وضع القرآن الكريم خطة تقويم سلوك الزوجة الناشز، وحدد للزوج وسائل علاج لا يجوز أن يتجاهلها أو يقفز عليها ليظلم ويضرب ويسيء إلى شريكة حياته من دون مبرر، فقال سبحانه وتعالى مخاطباً الرجال: " . . واللاَّتي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واَهْجُروُوهُنَّ فِي المْضَاجِعِ واَضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَليّاً كَبِيراً" .
فكل زوج يعاني عصيان وتمرد زوجته من دون سبب منه، مطلوب منه بأمر القرآن أن يعظ أي ينصح ويوجه بالكلمة الطيبة والنصيحة المخلصة من دون توبيخ أو تعنيف أو تهديد . . فإذا ما فشلت النصيحة والموعظة لجأ إلى وسيلة أخرى، وهي الهجر في المضاجع، وإذا لم يحقق الهجر هدفه ويعيد الزوجة إلى صوابها، كان الضرب الرمزي غير المؤلم .
هذا ما حددته الآية القرآنية السابقة . . فما الحكم لو استمر النشوز بعد الوعظ والهجر والضرب؟
القرآن الكريم أرشدنا، وفي حالة حدوث خلاف بين الطرفين من المحتمل أن ينهي العلاقة بينهما إلى حل أخير، وهو الإصلاح بين الزوجين عن طريق الحكمين، فقال سبحانه وتعالى في سورة النساء: "وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إصْلاَحاً يُوفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَليِماً خَبِيراً .
الفقيهة الأزهرية، د . سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، توضح لنا هداية هذه الآية الكريمة فتقول: بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى في الآية السابقة على هذه الآية عن الوسائل الشرعية لعلاج نشوز الزوجة، وأمر الرجال بالالتزام بالمراحل المحددة لذلك، والتي تبدأ بالوعظ والنصيحة ثم الهجر في المضاجع، ثم الضرب بحدوده وضوابطه الشرعية . . بعد ذلك بيّن سبحانه ما يجب عمله إذا ما نشب خلاف بين الزوجين، فقال تعالى: "وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا . . ." .
والمراد بالخوف هنا: العلم . . والخطاب لولاة الأمور وصلحاء الأمة، وقيل لأهل الزوجين .
والمراد بالشقاق ما يحصل بين الزوجين من خلاف ومعاداة . . وسمي الخلاف شقاقاً، لأن المخالف يفعل ما يشق على صاحبه، أو لأن كل واحد من الزوجين، صار في شق وجانب غير الذي فيه صاحبه .
والمعنى: "وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافاً بين الزوجين قد تسبب عنه النفور الشديد، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففي هذه الحالة عليكم أن تبعثوا "حكماً" أي: رجلاً صالحاً عاقلاً أهلاً للإصلاح ومنع الظالم من الظلم "وحكماً من أهلها" أي: من أقارب الزوجة، بحيث يكون على صفة الأول، لأن الأقارب في الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم .

مهمة الحكمين

على الحكمين في هذه الحالة أن يستكشفا حقيقة الخلاف، وأن يعرفا هل الإصلاح بين الزوجين ممكن أم أن الفراق خير لهما؟
وظاهر الأمر في قوله "فابعثوا" أنه للوجوب، لأنه من باب رفع المظالم ورفع المظالم من الأمور الواجبة على الحكام .
وظاهر وصف الحكمين بأن يكون أحدهما من أهل الزوج، والثاني من أهل الزوجة، أن ذلك شرط على سبيل الوجوب . . إلا أن كثيراً من العلماء كما تقول د . سعاد حملوه على الاستحباب، وقالوا: إذا بعث القاضي بحكمين من الأجانب جاز ذلك، لأن فائدة بعث الحكمين استطلاع حقيقة الحال بين الزوجين، وهذا أمر يستطيعه الأقارب وغير الأقارب إلا أنه يستحب الأقارب فيه لأنهم أعرف بأحوال الزوجين، وأشد طلباً للإصلاح، وأبعد عن الظنة والريبة، وأقرب إلى أن تسكن إليهم النفس .
والضمير في قوله سبحانه: "إن يريدا إصلاحاً" يجوز أن يعود للحكومين، ويجوز أن يكون للزوجين، وكذلك الضمير في قوله "فوق الله بينهما" يحتمل أن يكون للحكمين وأن يكون للزوجين .
والأولى كما يقول بعض المفسرين أن يكون الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين، فيكون المعنى: إن يريدا أي الحكمان إصلاحاً بنية صحيحة وعزيمة صادقة، يوفق الله بين الزوجين بإلقاء الألفة والمودة في نفسيهما وانتزاع أسباب الخلاف من قلبيهما .

خلاف فقهي

وقد اختلف العلماء فيما يتولاه الحكمان . . أيتوليان الجمع والتفريق بين الزوجين من دون إذنهما، أم ليس لهما تنفيذ أمر يتعلق بالزوجين إلا بعد استئذانهما؟
يرى بعض العلماء أن للحكمين أن يلزما الزوجين بما يريانه من دون إذنهما، لأن الله عز وجل سبماهما حكمين . . والحكم هو الذي يحسم الخلاف بما تقتضيه المصلحة، سواء أرضي المحكوم عليه أم لم يرض، ولأن القاضي هو الذي كلفهما بهذه المهمة، فلهما أن يتصرفا بما يريانه خيراً من دون إذن الزوجين، ولأن عليا رضيه الله عنه عندما بعث الحكمين لحسم الخلاف الذي نشب بين أخيه عقيل وبين زوجته قال لهما أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتم أن تجمعا جمعتهما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتهما .
ويرى فريق آخر من العلماء من بينهم أو حنيفة أنه ليس للحكمين أن يفرقا بين الزوجين إلا برضاهما لأنهما وكيلان للزوجين، ولأن الآية الكريمة بينت أن عملهما هو الإصلاح فإن عجزا عنه فقد انتهت مهمتهما، ولأن الطلاق من الزوج وحده ولا يتولاه سواه إلا بتوكيل منه .
ثم ختم سبحانه الآية الكريمة بقوله: "إِنَّ اللّهَ كَانَ عَليِماً خَبِيراً" أي إنه سبحانه عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبأحوال النفوس وطرق علاجها، ولا يخفى عليه شيء من تصرفات الناس وأعمالهم وسيحاسبهم عليها .

الزوج الناشز

تقول الفقيهة الأزهرية، د . عبلة الكحلاوي، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: الوسائل العلاجية أو العقابية لا يحق للزوج اللجوء إليها إلا إذا كان ملتزماً وموفياً بما عليه من واجبات تجاه زوجته، أما إذا قصر أو تهاون فلا يحق له محاسبتها، إذ لم يمنح الإسلام حق التقويم والإصلاح إلا لكل زوج توافرت له شروط الرعاية والقوامة على أسرته من نفقة وسكن وإعفاف وغيرها، أما من يتهاونون في حقوق من هم في كفالتهم ورغم ذلك يحاسبونهم حساب القياصرة للعبيد فهؤلاء لا أخلاق لهم .
لكن: ما الحكم لو كان النشوز والتمرد والعصيان والإساءة من جانب الزوج، هل يجوز للزوجة هجر فراشه أوضربه؟
تقول د . عبلة: الإسلام وهو حريص على الحياة الزوجية لا يريد أن تهتز صورة الرجل في عين زوجته وأهلها وجيرانه وأصدقائه ومعارفه، ولذلك لا يجوز للزوجة أن تهجر فراش زوجها حتى لو أساء إليهما، كما لا يجوز لها أن تعتدي عليه بالضرب إلا في حالة الضرورة القصوى لدفع عدوان وحشي عليها، وبعض العلماء أعطى للزوجة حق ضرب زوجها لدفع العدوان، ولكن أرى أن يكون ذلك عند الحاجة، فالزوج كما قلنا لا يجوز له أن يضرب زوجته بقسوة أو يلحق بها الأذى والضرب المباح له في حالة العصيان والتمرد والنشوز هو تعبير رمزي عن نفوره من زوجته، لكن لو تجاوز ذلك يجوز صد عدوانه ولو بعدوان مماثل .

حل وسط

إذن . . ما الوسيلة المتاحة للزوجة لإصلاح زوجها الناشز؟
من حق الزوجة أن تستعين بأهل الخير والإصلاح من أهلها وأهل الزوج لإصلاح ما بينها وبين زوجها وصرف الزوج عن نشوزه ونفوره منها إذا كانت راغبة في الاستمرار معه، أما إذا كانت نافرة منه حاسمة أمرها بعد اتخاذ كل وسائل الإصلاح والتقويم فعليها أن تطلب الفراق، فهو خير لها وله، وهناك حل وسط يمكن الاتفاق عليه في حالة وجود أولاد وعدم رغبة المرأة في معاشرة زوج أخر، وهو تجميد الحياة الزوجية لفترة يتم فيها الفصل الجسدي بين الزوجين ليراجع كل منهما موقفه، وفي حالاتكثيرة تعود الحياة الزوجية إلى مجاريها بعد توقف بعد أن يراجع كل واحد موقفه ويحاسب نفسه، فهناك بعض الأزواج الذين يعتقدون أنهم يستطيعون العيش في سعادة وطمأنينة وراحة بال بعيداً عن زوجاتهم، ثم يكتشفون بعد البُعد عنهن استحالة أو صعوبة ذلك، وهناك زوجات يشعرن بالنفور من أزواجهن فإذا ما بعدن عنهم شعرن بالفرقة والشوق إليهم، ولذا لا ينبغي التسرع بطلب الطلاق، بل يجب أن نصبر ونجرب كل الوسائل قبل اللجوء إلى أبغض الحلال عند الله .