلام التي ارتقت بكل عناصر البيئة، وأحسنت إليها على أفضل ما يكون الإحسان، فقد أولت شريعتنا الإسلامية سلوك الإنسان تجاه البيئة التي يعيش فيها عناية كبيرة فهذبت هذا السلوك بكل ما يحقق الحماية للبيئة من التلوث بل والارتقاء بها وتحسين أوضاعها لتكون ميسرة لتحقيق مصلحة الإنسان باعتباره صانع الحضارة ومصدرها الحقيقي .
وقد جعلت شريعتنا الإسلامية الغراء حماية البيئة من التلوث والإفساد، هدفاً تسعى إليه تعاليم وآداب وأخلاقيات الإسلام لكي يعيش في بيئة نظيفة توفر له حياة طيبة خالية من الأمراض والأوبئة .
وإذا كان الاهتمام بالبيئة وحمايتها من التلوث والارتقاء بها أحد مظاهر السلوك الحضاري . . فكيف حمت حضارة الإسلام البيئة من كل الملوثات؟ وكيف ارتقت بها ووفرت لها الحماية من عبث الإنسان؟ وما العقوبات التي قررتها لمواجهة العابثين بالبيئة؟
في البداية يؤكد د . عبد الحكم الصعيدي الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة الأزهر، أحد المعنيين بالعطاء الحضاري الإسلامي في مجال البيئة سبق الإسلام كل الحضارات القديمة والحديثة في العناية بالبيئة والارتقاء بها والإحسان إليها وحمايتها من ألوان الفساد وأشكال التلوث، ورفض وأدان سلوك المستهترين بما حباهم الله به من نعم وخيرات طبيعية، ويقول: الإسلام قدم نموذجاً فريداً للرعاية الشاملة للبيئة، ووفر الحماية المثالية لكل عناصر الكون، ومظاهر الإهمال والإفساد البيئي التي نراها في كثير من بلادنا العربية والإسلامية هي في حقيقة الأمر أحد مظاهر العصيان والتمرد التي نراها في سلوك هؤلاء الذين لم يتربوا على قيم الإسلام وأخلاقياته .

واقع متردٍ

ويرى أستاذ الزراعة الأزهري أن الواقع المتردي للبيئة في معظم أقطارنا العربية والإسلامية يفرض على مؤسسات الدعوة الإسلامية والإعلام بكل وسائله وأدواته دعوة كل المسلمين، خاصة الأجيال الجديدة للالتزام بتعاليم الإسلام في التعامل مع كل عناصر البيئة، وتربية صغارنا على احترام البيئة حتى نرتقي بسلوكيات الكبار والصغار ونعيش حياة طيبة بعيداً عن التلوث والعبث بما أنعم الله به علينا من ماء وهواء وخضرة وجمال طبيعي تزخر به كل بلاد المسلمين .
وعن البيئة المطلوب من الإنسان رعايتها وحمايتها والإحسان إليها، يقول د . الصعيدي: هناك بيئة طبيعية خلقها الله عز وجل وهناك بيئة صناعية من صنع الإنسان الذي سخره الله لعمارة الكون، والبيئة الطبيعية تشمل الأرض والماء والهواء والحيوان والنبات، والكل مسخر لمصلحة الإنسان وتحقيق سعادته وتوفير كل احتياجاته، بينما البيئة الصناعية التي تهدف هي الأخرى إلى الارتقاء بالإنسان هي ما تصنعه يداه من حفر أنهار، وغرس أشجار، وتعبيد طرق، وإنشاء مبانٍ جميلة، وصناعة أدوات وتحف ومناظر ترتقي بسلوك الإنسان . ولو دققنا النظر لوجدنا أن الله عز وجل قد خلق لنا كل عناصر الكون على أحسن ما تكون الصنعة من ناحية الوظيفة والشكل معاً .
ويشير أستاذ الزراعة بالأزهر إلى أن دراسات وأبحاث علماء الأرض تشهد بعظمة الخالق وقدرته وإبداعه في صناعة الأرض، فهي تربة خصبة صالحة للزراعة، وبعضها يزخر بالمعادن النفيسة، وهي ممهدة لتوفير كل فرص الحياة للإنسان والحيوان والنبات، والأرض كما خلقها الله لا ضرر فيها ولا عبث، وكل ما يحدث من إفساد لطبيعة الأرض هو من صنع الإنسان الذي يدفن فيها النفايات، ويغير من طبيعتها، ويلحق بها الأذى بما صنعت يداه .

عبث الإنسان

وينتهي د . الصعيدي إلى أن الله، سبحانه، جعل لنا الأرض ذلولاً لنمشي في مناكبها ونأكل من رزقه، وجعلها لنا مهاداً وفراشاً وبساطاً، فهي مع كرويتها ممدودة للإنسان، يصول فيها ويجول، ويزرع ويغرس، ويبني ويصنع، وقد وضع الله فيها من العناصر اللازمة لحياة الإنسان، وهيأ فيها الأسباب ما يساعده على القيام بمهامه في الأرض، فهي مهيأة لإنبات النبات وإعاشة الحيوان وحياة الإنسان، وعلينا أن نمعن النظر في قوله سبحانه: "والله أنبتكم من الأرض نباتاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً، والله جعل لكم الأرض بساطاً، لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً" وقوله سبحانه: "والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها، متاعاً لكم ولأنعامكم" .
هذه النصوص القرآنية وغيرها مما تحدثت عن الأرض وما فيها من نعم وخيرات تنبه المسلم إلى حقيقة مهمة، وهي أن عبث الإنسان بالأرض وإفساده بها هو المتضرر الأول منه، فالأرض وما فيها من نعم وخيرات كثيرة ومتنوعة مسخرة جميعها لخدمة الإنسان والارتقاء بحياته وحل مشكلاته، وعندما يعبث الإنسان بالأرض ويلحق بها الأذى فهو يجلب لنفسه الضرر البالغ . وهذا ما يحدث بالفعل فكل ما يعانيه الإنسان على ظهر الأرض هو من صنع يديه، والمتضرر الأول من التلوث البيئي والإفساد في الأرض هو الإنسان الذي فقد وعيه وصوابه وارتكب سلوكيات خاطئة وأفسد الأرض بحماقته وعبثه، في حين أنه لو اهتدى بهدي الإسلام والتزم بتعاليمه وتوجيهاته لعاش في بيئة سليمة واستفاد خير استفادة من خيرات الأرض واستمتع بما حباه به الله من مناخ متنوع وأرض خصبة ومناظر جميلة .
وينتهي أستاذ الزراعة بجامعة الأزهر إلى دعوة المسلمين إلى المقارنة بين ما يحدث في الغرب من استثمار جيد لكل شبر في الأرض وتوظيفه لخدمة الإنسان في زراعة أو صناعة أو منظر جميل أو سكن بهيج، وما نراه في بلادنا العربية والإسلامية من إساءة إلى الأرض وإفساد لها، وتنفير للناس منها من خلال أكوام القمامة والمباني العشوائية والحيوانات النافقة المنتشرة في كل مكان .

أجل النعم

ويؤكد الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق، عضو مجمع البحوث الإسلامية أن الإسلام جعل المحافظة على الماء وهو أهم نعم الله وحمايته من التلوث مطلباً شرعياً وهدفاً إسلامياً، فالماء أجل نعم الله تعالى على الإنسان في الدنيا والآخرة، وقد امتن الله تعالى على عباده بالماء المبارك الذي ينزل مطراً من السماء فيمكث في الأرض وينتفع منه الإنسان والحيوان والنبات، يقول سبحانه: "وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون، فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون" .
فالماء نعمة، واجب المسلم أن يحافظ عليها ويحميها من كل أشكال التلوث ويتعامل معها بعقل وحكمة حتى يحفظها الخالق الواهب الرزاق له، فمن دون الماء لن يستطيع الإنسان أن يعيش، فطعامه وشرابه وحياته كلها متوقفة على الماء، فمنه يشرب الإنسان والحيوان والطير والنبات، ومن دونه لن تستطيع السيارات والمركبات أن تسير وستحترق الآلات، ومن دونه لن يجد الإنسان طعامه، فكل النباتات التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان مصدرها الأساسي الماء، ومن دون الماء لن نستطيع أن نشيد المباني والعمارات والمساكن التي نعيش فيها، ومن دون الماء تتحول حياتنا إلى جحيم وتكثر بيننا الأمراض الخطيرة من الأوساخ والفيروسات والميكروبات التي تتجمع على أجسادنا، ولن نستطع أن نتخلص منها إلا بالتطهر بالماء .

سلوكيات عجيبة

وهنا يؤكد الشيخ عاشور أن المسلمين لا يتعاملون مع نعمة الماء كما رباهم دينهم، فهم لا يرعون هذه النعمة حق الرعاية، ولا يحفظونها من التلوث، حيث يرتكبون كل الحماقات في التعامل مع الماء سواء أكان مخصصاً للشرب أو الزراعة، ويهدرونه فيما لا يفيد كما أنهم يسيئون إليه بتلويثه، وحال المسلمين في التعامل مع نعمة الماء تدعو إلى العجب حيث تتنوع وتتعدد مظاهر الإساءة إلى هذه النعمة، فهناك من يتعاملون معه من دون إدراك لقيمته فيسرفون في استعماله ويهدرونه فيما لا يفيد، وهناك من يسيئون إليه بإلقاء الملوثات المتعددة به، والعديد من علماء البيئة والصحة العامة يحذرون من التلوث المائي في عالمنا العربي والإسلامي، فسلوك الإنسان العربي مع نعمة الماء في مجمله سلوك يغيب عنه الوعي والحكمة .
وهنا يذكر الشيخ عاشور ببعض التوجيهات الإسلامية التي حذرت من تلويث الماء حيث يقول صلى الله عليه وسلم "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد أي موارد الماء وقارعة الطريق والظل"، ويقول أيضاً: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم أي الراكد الذي لا يجري، ثم يغتسل منه" . وهذه التوجيهات النبوية الكريمة وغيرها مما يحثنا على حماية الماء من الملوثات الطبيعية والصناعية نحن في أمس الحاجة إلى تطبيقها على أرض الواقع .
واهتمام الإسلام بالماء كأحد أهم عناصر البيئة الواجب رعايتها والمحافظة عليها لا يقف عند منع تلويثه، بل تشمل أوجه الحماية والتحذير من خطر "الإسراف" في استهلاك الماء، ذلك أن تعاليم ديننا تحثنا على ترشيد هذه النعمة وتوظيفها فيما نحتاج إليه . . والتوجيهات الإسلامية المتعلقة بالإسراف في استخدام المياه واضحة وينبغي تذكير المسلمين دائماً بها حتى يحسنوا التعامل مع هذه النعمة .

تحضر ورقي

الداعية الأزهرية، د . آمنة نصير، ترى في علاقة الإسلام بالبيئة "علامة تحضر ورقي" وتؤكد أن من مظاهر الرقي والتحضر التي جاء بها الإسلام اهتمامه البالغ بالبيئة عن طريق تربية الإنسان على كل ما يرتقي بحياته ويحميه من كل ما يضر بصحته أو عقله أو ممتلكاته، فالشريعة الإسلامية لم تهمل شيئاً فيه مصلحة حقيقية للإنسان، ويؤدي إلى الارتقاء بحياته، أو توفير مقومات الحياة الكريمة له .
وتضيف: اهتمام الإسلام بصحة الإنسان البدنية والنفسية اهتمام واضح، ولن يتحقق ذلك إلا إذا عاش الإنسان في بيئة جميلة ونظيفة خالية من الملوثات، وأحاطت به مظاهر الجمال والإبداع الإلهي والإنساني .
وقد جعل صلى الله عليه وسلم تنظيف الشوارع من القاذورات والقمامة وإماطة الأذى عنها مما يحصل به الثواب، فقال صلى الله عليه وسلم (إذ أبيتم إلا الجلوس في الطريق فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال غض البصر، ورد السلام، وإماطة الأذى عن الطريق) وإماطة الأذى كلمة جامعة لكل ما فيه إيذاء الناس ممن يستعملون الشوارع والطرقات .