إعداد:نجاة الفارس
لم يكن أحد يعلم أن الطفل خير الدين التونسي الذي وقع في الأسر وفقد والديه ثم بيع في سوق الرقيق، سيشق طريقه بكفاح وجد واجتهاد، بعلم وعمل وفكر مستنير، ليصبح مصلحاً ووزيراً بل وكاتباً ترك بصمات شاهدة على عظمة ما صنع وما خطط وما درس وما نفذ، ولم يرتض يوماً الذل والهوان لأمته، شأنه في ذلك شأن العظماء يرحلون وتبقى سيرهم خالدة، تتوارثها الأجيال، وتستخلص منها الحكم والعبر، والدروس الراقية، وتعرف البشرية جمعاء بأن العلم يبني بيوتاً لا عماد لها.
هكذا سار التونسي مرفوع الرأس يرفض الجهل بل ويحاربه، ويبحث عن سر تطور الدول الأوروبية ونهضتها ليقتدي بمسيرتها ويتجنب نواقصها، من دون أن يمس بمبادئ دينه وشريعته الإسلامية السمحاء.

ولد خير الدين باشا المعروف بخير الدين التونسي عام 1820 في قرية بجبال القوقاز لأسرة تنتمي إلى قبيلة أباظة الجركسية، وفي مرحلة مبكرة من طفولته أسر بعد مقتل والده في معركة عثمانية ضد الروس، ثم بيع بسوق الرقيق في إسطنبول، حيث اشتراه تحسين بك القبريصي ورباه تربية خاصة، وفي عام 1837، جيء به إلى قصر حاكم تونس الباي أحمد باشا فأقام عنده وحمل اسمه وفتح له أبواب العلم والسياسة والمناصب، ولحدة ذهنه أقبل على تحصيل الفنون العسكرية والسياسة والتاريخ، ثم عين مشرفاً على مكتب العلوم الحربية واتضحت خصاله الحربية جلية وفاز بالمراتب العسكرية عن جدارة، فولاه أحمد باي أميراً للواء الخيالة سنة 1849.

تعلم اللغات العربية والفرنسية والتركية في إسطنبول وتلقى العلوم الشرعية واللغوية من علماء معهد الزيتونة في تونس، وفي سنة 1852 سافر إلى باريس وأقام فيها ثلاث سنوات حيث أثرى معارفه في الإدارة والقضاء.
وفي سنة 1857 عين وزيراً للبحر فقام بالعديد من الإصلاحات من أهمها تحسين ميناء حلق الوادي وتنظيم إدارة الوزارة وإصلاح لباس الجيش البحري وضبط اتفاقيات وقوانين مع الأجانب لحفظ الأراضي التونسية.
كما قام بعدة إصلاحات، وقاوم الحكم الاستبدادي، وعمل على إقامة العدل، وساهم في وضع قوانين مجلس الشورى الذي أصبح رئيساً له سنة 1861، ومع ازدياد فساد الوضع السياسي في البلاد نتيجة سوء تصرف المسؤولين قدم خير الدين استقالته من جميع وظائفه سنة 1862، وحتى عام 1869 انعزل في بستانه يكتب ويتأمل تاركاً لنا حصيلة تأملاته وأفكاره الإصلاحية في كتابه الشهير «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك».
العدل رفيق العقل
يعلي التونسي في الكتابة من شأن نعمتي العدل والعقل، فالأولى أساس العمران والثانية مدخل لحسن التدبير، وما يستلزم ذلك من تعاون، ويرى أن الشريعة الإسلامية السمحة، لائقة بكل زمان، ولكنه يعلن عن سعيه إلى دراسة أسباب تقدم الأمم وخاصة في مجال التمدن ولا يمكن ذلك إلا بمعرفة أحوال الأمم الأخرى، وكذلك التعاون الاجتماعي بما يحقق الفوائد العمومية، ويغمز التونسي من قناة رجال الدين في عصره ومنهجهم النقلي وعدم مراعاتهم للتقدم، ويقدم تجربته التي نتجت عن مشاهداته في أوروبا وتفكيره في ظاهرها وجوهرها متوجهاً إلى العلماء والساسة، ولذلك كان للكتاب هدفان أساسيان في نظر التونسي، أولهما، حث رجل السياسة والعلم على العمل على تقدم الأمة الإسلامية وتمدنها وثرائها الإنتاجي وذلك بإتقان العمل على الطريقة الأوروبية، والثاني يتوجه إلى المسلمين الذين يرفضون الأخذ عن الغرب، موضحاً أن الأوروبيين فعلوا ذلك عندما بدأوا نهضتهم.
الاستشهاد بالتراث
يستشهد التونسي بالتراث وخاصة مشورة سلمان الفارسي للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق، ومقولة الإمام علي «لا تنظر إلى من قال ولكن انظر إلى ما قال»، وأيضاً موقف الغزالي من علم المنطق المنقول عن قدماء اليونان، ويورد جانباً من الفتاوى تتعلق بهذا الموضوع، ويهاجم المنكرين للأخذ عن الغرب الذين يعمدون في الوقت نفسه إلى تقليده في الضار دون النافع، وخاصة في النزعة الاستهلاكية التي تدفع للاعتماد على الغرب في اقتناء الملبس والأثاث وحتى الأسلحة الحربية، ويحاجج بمنطق الفلاح الذي يضحي بعمل سنة كاملة ليذهب محصوله للمصنعين الأوروبيين فيعود لشراء المنتج النهائي بثمن باهظ.
وثمة ما يدلل على ميل التونسي لفصل الدين عن الدولة فالمسألة في العمران هي العدل والأمن وذلك ما يتفق مع الموروث الإسلامي أيضاً، كما يتفق التونسي مع ابن خلدون في علاقة الظلم بخراب العمران.

ويرى التونسي أيضاً أن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم بالمشورة، وعليه فالأولى أن تكون واجبة على الحكام من بعده، ويستشهد بدلائل من التراث، والمشورة عند التونسي ليست سلبية إنما تكتسب بعداً إيجابياً في تغيير المنكر ويتساوى عنده في ذلك الكلمة والسيف، وهو ما يسميه بالوازع الذي يكون شرعاً سماوياً أو سياسة معقولة، وإذا كانت تلك مسؤولية المجالس النيابية في أوروبا، فإن ذلك يقع ضمن مسؤولية العلماء والأعيان، ويشتق التونسي مفهوماً إسلامياً موازياً وهو الاحتساب على الدولة.
إصلاحات عديدة
في عام 1871 عاد التونسي إلى المشهد السياسي رئيساً للجنة مراقبة المالية، وبعد عامين رئيساً لوزراء تونس، وقد نفذ خلال توليه هذا المنصب مشاريع عديدة حيث أصلح نظام الضرائب وعمل على تطوير التعليم وتشجيع زراعة الزيتون والنخيل.
وظل رئيساً لوزراء تونس حتى 1877 حيث استقال من منصبه وغادر إلى تركيا، وشغل هناك منصب الصدر الأعظم للدولة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وقد استقال من هذا المنصب عام 1879 ونال عضوية مجلس الأعيان في العام نفسه واحتفظ بها حتى وفاته.
وإلى جانب تجربته الإدارية والسياسية التي جعلته أبرز شخصيات الدولة العثمانية كان لخير الدين التونسي حضور بارز في مجالات السياسة والفكر وعلوم الشرع، وقد نادى بالتجديد الفقهي عبر الاجتهاد، وألح على توفير الحرية في المجتمع باعتبارها طريقاً مهماً لاجتثاث التخلف، كما عرف عن التونسي دعمه للمبادرات الإصلاحية وحثه على العدل والمساواة بين المواطنين وإصلاح أنظمة الحكم ونادى بمقاومة الديكتاتورية لكنه ظل متمسكاً بنظام الخلافة، وفي الجانب الاقتصادي أشاد بالنظام الرأسمالي ورأى أنه يؤدي للنمو وازدهار العمران.

وقد تأسست الحركة الإصلاحية عند خير الدين التونسي على نقطتين أساسيتين الأولى هي التجديد والاجتهاد في الشريعة بما يتلاءم مع ظروف العصر، وأحوال المسلمين دون الخروج عن ثوابت الشريعة. والثانية ضرورة الأخذ بالمعارف وأسباب العمران الموجودة في أوروبا وركز في هذا الإطار على النهوض بالتعليم ونشر الوعي حيث أسس المدرسة الصادقية نسبة إلى الباي محمد الصادق وأدخل فيها تدريس العلوم الحديثة إلى جانب علوم الدين واللغة العربية كما طور التعليم في جامع الزيتونة وأنشأ المكتبة العبدلية.
من أهم مؤلفاته «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك»، و«دراسة الأسس التي قامت عليها المدنية الغربية»، وكتب سيرته الذاتية تحت عنوان «إلى أولادي.. مذكرات حياتي الخاصة والسياسية».
في عام 1890 توفي خير الدين التونسي في إسطنبول، ودفن في جامع أيوب، وفي 1968 نقلت رفاته إلى تونس ودفن في مقبرة الجلاز، وقد ترك بصمة خالدة، ولا تزال الأجيال تتوارث سيرته العظيمة، وتتعلم الدروس والحكم منها.