تمثل الدراسة التي نعرض لها اليوم مساهمة قيمة في مجال التعريف برعاية البيئة في الإسلام. وهذه الدراسة صدرت في كتاب بعنوان رعاية البيئة في شريعة الإسلام للمفكر الإسلامي الكبير الدكتور يوسف القرضاوي، عن مكتبة دار الشروق.
ويعد هذا الكتاب من القطع الكبير ويضم 258 صفحة وتتناول البيئة ومكوناتها، ما المراد بالبيئة؟ التأصيل الشرعي لرعاية البيئة، علم أصول الدين ورعاية البيئة، علم السلوك ورعاية البيئة، علم الفقه ورعاية البيئة، أصول الفقه ورعاية البيئة، علوم القرآن والسنة ورعاية البيئة، الركائز الإسلامية لرعاية البيئة، التشجير والتخضير، العمارة والتثمير، المحافظة على الموارد، الحفاظ على صحة الإنسان، الإحسان بالبيئة، المحافظة على البيئة من الاتلاف، حفظ التوازن البيئي، الأخطار البيئية، خطر التلوث، خطر استنزاف الموارد، خطر اختلاف التوازن، بماذا تفسد البيئة؟ ظهور الفساد في البر والبحر وأسبابه، وسائل إسلامية معاصرة لرعاية البيئة، رعاية البيئة في واقعنا التاريخي.
أوامر إلهية
ويذكر الكتاب أنه لم تكن التعاليم والأحكام الإسلامية في رعاية البيئة وإصلاحها وحمايتها مجرد أفكار طوباوية، أو مفاهيم فلسفية، أو حبر على ورق كما يقال، بل كانت أوامر إلهية، وتوجيهات ربانية، يجب على المسلمين أن ينفذوها بمقتضى إسلامهم، وبحكم إيمانهم. فليس الإيمان بالتمني ولا بالادعاء، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. كما قال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (الكهف: 30).
ولا غرو أن نجد (رعاية البيئة) أمراً ملموساً ومشهوداً في الواقع التاريخي لحضارتنا الإسلامية، وخصوصاً في عصور ازدهارها.
طبقت ذلك الشعوب والجماهير الإسلامية بمقتضى وعيها الديني، وحسها الإيماني، والتزامها الأخلاقي، ويقينها الراسخ بأن سعادتها في الدنيا، وفلاحها في الآخرة، مرهون بامتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، وهو سبحانه قد أمرهم بكل خير، ونهاهم عن كل شر. ومن الخير الذي أمرهم به وحضهم عليه العناية بالبيئة وإصلاحها وحمايتها من كل فساد أو تلوث أو إضرار. ومما نهاهم عنه الإفساد في الأرض، والخروج عن حد الاعتدال في التعامل مع عناصرها بالطغيان أو الإخسار في الميزان.
وبين لنا المؤلف أن الله جلَّ وعلا قد خلق البيئة بكل مكوناتها وعناصرها، صالحة طاهرة، متوازنة متكاملة، وإنما دخل عليها النقص والفساد والاختلال بصنع الإنسان، وخصوصاً في عصرنا الحديث، وبالأخص في العقود الأخيرة، الذي تفاقمت فيه مشكلات البيئة وتعاظمت أخطارها. فقد جنى الإنسان بغروره وحماقته وظلمه وجهله - على البيئة، فلوثها بعد طهارتها، وأفسدها بعد إصلاحها، وأصابها بالاضطراب والخلل في توازنها، فعاقبه القدر الأعلى على إفساده في الأرض، بما أصبح يعاني من آثاره، ويشكو منه مر الشكوى، وما ظلم الله الإنسان، ولكن الإنسان هو الذي ظلم نفسه ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد، (الحج:10).
لقد علم الله الإنسان ما لم يكن يعلم، وسخر له من قوى الطبيعة ما لم يكن يحلم به، وهيأ له من أسباب التفوق التكنولوجي والإلكتروني والبيولوجي ما فاق به كل خيال، ولكن الإنسان لم يقابل هذه النعم بالشكر اللائق بها، ولم يستخدمها فيما يحبه الله ويرضاه، وإنما فيما يكرهه ويسخطه فبدل نعمة الله كفراً، وانقلبت النعم عليه نقماً، وأمسى العلم وتطبيقاته العملية أداة إهلاك وتدمير، لا أداة عمارة وتثمير.
أصل الداء
ويؤكد الكتاب على أنه لا علاج لمشكلات البيئة وأخطارها على البشرية، إلا بعلاج الإنسان نفسه، فهو الذي أفسد البيئة، وعليه أن يصلحها. والإنسان لا يعالج من خارجه، بل من داخله، من نفسه التي بين جنبيه فهي أصل الداء، وإصلاحها هو السبيل الفذ للدواء. والقرآن الكريم يقرر هذه القاعدة أو هذ السنة الاجتماعية، فيقول: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، (الرعد: 11). ولابد من التشريعات والعقوبات الزاجرة لمفسدي البيئة، ولكن هذا وحده لا يحل المشكلة من جذورها ما لم يصلح ما بنفس الإنسان.
وإنما يصلح ما بنفس الإنسان حقاً بشيء واحد لا شريك له، ولا منافس له، وهو الايمان بالله تعالى وبرسالاته، وبالدار الآخرة. فهذا الإيمان وحده هو القادر على تغيير الإنسان من داخله تغييراً جذرياً، فيعرف نفسه، ويعرف ربه، ويعرف غايته، ويعرف طريقته، ويهتدي للتي هي أقوم ومن يؤمن بالله يهد قلبه، (التغابن: 1_).
الإيمان هو الذي يمنح الإنسان الوازع الذاتي، والضمير الحي، الذي يجعل من ذاته رقيباً على ذاته، ويجعله يخشى الله قبل أن يخشى الناس، ويعمل ما يرضي الله تعالى، قبل أن يرضي الناس.
الإيمان هو الذي يصنع الأخلاق التي ترقى بالإنسان، وتوجهه إلى الخير، وتبعده عن الشر، وبها تتزكى نفس الإنسان وتتطهر قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها، (الشمس: 9 - 10).