محمد عبدالله العلي
كتب المسرحي محمد عبدالله العلي مقالة حول أول عرض لمسرحية "هالشكل يا الزعفران" في عدد سابق، وفيها يؤرخ لذاكرة المسرح الإماراتي قبل 30 عاماً .
ما يلي الجزء الثاني والأخير من مقالة العلي:
ومن واجبنا تجاه زميلنا الفنان الأخ كنعان حمد ومن حقه علينا أيضاً أن نسجل له وللفنان الكبير الأستاذ فؤاد الشطي من التقدير وخالص الشكر والثناء على ما بذلاه من جهد وما أسهما به من عطاء أضافا به الكثير إلى حصيلة أشقائهما من أعضاء مسرح الشارقة الوطني" .
وتحت عنوان "تحية من القلب" في كتيب العرض، يقول أعضاء مسرح الشارقة الوطني: "ونحن نقدم لكم عرضنا المسرحي هذا، وكلنا أمل في أن ينال إعجابكم ورضاكم بعد أن وفرنا له كل أسباب ومقومات النجاح بفضل جهود شبابنا وتفانيهم، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص الشكر وعظيم التقدير والامتنان إلى الأب الكبير والحاكم العالم المثقف، حضرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، على عطائه الذي لا حدود له وتشجيعه الذي لا يوازيه أي تشجيع، وعلى حرصه وإخلاصه ورعايته الكريمة لأبنائه أعضاء مسرح الشارقة الوطني، ذلك العطاء الذي نقف أمامه عاجزين عن التعبير عنه مهما أوتينا من بلاغة وبيان، كما لا ننسى ذلك الدور العظيم الذي يلعبه الأخ الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي رئيس الدائرة الثقافية في الشارقة ورئيس مجلس إدارة مسرح الشارقة الوطني، والذي لولاه لما تحقق لهذا المسرح كل هذه الإنجازات والمكتسبات والمبادرات الرائدة على الساحة الفنية والثقافية في الدولة، وما هذه المسرحية إلا ثمرة نضرة من ثمار غرسه، وزهرة يانعة من روض عطائه" .
غادر وفد مسرح الشارقة الوطني الدولة من مطار دبي الدولي، برئاسة الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، رئيس الدائرة الثقافية في الشارقة آنذاك ورئيس مجلس إدارة مسرح الشارقة الوطني، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1983 وكان الوفد يضم في عضويته نحو ثلاثين شخصاً بين ممثلين وفنيين وإداريين وإعلاميين، يحدوهم الأمل في تقديم صورة مشرفة عن واقع الحركة المسرحية المحلية في الإمارات، والحصول على موقع متميز في ذلك المهرجان المسرحي التأسيسي الأول، الذي يقام في دولة فيها المسرح يقف في صدارة الفنون والإبداعات الأخرى، وبها من القامات المسرحية العدد الكبير، وفي طليعتهم مدير المهرجان الفنان القدير المنصف السويسي، والكاتب المسرحي المعروف عز الدين المدني والمخرج المسرحي المعروف المنجي بن إبراهيم والفنانة القديرة جليلة بكار، والمخرجون المتميزون فاضل الجعايبي، وعز الدين قنون، وتوفيق الجبالي، ومحمد إدريس وغيرهم .
قبل ثلاثين سنة لم تكن رحلات الطائرات سهلة وميسرة كما هو الحال الآن، فلقد وصلنا إلى تونس العاصمة بعد يومين أو أكثر من إقلاعنا من مطار دبي الدولي، حيث مررنا بأكثر من عاصمة أوروبية ومكثنا في أكثر من مدينة، وأقلعنا وهبطنا في أكثر من مطار، كان آخره مطار روما في إيطاليا، الذي أقلعنا منه إلى تونس صباح يوم الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 83 أي قبل افتتاح المهرجان بيومين، وكان في استقبالنا في مطارقرطاج الدولي سفير الدولة لدى تونس وعميد السلك الدبلوماسي فيها - المغفور له بإذنه تعالى - حمد سالم المقامي، وأعضاء السفارة وعدد من المسؤولين في وزارة الثقافة التونسية وإدارة المهرجان .
ورحبوا بنا جميعاً وتمنوا لنا إقامة طيبة في بلدنا الثاني . وعقب الانتهاء من إجراءات الدخول، غادر الوفد المطار في حافلة كبيرة متجهاً إلى فندق البحيرة في قلب العاصمة، حيث مقر إقامة الوفود المشاركة، بينما عرض أحد مندوبي وزارة الثقافة على الشيخ أحمد القاسمي، رئيس الوفد بالتوجه إلى فندق آخر مخصص لكبار الشخصيات ورؤساء الوفود والفنانين النجوم المعروفين، وما كان من الشيخ أحمد إلا أن شكره، ولم يقبل هذا العرض وفضّل أن يقيم مع الوفد في فندق البحيرة، حتى يكون قريباً منهم ومعهم، وكان يتابع كل صغيرة وكبيرة، ويعمل على إزالة كل العقبات التي تعترض مهمة الوفد من ساعة الوصول وحتى لحظة المغادرة، يساعده في ذلك ماجد بوشليبي، الذي كلّفه الشيخ أحمد ليكون مسؤولاً إدارياً عن الوفد طوال وجودنا في تونس، ولأن أبا سلطان، كان حريصاً جداً، ولا يترك شيئاً للصدفة، وكان شديداً للغاية مع أعضاء الوفد، وخاصة الشباب منهم، فقد أطلق علية الفنان فؤاد الشطي لقب "الناظر" إي ناظر المدرسة، وكان يقول له مداعباً "مو باجي إلا اتقعدنا الصبح وتسوي لنا طابور الصباح" وللأمانة فإن طرائف ونوادر هذه الرحلة كثيرة، وعدة، لكن المقام لا يسمح بذكرها، أو حتى ذكر بعضها .
وتقتضي الأمانة، وأنا أتحدث عن الشخصيات التي كان لتواصلها وتعاونها الأثر الكبير في نجاح مهمة الوفد في تونس، أن أذكر بكثير من التقدير والعرفان، شخصية قيادية وطنية بارزة، هو المغفور له بإذن الله تعالى، محمد سلطان عبدالله، سفير الدولة الأسبق لدى دولة الكويت، ونائب الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب، التابع لجامعة الدول العربية، في الفترة التي انتقل فيها مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس . لقد كان - رحمه الله - كثير التردد على مقر إقامة الوفد، والالتقاء بالشيخ أحمد القاسمي، وبقية الأخوة الأعضاء، ينشر بينهم محبته ومودته وصدق مشاعره .
في إطار العروض المسرحية العربية والإفريقية المشاركة في الدورة الأولى لأيام قرطاج المسرحية، كان الجمهور التونسي ونخبة من الفنانين والمثقفين والإعلاميين العرب من ضيوف الأيام، على موعد في قاعة المسرح البلدي مع عرض مسرحية "هالشكل يا زعفران" لفرقة مسرح الشارقة الوطني في ليلة استثنائية من ليالي المهرجان، لقد أبدع شباب الفرقة في تلك الليلة وتفوقوا على أنفسهم أمام نجوم المسرح العربي والجمهور التونسي الذي يعشق المسرح، ويتحدث عن تفاصيل العرض ولا يجامل، ومثلما شاهد العرض جمهور غفير غصت بهم القاعة وصفقوا كثيراً للفنانين الممثلين وبقية عناصر العرض المسرحي من فنيين وإداريين، فقد استقبل رئيس الوفد الشيخ أحمد بن محمد بن سلطان القاسمي، يرافقه المغفور له بإذن الله تعالى، حمد المقامي سفير الدولة في تونس وعدد من أعضاء الوفد، جموع المهنئين من الفنانين العرب الذين أبدوا إعجابهم وأشادوا بالمستوى المتطور لمسرح الإمارات من خلال تلك المشاركة الخارجية الأولى، وذلك العرض المسرحي المتقن، الذي يبشّر بمستقبل مسرحي يعد بالكثير من العطاء والألق .
وتجدر الإشارة هنا، وأنا أتحدث عن نجاح العرض المسرحي، وتألق المبدعين على الخشبة، إلى أن بطل العرض المسرحي وفارسه، الفنان القدير أحمد الجسمي، الذي يقع عليه العبء الأكبر في المسرحية، قد أصيب قبل العرض بيوم بالتهاب حاد ونزيف في الحلق، حيث استنفر الجميع، وعقدت إدارة الوفد اجتماعاً طارئاً لبحث هذا الأمر وإيجاد مخرج لهذا المأزق، ينقذ العرض المسرحي ويشاهده الجمهور، وطرح في الاجتماع الذي حضره الفنان المنصف السويسي، مدير المهرجان اقتراحات وحلول عدة، كان من بينها - كما اقترح الفنان المنصف السويسي - أن يقوم المسؤول عن الإدارة المسرحية في العمل - وهو كاتب هذه السطور - بقراءة دور الفنان أحمد الجسمي أمام الجمهور، كما لو كان يمثل الدور، وتذهب المسرحية إلى نهايتها بهذه الطريقة، موضحاً أن مثل هذا الحل مقبول مسرحياً ولا غبار عليه في مثل هذه الحالات الطارئة التي يستحيل معها إيجاد البديل، وإلا يُلغى العرض ويعتذر للجمهور، - وكلا الاقتراحين كان أحلاهما مُراً - وأمام هذا الوضع المفاجئ الصعب، أصر الفنان الكبير أحمد الجسمي على اعتلاء خشبة المسرح وأداء دوره في تحد مع نفسه، وليثبت جدارته، ويؤكد أنه فنان أصيل ومن معدن نفيس، وأن شرف تمثيل الوطن لا يعادله شرف، وأمام هذا الإصرار، انصاع الجميع لرغبته، متمنين له التوفيق والتألق . لقد تحامل الفنان أحمد الجسمي على نفسه طوال عرض المسرحية والذي استغرق قرابة الساعتين، وأدى دوره بكل كفاءة وجدارة واقتدار، مستعملاً خلال العرض عشرات المناشف والمناديل التي كان يستعين بها بطريقة فنية غير محسوسة للتخلص من كميات الدم النازف جرّاء الالتهاب الحاد، لذا استحق الفنان النجم، بطل العرض وبطل الموقف عاصفة التصفيق التي اجتاحت قاعة العرض، عند تحيته الجمهور، وأكاليل الزهور التي طوقت عنقه، تقديراً لهذا العطاء وعرفاناً بهذا الإخلاص، وهذا العشق لفن المسرح .
وتقديراً لذلك الجهد الإبداعي المتميز، وذلك العرض المسرحي المحكم والمتقن، وتلك الإشادة الجماعية والثناء الكبير على فريق العمل من قبل ضيوف المهرجان والجمهور التونسي، فقد أقام السفير حمد المقامي - رحمه الله - مأدبة غداء فاخرة في منزله على شرف الشيخ أحمد بن محمد القاسمي، رئيس الوفد وجميع أعضاء الفرقة المشاركين في المهرجان .
ثلاثون سنة، مرت على أول مشاركة، وأول تمثيل للدولة لفرقة مسرحية محلية استحقت هذا الشرف العظيم وهذه الريادة المباركة التي تُسجل بأحرف من نور في رصيد مُنجزها الإبداعي، لتعيد إلى الذاكرة مآثر وعراقة هذه الفرقة، وتؤكد دور هذا الصرح الفني الثقافي الشامخ الذي كان وسيظل - بإذن الله تعالى - وبدعم ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حفظه الله ورعاه، منارة إشعاع وإبداع .
* ومن بين أصدقائنا الأعزاء، وأساتذتنا الأفاضل، الذين سُعدنا بوجودهم معنا في تلك التظاهرة المسرحية العربية، الدكتور يوسف عايدابي، وهو رجل مسرح في المقام الأول، وأحد أبرز الباحثين والناشطين في شؤون الفكر والثقافة والإعلام والمعرفة، وكان يعمل في القسم الثقافي في جريدة "الخليج"، حيث كان مدعواً من قبل إدارة المهرجان للمشاركة بورقة علمية في الندوة الفكرية المصاحبة للعروض المسرحية، وكان يقضي معظم وقته مع أعضاء الفرقة، ويرسل أخبار الوفد وتحركاته إلى جريدة "الخليج" أولاً بأول .
كما وجهت إدارة المهرجان دعوة إلى أستاذنا الفنان عبدالرحمن الصالح، الذي يعتبر أحد مؤسسي مسرح الشارقة الوطني، والعضو البارز فيه، وله بصماته وأفضاله التي لا تنسى .
وكان من بين المدعوين - أيضاً - من وزارة الإعلام والثقافة في الدولة المغفور له، بإذن الله تعالى، الفنان فاروق أودهان الذي قضى سنوات من عمره منشطاً مسرحياً في قسم المسرح في الوزارة .