كان الجو مشحوناً في منطقة الخليج العربي في عام 1969 إثر إعلان الحكومة البريطانية عزمها على الانسحاب من الخليج العربي، وسعي الإمارات إلى إقامة نظام اتحادي يجمعها في دولة واحدة، هذا أول ما ذكره الدكتور احمد جلال التدمري المستشار السابق في الديوان الأميري، ومدير أول إدارة للإعلام في رأس الخيمة في لقاء معه.
بدأ الدكتور التدمري حديثه عن قصة تأسيس دائرة الإعلام والوسائل الإعلامية الأخرى من مجلة وإذاعة وتلفزيون في إمارة رأس الخيمة، متذكراً تلبيته لدعوة كريمة من المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، الذي التقاه على هامش الاجتماع الأول لحكام الإمارات في مدينة أبوظبي، وذلك أثناء متابعته الفعاليات والنشاطات الوحدوية لإقامة الاتحاد التساعي في تلك الفترة.
وقال التدمري: توجهت عبر الطريق الساحلي إلى رأس الخيمة للسلام على الشيخ صقر في مكتبه بالديوان الأميري في المعمورة، وفي لقاء أبوي تحدث سموه عن تطلعاته للارتقاء بالإمارة والسعي مع إخوانه الحكام إلى إقامة دولة اتحادية تجمع إمارات الخليج العربي كلها في ارتباط تضامني يتجاوز الظروف التي مرت بالمنطقة وينطلق نحو مستقبل متطور يلحق بركب الدول المتقدمة.
وقال حينها إنه يطمح إلى إنشاء إعلام يعبر عن تلك التطلعات ويخدم الرأي العام المحلي بتوعيته بتراثه وتاريخه وماضيه، وباعتبار ما لدي من خبرة إعلامية متنوعة واهتمامات خاصة بمنطقة الخليج العربي حاضره وماضيه، طلب مني البقاء في رأس الخيمة لتأسيس مكتب للإعلام في الإمارة.
واستطرد التدمري: لم أتردد في الموافقة.
وقالت التدمري: لم تكن البداية سهلة حيث لم تكن أي من الإمكانات متوافرة، وبدايةً تم حجز غرفة لي في فندق الواحة الوحيد في رأس الخيمة، الذي كانت ترعاه شركة البترول، وكان موقعه في النخيل بجوار البنك العربي الحالي، ومن غرفتي بدأت العمل الإعلامي الجديد، حصلت بعدها على سيارة، وعلى مقربة من الفندق كان هناك مكتب لدائرة الصحة المستحدثة والتابعة للبلدية، وهناك أقنعت محمد عيسى العلي مدير الدائرة باستضافتي في جزءٍ من الغرفة الثانية التابعة لدائرته.
ومما جاء في حديث التدمري: من غرفة الفندق والطاولة التي وضعتها في مكتب الصحة انطلقت في العمل وكلي أمل في تحدي الصعوبات وتحقيق النجاح المطلوب، واستراتيجيتي في ذلك إصدار مجلة ذات انتشار واسع ومطبوعات تخدم الرأي العام المحلي وتركز على أصالة المنطقة وعروبتها، والسعي في الوقت ذاته لإنشاء محطة إذاعة ومحطة تلفزيون تفي بالغرض المطلوب محلياً، وكانت الاستجابة والتأييد من المغفور له الشيخ صقر، وهكذا كانت البداية إصدار مجلة أخبار رأس الخيمة، التي ولدت بزي صحافي مقبول في الأول من يناير/كانون الثاني لعام 1969.
وعاد التدمري بذاكرته إلى الصعوبات التي صاحبت الإصدار فقال: إنها كثيرة وخاصة الصعوبات المطبعية، فقد لجأت إلى المطبعة الوطنية بدبي لصاحبها علي البستاني، وكانت البداية تعتمد على صف الكلمات حرفاً حرفاً ولم يكن آنذاك في المطبعة من يتقن العربية، ما اضطرني إلى متابعة تنضيد الكلمات والطباعة بنفسي، ومنذ إصدار العدد الأول وجهت دعوةً إلى المثقفين في المنطقة للكتابة في المجلة، التي مع ولادتها ساهم عدد من الإخوة والأخوات في تحرير بعض أبوابها، أذكر منهم المرحوم سيف غباش وكان مديراً لقسم الهندسة في دائرة البلدية وسيف الجروان وكان مديراً لبلدية رأس الخيمة ومحمد عيسى العلي مدير الصحة والأديبة الشاعرة سهير فودة معلمة اللغة العربية، ومن الشخصيات الوطنية المساهمة في الكتابة رجل الأعمال سعيد بن علي الشامسي، وأحمد بن علي الشرهان، وهناك إخوة وأخوات آخرون كانت لهم استجابتهم ومساهماتهم، ولعل الذاكرة قد خانتني بعد تلك السنين في تذكر أسمائهم.
وأذكر أن قفزة نوعية مرت بها المجلة عند انتقالنا إلى الطباعة المتطورة وبصفحات ملونة في بعض الأحيان في مطبعة دبي لصاحبها خليفة النابودة الذي وجدنا منه كل تعاون وتفهم للعمل الصحافي.
ويكمل: رافقت تلك القفزة النوعية توسع الكادر الإعلامي بإنشاء إذاعة رأس الخيمة وتحول مكتب الإعلام إلى دائرة، فعملت على إشراك ذوي الكفاءة من الموظفين في الكتابة في المجلة.
كان من المتبع في عهد الحماية البريطانية أن تخضع المطبوعات لموافقة المعتمد البريطاني في دبي، إلا أننا كنا من المعارضين لتلك الرقابة، ولم نعترف بها لأن معرفة حاكم رأس الخيمة بما ننشر وتأييده لنا تكفياننا، وأن عملنا وفق ما يمليه علينا الواجب الوطني وأن الضمير الشخصي هو الرقيب الفعلي.
أما بالنسبة إلى توزيع المجلة فكان يمتد إلى مستوى واسع وبالاخص على الزعماء وقادة الدولة العربية ووزارء الإعلام العرب ورؤساء تحرير أهم الصحف والمجلات العربية، وشمل ذلك أرشيف المكتبات الدولية المشهورة، حيث كنا نطبع منها نحو 2500 نسخة.
ويضيف: واجهتني في أواسط عام 1970 بعض التحديات ما أسفر عن توقف إصدار المجلة مؤقتاً فاضطررت لتلافي توقف العمل الإعلامي في الإمارة إلى الاستعاضة عن توقف المجلة بإصدار نشرة إخبارية حملت اسم النشرة الإخبارية لإمارة رأس الخيمة وواصلت إصدارها لمدة سنتين بصورة نصف شهرية وأحيانا أقل من ذلك تبعاً للأحداث.
ومضى الدكتور التدمري مسترجعاً ذكرياته فقال: في عام 1974 عادت الروح إلى مجلة رأس الخيمة لتعود أقوى مما كانت عليه، وإني كرئيس تحرير للمجلة أخذت على عاتقي من جديد الانطلاق بها إلى آفاق اجتماعية واتحادية أوسع مضياً وراء التوجيهات السامية بالارتقاء بالفكر الاتحادي والولاء الوطني والانتماء القومي، واستقطبت المجلة في تلك الفترة عدة شخصيات وعدداً من الشباب الذين لمعت أسماؤهم في ما بعد في مجال الكتابة الأدبية والدراسات المتخصصة ونشطوا وتواصلوا مع المجلة منذ أن كانوا على مقاعد الدراسة، أذكر منهم على سبيل المثال الدكتور علي فارس ومحمد المزكي ونجيب الشامسي وعلي راشد وبعض الاقلام النسائية تحت اسماء مستعارة.
واستمرت المجلة في الصدور إلى عام 1985 حيث جرت تغيرات جذرية في دائرة الاعلام، تركت إثرها دائرة الإعلام وانتقلت إلى الديوان الأميري كمدير مؤسس لمركز الدراسات والوثائق، وتوقفت عندها وبعدها المجلة نهائياً عن الصدور.
وعن ذكر إذاعة رأس الخيمة، قال: بدأناها بخبرات عالية من اذاعة صوت العرب، اذ عمل معنا المهندس محمود بهنساوي وكان مسؤولاً عن الإرسال والاستوديو، وصلاح السويفي وكان مسؤولاً عن قسم الاخبار، وعبد الوهاب قتاية وزوجته تهاني رمضان مسؤولين عن البرامج والتنفيذ الإذاعي، وكان لي برنامج يومي صباحي بعنوان عزيزي المستمع.
وأثناء التحضير لانطلاق البث ومن ثم زيادة وقت الإرسال، قمت بعدة زيارات أولاها إلى إذاعة وتلفزيون أبوظبي حيث قدموا لنا الدعم من خلال تعليمات الشيخ احمد بن حامد آل حامد رئيس دائرة الإعلام في أبوظبي آنذاك الذي رحب بالتعاون وشجعنا بقوة فمنحنا أجهزة فنية كما أعارنا في وقت لاحق مذيعاً ومعداً للأخبار ومجموعة كبيرة من أشرطة البرامج والمنوعات، وزرت دولة الكويت واستقبلني الشيخ صباح الأحمد في مكتبه حيث كان وزيراً للإعلام آنذاك، وأعطى تعليماته بدعم الإذاعة الوليدة بالبرامج والمواد الإذاعية، وتلقيت دعوة من وزارة الإعلام السورية التي قدمت لنا المزيد من البرامج الثقافية والمنوعات والمسلسلات الإذاعية، أتبعتها بزيارة إلى القاهرة وكان التشجيع والدعم كبيراً من الدكتور عبد القادر حاتم نائب رئيس الوزراء وزير الإعلام في جمهورية مصر العربية آنذاك ومن الإخوة الزملاء في الإذاعة المصرية.
وتكرر الدعم المجزي من وزارة الإعلام القطرية ووزارة الإعلام البحرينية اللتين أثرتا مكتبة الإذاعة. تبعت ذلك تلبيتي لدعوة كريمة من الشيخ إبراهيم العنقري وزير الاعلام السعودي، الذي كان عوناً كبيراً في تطوير الإذاعة وتحقيق طموحاتها فقد جرت إعارتنا عدداً من الإذاعيين، مذيع لبرنامج اللغة الانجليزية ومذيعان معدان للبرامج وموظف إداري.
وبهذا الدعم والتعاون الأخوي أضحى العمل الإذاعي في رأس الخيمة في أوج نشاطه.
أما مشروع تلفزيون رأس الخيمة فقد قام بعيداً عن إدارة دائرة الإعلام وبدأ كمحطة إرسال صغيرة تكاد تغطي مدينة رأس الخيمة وتعمل بنظام الإرسال المشفر بقصد تحصيل إيرادات لها، ولكن لم يكتب لها النجاح حيث توقفت في منتصف عام 1985.
وبالعودة إلى مجلة رأس الخيمة نجد في كتاب خواطر الزمن الجميل للدكتور علي عبد الله فارس أنه تناول في أحد أجزاء الكتاب إشارةً إلى المجلة حيث قال: كانت الحياة الثقافية في إمارة رأس الخيمة مزدهرة وخاصة مع اواخر عام 1969 ففي شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 1969 أصدر صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي مرسوماً أميرياً يقضي بإنشاء مكتب للاعلام في الإمارة وتكليف أحمد جلال التدمري بتنفيذ ذلك المرسوم كمدير للمكتب، وذلك لتحقيق جملة من الأهداف جاءت في المرسوم متمثلة في إنشاء أجهزة إعلام للتواصل مع الرأي العام في الإمارة كمجلة شهرية ومحطة إذاعية وقناة تلفزيونية.