كانت الأحداث التي أحاطت بالنبي- صلى الله عليه وسلم - مقدمةً لمعجزة الإسراء والمعراج، إذ جاءت هذه المعجزة تسرية وتسلية لرسول الله واحتفاء به في ملكوت السموات، بعدما لاقى من عنت القوم ووفاة زوجته وعمه ولجوئه إلى الله مناجياً لما يلقاه من أهل الأرض فيقول له ربه: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) (النحل)، وهذه إشارة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - أنَّ ربَّه الذي كلَّفه هذه الرسالة السامية بلا شك سينصره رغم هذه الشدائد والمحن .
تاريخياً تبدو حادثة الاسراء والمعراج نقطة تحول كبرى في مجمل أحداث السيرة النبوية بأسرها، وهو تحول مؤداه الأصلي الكبير ان مرحلة الاستضعاف اشرفت على الافول طاوية معها عذابات ودماء وعناءات أخرى كثيرة اهمها هجرتان إلى الحبشة ورحلة إلى الطائف وحصار اجتماعي واقتصادي شامل لف العائلة الهاشمية مؤمنها وكافرها وموت السندين الكبيرين : خديجة رضي الله عنها والعم أبو طالب .
ومن ثم تدشين مرحلة أخرى جديدة تتطلب التمسك بالأمل واليقين والثقة كما تتطلب التأهل عبر الصلاة والصبر والعدل . . . فكان لا بد من الفصل بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين بهجرة كريمة عظيمة إلى السماء لاستمداد الصبر وامتلاء الفؤاد بنور آيات لا يبهت، وهي هجرة تمكن لهجرة قادمة في الأرض ستحول الدنيا بأسرها إلى دولة الإسلام .
مقدمات الرحلة
لقد جاءت هذه الرحلة العظيمة في إطار سلسلة الجرعات التربوية التي بدأت بخلوة التفكر والتدبر في غار حراء، ثم رحلة قيام الليل الطويلة في دار الأرقم ومكابدة العمل التنظيمي خلال المرحلة السرية، ثم رحلة الدعوة الجهرية وما فيها من مشقة على النفس، ومواجهة لصناديد قريش وبذاءات ذوي السلطان، وإيذاءات أصحاب المصالح الشخصية . . . ومرحلة المعسكر التقشفي والسجن والحصار في شِعب أبي طالب حيث ذاق النبيُ الكريمُ مرارةَ العيشِ، وقسوةَ الشظف واستمر تحت وطأة مجاعة حقيقية مدة ثلاث سنوات خرج منها إلى عام الحزن حيث فقد العم والزوجة، ثم انتقل بمفرده في رحلة دعوية إلى الطائف؛ فذاق فيها من الإيذاء والعذاب ما لم يذقه مذ بدأ دعوته إلى الله .
في هذه الاجواء بدأت رحلة الإسراء والمعراج، المعجزة العجيبة التي لم تستغرق ساعة، بل التي لم تلبث هنيهة، وكان ما حصّله فيها النبيُ صلى الله عليه وسلم يستغرق قروناً وقروناً .
كانت هذه الرحلة الكريمة المترعة بالآيات الكبرى وجبة تربوية مكثفة، اشتملت على العديد والعديد من المشاهد الرهيبة التي تقشعر منها الجلود من هول وقعها، كرؤية مصائر الزناة، وخطباء الفتن، ومضيعي الأمانات، ومانعي الزكاة، وآكلي الربا وناهبي أموال اليتامى.
فرض الصلاة
ثم تُوجت هذه الرحلة المباركة بالتاج الاسمى . . بالصلاة التي هي عماد الدين، وهي أسمى وشيجة بين العبد وربه، ولتظل الصلاة نفحة المعراج الخالد التالدة، وليدين كُل مسلمٍ بالفضل والعرفان لهذه الرحلة المباركة، وليقف المسلم حول تعاليم الإسراء وقفة تأمل وتدبر بين الفينة والأخرى .
إن الصلاة مدرسة تغدق كل ضروب التربية والعلم والتحضر والترقي وفنون الاجتماع وقضايا السياسة، ولذا كان فرضها في السماء بخلاف بقية الفرائض والتشريعات وكان الأجر عليها مضاعفاً عشر مرات أي مقابل خمسين صلاة في اليوم والليلة .
والحقيقة ان معاني الصلاة لا يأتي عليها حصر لو جاز لنا الاستطراد فمنها ذكراً لا حصراً أن الصلاة مدرسة في تعلم اليسر ونشره وبث السماحة فضلاً عن أنها مدرسة بحق للأمراض النفسية وانفصام الشخصية وأمراض التردد والتذبذب والانشطار والتشتت الذهني والعصاب والوسواس والتفرق العاطفي والخوف والقلق وسائر ما سمي بأمراض العصر .
فكل العبادات فُرِضت في الأرض والصلوات فرضت في السماء، هذا دليل على أهمية هذه العبادة وهذه الفريضة معراج يرقى به كل إنسان مسلم إلى الله تبارك وتعالى .
أما ربط الرحلة في بدايتها ونهايتها بالمسجد، فلكي تعلم الأمة قيمة المساجد ومكانتها في الإسلام وفي الحديث القدسي الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة: بيوتي في الأرض المساجد، وزوارها عُمَّارها، فطوبى لعبدٍ تطَّهر في بيته ثم زارني في بيتي فكان حق على المزور أن يُكرم زائره .
لماذا المسجد الأقصى؟
لقد كان المسجد الأقصى قيمة حيّة في وجدان المسلمين الأوائل، خاصة في المرحلة المكيّة، إذ كان قبلتهم، رغم أن الكعبة الحرام كانت قائمة بين ظهرانيهم .
وكانت زيارة المسجد الأقصى هي حلقة الوصل بين عهدين في عمر الدعوة الإسلامية، فما قبل الإسراء كانت مرحلة الاستضعاف، وما بعد الإسراء كانت مقدمات فعلية لمرحلة التمكين والدولة والخلافة . .وكان المسجد الأقصى هو المحطة التي لابد منها لعروج النبي صلى الله عليه وسلم من الأرض إلى السماء .
فقد أراد الله أن يرفعه مكاناً علياً، ويريه من آياته، وليفرض على الأمة ركن الصلاة، فلما شاء الله ذلك، لم يكن من بقعة لتنفيذه سوى بيت المقدس، فكان الإسراء كرحلة أفقية تمهيدية للوصول إلى القاعدة المقدسة، ومنها تبدأ الرحلة الرأسية الكبرى إلى السماء، إلى سدرة المنتهى وهكذا كان المسجد الأقصى حلقة الوصل بين السماء والأرض . . .وكان المكان الذي جمع الله فيه الأنبياء صفوفاً مؤتمين بمحمد صلى الله عليه وسلم .
فلا بد أن ننظر لماذا كان هذا الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟ لماذا لم يعرج برسول الله (صلى الله عليه وسلم) مباشرة من المسجد الحرام إلى السموات العلا؟
هذا يدلنا على أن المرور ببيت المقدس، في هذه الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، كان مقصوداً، والصلاة بالأنبياء الذين استقبلوه إماماً لهم، هذا له معناه ودلالته، أن القيادة قد انتقلت إلى أمة جديدة وإلى نبوة جديدة، إلى نبوة عالمية ليست كالنبوات السابقة التي أرسل فيها كل نبي لقومه، بل نبوة عامة خالدة لكل الناس، رحمة للعالمين، ولجميع الأقاليم ولسائر الأزمان، فهي الرسالة الدائمة إلى يوم القيامة عموم هذه الرسالة وخلودها كان أمراً لا بد منه، وهذه الصلاة بالأنبياء تدل على هذا الأمر، والذهاب إلى المسجد الأقصى، وإلى أرض النبوات القديمة، التي كان فيها إبراهيم، وإسحاق وموسى، وعيسى، إيذاناً بانتقال القيادة إلى الأمة الجديدة وإلى الرسالة العالمية الخالدة الجديدة . .
ولا شك في أن الربط في الاسراء بين اقدم معلمين في الدين والتاريخ وهما المسجد الحرام والمسجد الاقصى له أبعاد لا تحصى، لعل أبرزها أن الإمامة القديمة بقيادة بني إسرائيل لم تعد صالحة بحكم تورطها في الظلم المنافي لسنن الكون وأسباب الخلق إذ لا يليق بقوم قتلوا الانبياء وعبدوا العجل وبدلوا نعمة الله عليهم كفراً واحتالوا على شريعة ربهم للتملص من تكاليفها أن يكونوا شهوداً على الناس ولا ائمة لهم ولم تعد بعد ذلك نسبتهم إلى ابي الانبياء ابراهيم عليه السلام وتمسكهم بتلك المشروعية زوراً وكذباً ذات صدقية .
فكان لا بد من اخراج امة اخرى جديدة تبتلى هي الأخرى بأمانة كلمة الله في ارضه عبر اقامة العدل وارساء القسط وإنتاج العلم وتعمير الدنيا بالخير وبث الفضائل وردع الرذائل لعلها تهدي البشرية بإذن ربها إلى ربها بعد ما اخفق بنو إسرائيل في ذلك .
وكان لا بد من أن تجري بروتوكولات التسليم للأمانة الجديدة وتشريف قائدها في الارض مرة عبر صلاة في اقدس مكان بعد الحرم المكي يؤم فيه القائد الجديد الأنبياء والرسل أجمعين نيابة عن أقوامهم أي عن البشرية قاطبة . ومرة أخرى في السماء حيث يتسلم الامانة منهم أي من أولي العزم منهم درجة بعد درجة من آدم عليه السلام في السماء الاولى إلى موسى وعيسى عليهما السلام قبل ادلافه إلى سدرة المنتهى وسيظل المسلمون بعد ذلك سنوات طويلة أخرى ييممون وجوههم شطر الأقصى الذي شهد الجانب الأرضي من تسلم الأمانة .
قيمة الليل
لماذا كانت الرحلة والمعجزة ليلاً؟ . . أراد الله أن يلفت الأمة إلى قيمةِ الليل ومكانته حين يقسم بالليل في أكثر من موضع، والله لا يقسم إلا بعظيم، وعلى هذه الأمة التي رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم نبياً ورسولاً وبالقرآن حكماً ومنهاجاً وشريعةً ودستوراً أن تُعظِّم ما عظَّم الله تعالى فتدرك خير الليل وتستفيد من بركات الليل؛ لأن الليل له رجاله إذا نامت العيون وهدأت النفوس وخلا كل حبيب بحبيبه . . فكان رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يكره السهر بعد العشاء إلا لضرورةٍ، وكان أصحابه فرساناً بالنهار رهباناً بالليل .
لا بد أن ندرك قيمة الليل ونعرض انفسنا لرحمات الله وبركات الله وخاصةً عندما يتنزل الحق تبارك وتعالى في الثلث الأخير من الليل ويقول: ألا من سائل فأعطيه ألا من داعٍ فأجيبه ألا من كذا ألا من كذا حتى يؤذن الفجر .
فالليل له رجاله يقول الحق فيهم كَانُوا قَلِيلاً مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) (الذاريات)، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) (السجدة) .