تتضافر النصوص القرآنية ونصوص السنّة النبوية في منهج التيسير على المؤمنين، فنجد القرآن الكريم يشير إلى أن الله لم يرد من التكليف إلا تهذيب الإنسان، دون أن يصيبه عنت أو حرج يقول الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (المائدة: 6) .

ويقول الله سبحانه وتعالى: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج (الحج: 77 - 78) .

ويقول الله سبحانه وتعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر (البقرة: 185) .

ولم يفرض الحج إلا على المستطيع، يقول الله سبحانه وتعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (آل عمران: 97) .

ولم يقتصر أمر التيسير على الفرائض المكتوبة المتعلقة بالعبادات فقط، بل هو القاعدة في كل ما يطلبه الإسلام من الإنسان، يقول الله سبحانه وتعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (البقرة: 286) .

كذلك وافقت تعاليمه فطرة الإنسان فأحكامه جاءت لمصلحته، من حيث إنه إنسان بمعنى أنها شريعة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول الله في بيان طبيعة الإسلام: فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم: 30) .

فالمقصود بالفطرة في هذه الآية: طبيعة الإنسان الجامعة بين العالمين: المادي والروحي بما أودع الله فيها من غرائز، أي أن الإسلام راعى هذه الفطرة في بناء التكاليف عليها، بحيث لا تكون مصطدمة معها، أو مهملة لمقتضياتها المادية، والروحية، يقول الله تعالى: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا (القصص: 77) .

فهو ليس ديناً مغرقاً في الروحانية، وليس مذهباً تسيطر عليه المادة، بل هو فطرة تتماشى مع طبيعة الإنسان، وبهذه الميزة كان ملائماً لجميع الأجناس البشرية، فتقبله النفوس، على اختلاف مستوياتها، وتباين طرق حياتها، لأنه يلبي مطالب الحياة بالقدر الذي يصلحها، ويجعل النشاط فيها ذا أثر فعال في جميع مجالات الإنتاج الذي يعود على الإنسان بوصفه إنساناً بالخير والسعادة والأمن والأمان .

ومن الجوانب التي أكسبت الإسلام صفة التسامح قيام أحكامه وتشريعاته على أسس عقلية، يفهمها كل إنسان يتمتع بهذه الميزة التي ميز الله بها الإنسان على سائر الكائنات الحية الأخرى، وأكبر دليل على ذلك أن أول آية نزلت من القرآن الكريم خاطبت العقل، وحثته على التفكير في نفسه، في كيفية خلقه، يقول الله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم (العلق 1 - 5) .

كما أنه حث على الاستفادة مما حول الإنسان في آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم، نذكر منها قوله تعالى: كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (البقرة: 219) .

وقوله: قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون (الأنعام: 50) . وقوله: أولم يتفكروا في أنفسهم (الروم: 8) . فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (الأعراف: 176) .

وغير ذلك من الآيات التي تثير في الإنسان مكامن التفكير، وتحمله على النظر فيما يحيط به، ليستخدم القوى العقلية فيه، وهي عامة لدى جميع البشر . ويترتب على هذا ذم التقليد والجمود، لأنه يشل تفكير الإنسان، ويحط من قدره، ويجعله عالة على غيره، وذلك ضد طبيعة الإنسان، وقد نزلت آيات عديدة تسفه أحلام الذين ساروا ضد هذه الطبيعة، فألغوا عقولهم، وساروا مع كبرائهم، دون أن يستخدموا عقولهم التي وهبهم الله إياها، لتقودهم إلى ما فيه الخير والسعادة، يقول الله تعالى: ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (الأنبياء: 51 - 54) .

#183; مستشار الشؤون الدينية والقضائية

#183; في وزارة شؤون الرئاسة عضو مجمع البحوث الإسلامية