تميزت سوريا عبر كل العصور بموقعها الاستراتيجي المهم في قلب العالم القديم، مما أدى إلى ازدهار التجارة فيها منذ القدم وخاصة أنها تقع على طريق الحرير، وكانت دمشق إحدى المدن التي ساهمت في ذلك النشاط التجاري المزدهر الذي أدى إلى نشوء نوع خاص من المباني الخدمية تسمى الخانات (وخان كلمة فارسية تعني الفندق. كانت هذه الخانات تقام خارج المدن وداخلها وتضم وسائل لتوفير الراحة للمسافرين كغرف النوم والمساجد والمخازن والإسطبلات، وخصص بعضها لأنواع معينة من التجارة كتجارة الأرز والزيت، ويذكر أحد المؤرخين أنه في أواخر القرن التاسع عشر بلغ عدد الخانات في مدينة دمشق (139) خاناً أعظمها وأشهرها على الإطلاق خان أسعد باشا.
بني الخان في عهد والي دمشق العثماني أسعد باشا العظم الذي حكم ما بين عامي 1743 و1757م وبدأ بإنشائه عام 1751م وانتهى عام 1753م أي أن فترة بنائه استمرت سنة وشهرين فقط، وأراده أسعد باشا أن يكون أعظم خانات عصره، فكان له ذلك واستعمل الخان كمحطة مهمة في دمشق على طريق الحرير والحج تقصده قوافل التجار والحجاج فيجتمعون في باحته الفسيحة حول بحيرته ليقيموا سوقاً كبيرة لتبادل البضائع الثمينة كالحرير والتوابل والبن والأحجار الكريمة ويودعوا بضائعهم في غرف الطابق الأرضي التي استخدموها كمخازن ومكاتب، بينما استخدموا غرف الطابق الأول للنوم والراحة، أما خيولهم وجمالهم فكانوا يضعونها أثناء الليل في إسطبلات واقعة خارج الخان.
ويقع خان أسعد باشا جنوب شرق الجامع الأموي وسط سوق البزورية الشهير الواقع في قلب مدينة دمشق القديمة، في هذا السوق المزدحم والشوارع الضيقة والمحلات التجارية الصغيرة يحتل الخان مساحة كبيرة بالنسبة لما حوله تقدّر ب2500م2 والداخل إليه يندهش لذلك الانتقال المفاجئ من زحمة وضيق السوق إلى هدوء وعظمة هذا الفراغ الكبير اللطيف. ويضم الخان واجهة ضخمة فيها ردهة خارجية تضم البوابة الخشبية التي تؤدي إلى دهليز كبير يصل إلى باحة مربعة الشكل مغطاة بثماني قباب محمولة على أعمدة ويتألف الخان من طابقين تتوزع غرفهما حول الباحة.
ومسقط الخان مربع منحرف قليلاً في الزاوية الجنوبية الشرقية ويلتصق بالجدار الشمالي للخان المدرسة التنكزية وحمام نور الدين الشهيد الأقدم عهداً ونزلاء الخان يدخلون إليه مباشرة مستخدمين ممراً مفتوحاً في الجدار.
يطل الجدار الجنوبي على سوق الورق الضيق ويضم 16 دكاناً، أما الجدار الشرقي فيطل على زقاق ضيق يدعى (نزلة معاوية)، ولذلك ركز المصمم على الجدار الغربي المطل على سوق البزورية وجعل فيه بالإضافة إلى 15 دكانا واجهة الخان الرئيسية التي تعتبر من أجمل وأضخم واجهات المباني الأثرية في سوريا وأكثرها غنى بالزخارف.
البوابة الخشبية للخان مصفحة بالحديد ومزخرفة بالمسامير.
وتتألف من مصراعين ضخمين من الخشب، أحدهما صغير (باب خوخة) وكلاهما يفتح خارج أوقات الحركة التجارية في الليل ليتيح الدخول للأشخاص فقط ويسهل الحماية للمقيمين في الخان وعند إغلاق البوابة الخشبية يمارس نزلاء الخان حياتهم الخاصة بمعزل تام عن ضجة السوق. البوابة عبارة عن جزء من قوس دائري تعلوها واجهة مؤلفة من خطوط منحنية تتقاطع بدائرة صغيرة كان فيها ياقوتة فخمة مفقودة حالياً يقال إن ثمنها يكفي لإعادة بناء الخان مرة ثانية فيما لو تهدم. وفوق هذا القسم مجموعة رائعة من المقرنصات معقدة الزخرفة تنتهي في الأعلى بتقصر على شكل صدفة، وبعد الباب مباشرة يقع الدهليز.
يؤدي الدهليز إلى صحن الخان حيث توجد باحة فسيحة مربعة الشكل يتوسطها بحيرة كبيرة تتألف من 16 ضلعاً وفي مركزها نافورة تلطف جو الخان وتتغذى بالماء من أحد فروع نهر بردى.
وتعتبر باحة الوفود الرسمية (باحة الخان) من أجمل باحات المباني الأثرية في الشرق وأكثرها تأثيرا في النفس البشرية لما لها من خصوصية بالغة، فالجدران المطلة عليها تتناوب مداميكها بين اللونين الأبيض والأسود وعددها 34 مدماكاً. ونلاحظ أن القسم السفلي من الجدران تخترقه نوافذ الطابق الأرضي المحمية بقضبان حديدية متقاطعة، بينما نجد أن القسم العلوي يتألف من 12 قوساً، وأحب الدمشقيون هذه الباحة واعتبروها من أجمل ما لديهم من باحات واستخدموها لاستقبال الوفود الرسمية.
ويحتوي الطابق الأرضي على أجنحة ثنائية وثلاثية الغرف تطل على الباحة وتضم 40 غرفة وتطل هذه الأجنحة على الباحة مباشرة، ويعتقد أن الغرف الداخلية فيها استخدمت لتخزين البضائع بينما الغرف الخارجية المطلة على الباحة استخدمت كمكاتب للتجار.
أما الطابق الأول فيتألف من رواق يشرف على الباحة من الجهات الأربع ويطل عليها من كل جهة عبر 3 فتحات قوسية، وتطل على هذا الرواق 44 غرفة ليصبح مجموع غرف الخان 84 غرفة.
وقد وضعت غرفة مدير الخان (الخانجي) في الفسحة الواقعة في منتصف الضلع الغربي في الطابق الأول (فوق المدخل تماماً) حيث يتم الوصول إليها عبر عدة درجات ليصبح منسوبها أعلى من منسوب كل الغرف.
ويضم الخان في الجهة الغربية مسجد البزورية الذي يعود لعهد أقدم من تاريخ بناء الخان، ينفتح بابه على السوق مباشرة تعلوه مئذنة صغيرة ولا يوجد أي اتصال بينه وبين الخان.
كما يعتمد التصميم المعماري للخان على مبدأ التناظر وتناوب اللونين الأبيض والأسود في مداميك البناء.
ويتوزع النور الداخل إلى الخان من النوافذ المعشقة في القباب ومن المناور السقفية الواقعة في زوايا أروقة الطابق الأول.
أما نوافذ القباب فصنعت بأكملها من الخشب المعشق مع الجبس والزجاج الشفاف.
واستمرت وظيفة الخان كما هي حتى بداية القرن العشرين حين ظهرت الفنادق الحديثة فانتقلت ملكيته إلى تجار المنطقة فاستخدموا غرفه كمخازن لبضائعهم واستمرت الحال هذه حتى بداية الثمانينات حين أخلي الخان بعد صدور قرار الاستملاك عام 1973م، وبدأت المديرية العامة للآثار والمتاحف بترميم وإصلاح ما أتلفته عوامل الزمن وسوء الاستخدام وتنفذ كل تلك الأعمال الترميمية بالطريقة التقليدية المتوارثة وبواسطة أيد محلية ماهرة.