كتب الشاعر الفرنسي المعروف والحائز على جائزة الغونكور، أندريه فيلتر كلمة اليوم العالمي للشعر والتي خص بها بيت الشعر في المغرب، وجاءت الكلمة حافلة بالتعريفات، تعريف الشعر وماهيته، كأن الأمر يتعلق بجواب عن سؤال ضمني: ما الشعر؟

هل هذا سؤال بسيط، وقابل لالاستهلاك السريع على حد تعبير الشاعر الإماراتي عبدالعزيز جاسم، في كلمته التي نشرها منذ أسابيع في الملحق الثقافي لالخليج أم الأمر يتعلق بالظلال المعتمة التي يفرزها السؤال البسيط، سؤال الماهية الذي طرحه الإنسان منذ أن كان شاعرا؟

في الثقافة العربية طرح هذا السؤال حول الشعر وحول ماهيته، وكانت من بين تلك الإجابات المنذرة بسخرية حادة، ما قاله أبو تمام والشعر فرجٌ ليست خصيصته . . . . طول الليالي إلا لمفترعه، إنه بهذا المعنى وليد تجربة وصبر وطول ليال وحك مستمر لحديد الشعر .

ألم يسخر الحطيئة من أولائك الذين يركبون البحور كيفما اتفق، فينتهي بهم الحال إلى أسفل عليين . لنقرأه يقول:

فالشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلمُه

إِذا اِرتَقى فيهِ الذي لا يَعلَمُه

زَلت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُه

وَالشِعرُ لا يَسطِيعُهُ مَن يَظلِمُه

يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمُه

1

لربما كان الشاعر الفرنسي أندريه فيلتر قريبا من هذا المعنى، حينما كتب في كلمته الشعر يتحدى الزمن، وحينما أضفى على الشعر أوصافا مستقاة من الرؤية المباشرة أو من الطبيعة أو من الإمبريق، أي التجربة المختبرية، فهو عنده نار ونطفة وما وراء المجيء وأثر وليل وفجر مفعم وظهيرة وإيقاع، وهو شمس تسيل بين الشفتين وحصان يركض فوق أرض الدم .

وهو في ذلك، أن الشاعر الفرنسي المعاصر الذي يحيا بيننا ويعيش زمننا ونعيش زمنه، لم يستطع أن يخرج عما قاله أبو تمام والحطيئة، الشاعران العربيان اللذان عاشا في أزمنة أخرى، ليكون الجامع بين القديم في الزمان والمحدث فيه هو زمن الشعر .

زمن الشعر عرفه الشاعر الفرنسي بوثبة المراهقة الأبدية، أي تلك الروح الشابة التي تصنع الوجود والأشياء والعلامات .

ولأن الشاعر يخفي في جيبه بوصلة المستحيل، فهو قادر على أن يبتكر قصب السبق دائما .

هكذا ننتهي إلى أن الشعر غير القوافي والنظم، هو كائن آخر موجود وغير موجود، وحين يتحقق يتحول إلى طاقة مفترسة .

هذا ما نبه إليه الحطيئة حين وقف على المقالب التي يسببها هذا الداهية الذي اسمه الشعر، وحين يعتقد الآخر أنه قادر على قول أو كتابة أو إتقان هذا الجني المتحول زلت به إلى الحضيض قدمه .

2

إذا كان الشعر ذا سلم طويل، فإنه يحتاج إلى عداء المسافات الطويلة، أي إلى النفس الطويل والصبر والجلد . ألم يقل الشاعر الآخر إن خلع ضرس لأهون علي من نظم بيت من الشعر، وهو قول منسوب إلى شاعرين من عيار ثقيل، الأول هو أبو العلاء المعري الشاعر الأعمى أو الشاعر المبصر، والثاني هو الشاعر الهجاء الفرزدق .

وفي هذا المعنى القريب تماما، ينسج فيلتر، حين يعتبر الشعر وثبةُ المُراهقة الأبدية . رغبة هوجاء . سرعة بارقة . كينونة مُدوّخة . جنونُ الرحيل . هكذا يغرف من معجم المغامرة والتضحية والمجازفة والقربانية والرغبة، فمن دون رغبة لا كتابة تستقيم .

3

ماذا لو كان الشعر حائطا قصيرا؟ أكيد أن الأقزام ومن هم في عداد الأقزام سيظنون أنهم قادرون على اختراق سور الصين العظيم، أو على ردم قلاع المعاني الكبرى أو على افتراع البكارات تلو البكارات للعوالم المدهشة .

حينها سيتساوى الشاعر والشويعر والشعرور، أي الذي يكتب أو يقول جبلا من الكلام الفارغ، والذي يكتب أو يقول شذرة باقية تقطع الزمان ذهابا وإيابا من دون أن يخبو بريقها .

في الشعرية العربية، هناك احتفاء كبير بالشاعر ومكانة الشاعر في القبيلة، الأصمعي يروي ذلك عندما يقول، كانت العرب عندما يولد فيها شاعر تقيم الولائم والأعراس وتذبح الذبائح وتقرع الطبول .

الشعر عندهم مرادف تماما للفرح وللدم وللفروسية، فبعد ذلك لن تحمل القبيلة إلا اسم شاعرها . شاعر يقام له كل هذا الشأن ويرفع لن يكون إلا شاعراً فارساً وحاملاً لقيم القبيلة/ الدولة .

4

تحتاج القبيلة/ الدولة إلى شاعر، كي تذيع ويشيع اسمها . الشاعر هو الكاتب الوحيد لصحفها: سجلات الفخر والطعان والحروب وسجلات الغزل العفيف في لحظات الشدة وضيق ذات اليد وسجلات التغني الفاحش بالجمال في لحظات الرخاء . لاضير، لا بد للجمال من مديح حتى يكون جمالاً .

ولذلك لا يرعوي شاعر فرنسي يعيش زمننا أن يقول أو يكتب بعقله ووجدانه في وقتنا الراهن في القول إن الشعر مثلُ ركض حصان فوق أرض الدم . مثلُ شمس تسيل بين الشفتين .

نحن العرب، لسنا بعيدين عن الشعر، بل نحن الشعر، إننا في قديمنا وجديدنا نسبح في بحر الحداثة، وفي رمال ما بعد الحداثة . علينا أن ننتبه جيدا إلى تلك الشذرات العظيمة التي أنتجناها على مر البشرية، لقد عشنا دوما في المستقبل، وهذا هو المهم، وهذه هي وظيفة الشعر .

5

الشاعر العربي، وعلى سبيل المجاز، كان ينزل إلى وادي عبقر، كي يخلو بنفسه، وهناك في تلك الوحدة الحالمة والمروعة، تأتيه ربات الشعر، يستفردن به، ويلهمنه أو بالأحرى يلقننه ما سيقول لقومه .

بمعنى من المعاني، أن الشاعر العربي، أو الشاعر عموما ملزم بالنزول إلى قيعان الصمت، أي العودة إلى بداية البداية، تلك التي سماها الشاعر الفرنسي فيلتر بنطفة البداية، حينها سيعود من العالم السفلي إلى الأرض، وفي يديه تراب البداية .

وحتى إن كذب الشاعر، فإن لكذبه ألف مسوغ، العرب القدامى قالوا إن أعذب الشعر أكذبه، لكنهم لم يكونوا يقصدون الكذب بمعناه الأخلاقي، كانوا يتحدثون عن كذب آخر مرادف للخيال والتخيل .

6

الشاعر اليوم، غير مختلف عن شاعر الأمس، إننا نتعلم من بوادي العالم اللغة الصافية قبل أن ندخل مدننا مظفرين وقادرين على هزم فحول الشعراء، لتنتقل بعد ذلك شعلة الشعر من يد إلى يد ومن ساعد إلى ساعد، تماما مثل الشعلة الأولمبية .

إنه الصراع الدائم نحو مكان أو مرتفع اسمه قصب السبق . ولكن هل يوجد قصب السبق هذا حقاً، أم أن ما تبقى مجرد طلل محيل، وعلى حد قول الشاعرهل غادر الشعراء من متردم؟، هل ترك الأوائل للمحدثين ما يقولونه، أم أن باب السماء مفتوح أمام الجميع كما باب الشعر؟

في عمله الشعري الموسيقي المعنون بعد بالزمن إلى الوراء والموجود على الانترنيت للبيع ب 17 يورو، يقرأ الشاعر فيلتر بصوته المتوثر هذه المعاني، إنه يحلم بمملكة غير موجودة . لا تزال في ذهنه ترن المملكات في زمن الجمهوريات . هذا هو الشعر يحلم بالأبدية، تلك اللغة المحلوم بها التي لا توجد إلا في أخيلة الشعراء، أما الكوابيس فهي دائما مفزعة وحمراء .

ألم يقل هو نفسه نحنُ بضعة أناس وُلدنا على سفر . كنا أحرارا مثل الطيور . كنا متحررين من غُبار الجذور والشفرات . زادُنا الوحيدُ، كان، حليبَ الغيوم . وكان بعضُنا الآخر يجري فرحا في أرض الله الواسعة . نسقط على ترابها . نتدحرج مَوجا فوق حَصاها . نخترعُ ممالك بعدد النجوم من أجل مُتعة تبذيرها . لا توجدُ الإمبراطوريات إلا بين أيدينا . لا توجدُ غزواتٌ إلا هنا والآن . كبرياء زائدة . حماسة . غفلة . طاقة مفترسة في آخر المطاف .

لكن وياللأسف شاعر اليوم من دون أرض ولا معركة له يخوضها .

قصبُ السبق

نص كلمة أندريه فيلتر التي خص بها بيت الشعر في المغرب

الشعرُ يتحدى الزمن .

الشعر يُجيد الكلام، يُعلّم ما تُخفيه السماء . الشعرُ يأتي من عَالم ما قبل النُطفة . في لحظة ما وراء المَجيء . في شساعة الواقع .

الشعرُ نورُ المُضاعف . نارٌ تسودُ خارج ألسنة اللهب . أثرٌ يُجسّد الآتي .

الشعرُ ليلٌ باهرُ الصفاء . فجرٌ مُفعم بالندى . ظهيرة قائظة . إيقاعٌ وغايةُ كلّ حياة مُغامرة .

الشعرُ وثبةُ المُراهقة الأبدية . رغبة هوجاء . سرعة بارقة . كينونة مُدوّخة . جنونُ الرحيل .

مثلُ ركض حصان فوق أرض الدم . مثلُ شمس تسيل بين الشفتين .

والأبدية تقدم نفسها قربانا للغرباء .

. . . . . . . . . . . . . . .

نحنُ بضعة أناس وُلدنا على سفر . كنا أحرارا مثل الطيور . كنا متحررين من غُبار الجذور و الشفرات . زادُنا الوحيدُ، كان، حليبَ الغيوم . وكان بعضُنا الآخر يجري فرحا في أرض الله الواسعة . نسقط على ترابها . نتدحرج مَوجا فوق حَصاها . نخترعُ ممالك بعدد النجوم من أجل مُتعة تبذيرها . لا توجدُ الإمبراطوريات إلا بين أيدينا . لا توجدُ غزواتٌ إلا هنا والآن . كبرياء زائدة . حماسة . غفلة . طاقة مفترسة في آخر المطاف .

. . . . . . . . . . . . . . . .

لأن الشاعرَ يستعيدُ في النهاية أدوات المسّاح وفكرَ الداهية .

لأن الشاعرَ يواجه فوضى العالم ببوصلته القاطعة . حساسٌ . واقعي من دون أوهام .

يِؤاخي وحش البشر أخوة صافية .

يُشرعُ لصعقة الجمال أبوابَ البراءة الشاسعة .

يُخفي في جيبه خريطةَ المستحيل .

وهكذا يستطيعُ الشاعرُ دوما أن يبتكر قَصبَ السبق .