خبايا القاهرة كتاب نادر عن ليالي القاهرة وأسرارها في بدايات القرن العشرين، لمؤلفه أحمد محفوظ، اجتهد الكاتب يوسف الشريف كما ذكر في مقدمة الكتاب الصادر عن دار الشروق في التوصل إلى معلومات عنه، لكنه لم يتوصل إلا إلى أن المؤلف، كما يتضح من بين السطور، كان صديقا للشاعر حافظ إبراهيم.
إن طبعة شعبية رديئة مملوءة بالأخطاء من الكتاب قد صدرت عام ،1958 ما يعني أن الرجل كان معمراً، وبالتالي فإن هذا الكتاب مجهول الهوية والنسب ولا يعرف لصاحبه مهنة أو عنوان أو عمر ولا حتى إنتاج أدبي معرفي سابق أو لاحق على هذا الكتاب النادر في موضوعه واختيار مادته، حيث يندرج كما يرى الشريف تحت باب التاريخ الوجداني، وعلى هذا الأساس فإن الكتاب يعد اسهاما مطلوبا إزاء استكمال نقص في ذاكرتنا التاريخية، إذ غالبا ما نجد اهتماماً في المجتمعات الشرقية بكتابة التاريخ السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، دون أن يلفت التاريخ الوجداني اهتمام أحد من المؤرخين أو الكتاب أو الباحثين، رغم أن تسجيل هذا الجانب من النشاط الإنساني ينطوي على فائدة في التعرف إلى الأجواء المعنوية والمزاجية للأمم والشعوب خلال حقبة معينة أو عصر كامل، ومدى تأثرها وتأثيرها في الأوضاع المعيشية، موصولة بمساحات الحرية المكفولة للتعبير، وكذلك الأحوال الاقتصادية.
ويؤكد د. الشريف هذه الفرضية بقوله: إن رصد الحالة الوجدانية للمجتمع المصري إبان حكم الملكية والاستعمار والإقطاع على سبيل المثال تختلف اختلافا يكاد يكون جذريا عما لحق بالحالة الوجدانية منذ اندلاع ثورة 23 يوليو/ تموز ،1952 ثم اختلفت اختلافاً بيناً منذ حقبة الانفتاح الاقتصادي، موصولة بالحقبة الراهنة التي شهدت مظاهر التوحش الرأسمالي والثراء الفاحش، بينما تظل الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل تئن تحت وطأة الغلاء والبطالة ونقص الخدمات.
وهنا يذكر الشريف ما قاله المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعي حول الدرس الذي استفاده من كتابة التاريخ، إذ قال: تعلمت من كتابة التاريخ أن المؤرخ يجب أن يبحث عن كيف يلهو الشعب، إن اللهو يكشف عن نفسية الشعب، فتاريخه مرتبط بطريقة لهوه، كان المؤرخون القدامى يعرفون الناس من مقابرهم، بينما في العصر الحديث يرى المؤرخ أن حياة الناس البعيدة عن السياسة ترسم بدقة جوهر السياسة، فالأبطال تصنعهم الحياة الجارية بكل ما فيها من ثورة ولهو، وأنا على سبيل المثال من جيل كان يلهو كثيرا ويبكى كثيرا.
وعلى غرار ما كتبه المؤلف أحمد محفوظ يحاول يوسف الشريف أن يكمل السياق أو استدراك ما فات بدءا بما رواه المؤرخون عن محمد علي في أعقاب مذبحة القلعة مباشرة (عام 1811) التي استمرت منذ الصباح وحتى الهزيع الأخير من الليل، والتي لم ينج منها سوى مملوك واحد اسمه أمين بك، استطاع أن يقفز بحصانه من الارتفاع الشاهق للقلعة، ثم مضى متنكرا حتى تمكن من الهرب إلى جنوب سوريا.
أما ما رواه المؤرخون، فيقال إن محمد علي كان يجلس آنذاك صامتا وسط أولاده وحاشيته في بهو القلعة، وهو يسمع صرخات المماليك وبعدها دخل طبيبه الإيطالي الخاص الذي زف إليه نبأ الخلاص من كل المماليك، وعندئذ أمسك محمد علي بدورق الماء وشرب منه كثيرا.
وشرع في بناء الجيش باختيار الجنرال سيف للقيام بتلك المهمة حيث تولى إنشاء الكلية الحربية في أسوان وأعلن إسلامه، ثم تزوج بمصرية بعد أن غير اسمه إلى سليمان باشا الفرنساوي، وتكريما لذكراه أقيم له تمثال في ميدان يحمل اسمه (طلعت حرب الآن) لكن الإهمال طال قصوره، فتحولت إلى مدارس، وظل قبره المشيد على الطراز الإسلامي في حي مصر القديمة تحيط به القمامة.
ويذكر الشريف أن باب الشعرية اختاره المعز لدين الله مقراً له، ومتنزهاً للشعب، ويضم جامع الشيخ عبدالوهاب الشعراوي، وهو المكان الذي شهد طفولة وموهبة الموسيقار محمد عبدالوهاب، واشتهر الحي بتجمعات العلافين والقزازين والعطارين والقماشين، وكان يضم العديد من المقاهي. كذلك كان اسم حي الفجالة في الأصل درب الطبالة ويقال إن هذا الاسم جاء في أعقاب انتصار الخليفة الفاطمي المستنصر في معركة الزعامة مع الخليفة العباسي القائم بأمر الله في بغداد، وقيل إن السيدة نسب مطربة الخليفة الفاطمي انطلقت تغني وتطبل ابتهاجا بانتصاره، وقد دخلت المنطقة عصراً جديداً مع الخديو إسماعيل، وعرفت باسم الفجالة لعنايتها بزراعة الخضراوات خاصة الفجل، وبعدها تحولت إلى سوق لبيع الكتب والأدوات المدرسية ثم لحقها أخيراً محلات لبيع الأدوات الصحية والسيراميك.
باب الحديد كان إبان حكم الفاطميين يطل على مجرى النيل، وقد شهد المكان ترسانة لصناعة السفن الحربية ومنها كان ينطلق الأسطول المصري إلى دمياط ثم إلى البحر المتوسط، ومع بداية القرن العشرين اختار الإنجليز هذا المكان ثكنات لجيشهم، وهو الآن ملتقى قطارات السكك الحديدية من وإلى مختلف محافظات مصر.
يرسم المؤلف في كتابه خبايا القاهرة صورة دقيقة التفاصيل لكل ما يعرض له، وحين يذكر شارع محمد علي على سبيل المثال يقول: كان منتدى للفنانين ومحل اجتماعهم، وكان لهم بمنزلة دار النقابة، ولا يزال يجتمع به إلى اليوم فلول من فقراء الموسيقيين من أتباع حسب الله ذلك الموسيقي الأول الذي كان يعمل في موسيقا الحرس الخديوي، حتى إذا خرج منها ألف أول جوقة للموسيقا في القاهرة، تسير في مواكب الأعراس ونعوش الجنائز، وكانت القاهرة قبل حسب الله لا تعرف هذا الضرب من الموسيقا إلا في المواكب الرسمية التي تحتفل بالخديو.
نستطيع أن نقول إن أحمد محفوظ يدور في العالم السري للقاهرة، الذي يتخفف فيه الجميع من غلوائهم، حيث نرى الملك فؤاد ينادي بائعاً يبتاع منه الصميت، كان ذلك كما يقول المؤلف أيام تعطله، كما أنه المؤلف بعد أن يرسم خريطة دقيقة للمكان لا تغفل أية تفصيلة، نراه يمنحه الحياة من خلال حكايات البشر المجهولين والمعروفين، فتسمع حكاية عن أم كلثوم الصبية وهي تغني في مقهى ريش، أو عن شخص اسمه إبراهيم العزبي كان أسطورة في زمانه، وكان يخشاه البوليس، رغم أنه رجل مخنث يمشي كالنساء ويتزين بحليهن، لكنه كان السيد الحاكم بأمره في باب الشعرية وعندما عزل حكمدار الحي الذي كان يحميه، سيق إلى السجن حيث قضى فيه خمس سنوات، مات بعدها ذليلاً فقيراً.
ويذكر محفوظ أن القاهرة عرفت الفنادق من أيام العهد الفاطمي، فقد جاء في التاريخ أن المستنصر الخليفة الفاطمي كان يملك فنادق المدينة كلها، فقد كانت القاهرة الطريق إلى الحج والتجارة ولابد للحجاج والتجار من مأوى، وأشهر الفنادق التي عرفتها القاهرة بعد الاحتلال فندق شبرد الذي كان مقصد الملوك والأمراء وكبار الأغنياء.