كان يخطب ويكتب ويقول الأبيات من الشعر والرجز ولكنها الخطب والكتب التي يستطيعها العربي الفصيح الناشئ في كنف الفصحاء، ثم هي كلها ملحقة بوظيفة الجندية فيه، فإذا قال كلمة أو كتب سطراً فكأنما يكتب بحسام لا بيراع.
كتب إلى مرازبة فارس فقال: «الحمد لله الذي فض ملككم وأذل عزمكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فابعثوا إلي الرهن واعتقدوا منا الذمة وأجيبوا إلي الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة، ويرغبون في الآخرة كما ترغبون في الدنيا».
وخطب في المسلمين وقد تهيبوا طروق المفازة من العراق إلى الشام فقال: «لا يختلفن هديكم، ولا يضعفن يقينكم، واعلموا أن المعونة تأتي على قدر النية، والأجر على قدر الحسنة، وأن السلم لا ينبغي له أن يكترث لشيء يقع فيه مع معونة الله له».
ويسمع الكلمة فيردها بالجواب المسكت كأنه يتلقى ضربة سيف بضربة سيف كما قال حين سمع صائحاً في المعسكر يصيح: ما أكثر الروم وأقل المسلمين.
فلم يكن أسرع منه إلى أن يقول: «بل ما أقل الروم وأكثر المسلمين. إن الجيوش إنما تكثر بالنصر وتقل بالخذلان».
من كتاب «عبقرية خالد» لعباس محمود العقاد