إعداد: محمد هاني عطوي

يزخر تاريخ البشرية بالعديد من الأسرار والألغاز التي لم تُحل بعد، ولا يزال العلماء يبحثون لها عن تفسير أو معنى بلا جدوى حتى الآن، وانتشرت الأساطير حول تلك الأسرار في ربوع العالم، وانشغل البعض بمحاولات فك رموزها، إلا أنهم لم يفلحوا حتى الآن، كما اقتحمتها السينما بخيالاتها لوضع نظريات ورؤى مختلفة لبعض تلك الأساطير من خلال الأفلام، ومنها الإشارة الآتية من الفضاء في العام 1977، ووفاة غامضة لرجل مجهول في أستراليا، لم يُعرف حتى الآن من هو ولا طريقة موته.

التقطها مقراب راديوي في 15 أغسطس 1977
«wow».. 72 ثانية تشغل سكان الأرض

«واو» اسم يطلق على موجة راديو ذات مدى ضيق التقطها مقراب راديوي على الأرض في 15 أغسطس/آب 1977، وكان مصدرها كوكبة القوس وطولها 72 ثانية، واعتُبرت حينها أنها صادرة عن مخلوقات عاقلة من خارج الأرض. وإلى حد الآن لا تُعرف طبيعة أو أصل هذه الإشارة، وإن كانت مشفرة أم لا. ولاحقاً، توجهت التلسكوبات نحو مصدر الإشارة، واستمرت المحاولات حتى وقت قريب لكن الإشارة لم تتكرر.
وسميت هذه الإشارة باسم «واو» (wow) لأن الفلكي جيري إيهمان عندما التقط الرسالة «6EQUJ5»، سجل بجانب البيانات التي طبعها الحاسوب كلمة «واو»، وذلك لشدة دهشته وعرفت فيما بعد بهذا الاسم. أما المطبوعة الأصلية للإشارة فيتم الاحتفاظ بها في أرشيف جمعية أوهايو التاريخية.
بالنسبة إلى المقراب الذي رصد الإشارة، فهو تابع لجامعة أوهايو الأمريكية ويسجل تلقائياً البيانات والصور البيانية ضمن مشروع «سيتي» (SETI) أي «البحث عن حياة ذكية خارج الأرض». والتقطت الإشارة على هيئة بث مكثف من إشارات الراديو لمدة 72 ثانية من ناحية كوكبة القوس التي تبعد 120 سنة ضوئية عن الأرض.
وفي ذروة البث كانت الإشارة أقوى ب 30 مرة من الإشعاع المنبعث من الفضاء السحيق. ويقول العلماء إن إشارة البث بلغت 2.2 جيجا واط، وهي أكبر بكثير من أي إشارة قادمة من محطة بث موجودة على الأرض حسب قول علماء المرصد الفلكي لجامعة أوهايو، وهو الذي سجل الإشارة من خلال مقراب يدعى «الأذن الكبيرة».
ويعتقد بعض الفلكيين أن الإشارة كانت مصطنعة ومنسقة بشكل مقصود كإشارات مورس، ويشكك آخرون، ويفسرونها على أنها يمكن أن تكون انعكاساً لأجهزة البث الإذاعي الأرضي على الأقمار الصناعية، لكن يرد عليهم آخرون بأن هذه الإشارات المنعكسة لا تسافر بقوة وطاقة إشارة «واو»، وهي طاقة هائلة تحتاج إلى أجهزة متطورة جداً لإنتاجها، ما جعل بعض العلماء يروجون أن سكان ذلك الكوكب هم أكثر تطوراً من البشر وأنهم يسبقوننا بأعوام.
وبالطبع شكلت هذه الإشارة حينها دليلاً جيداً، لدى المصدقين بوجود حضارات متناثرة في الكون، بينما اعتبرها المشككون مجرد خطأ في أجهزة القياس. فضلاً عن ذلك أحيت إشارة «واو» الأمل في نفوس علماء الفلك وجعلتهم يكثفون جهودهم للبحث عن مثيلات لها صادرة من نفس المنطقة أو من مناطق أخرى لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فهذه الإشارة جاءت لمرة واحدة فقط على ما يبدو، وهو ما خيب ظن كثير من المتحمسين لها، وأصاب الجهود التي تسعى وراء إثبات الحياة على كواكب أخرى من خلال رصد إشارات الراديو الصادرة عنه بضربة قاسية، بعد أن شهدت فترة ذهبية في بداية الثمانينات من القرن العشرين.
وما زاد من إثارة الجمهور أن وسائل الإعلام جعلت الناس يعتقدون أن أي شخص يمكنه أن يجهز مرصداً لالتقاط إشارات الراديو القادمة من جيراننا القاطنين في الكواكب الأخرى، وذلك من خلال تناولها لإشارة «واو» والجدل الدائر حولها، وهو ما جعل البعض يخرجون بروايات غريبة عن اتصالات أجروها مع سكان كوكب ما في مكان ما من الكون، وهذا كله كان ناتجاً عن حالة الهوس التي غذتها جهود الترويج لإشارة «واو».
وأرجع المشككون سبب هذه الإشارة إلى بعض التشويش من أجهزة البث الأرضية أو من انعكاس موجات رادارية من طبقات الجو أو من أقمار صناعية، وكان عدم تكرار تلك الإشارة أو ظهور إشارات أخرى في المراصد الفلكية المنتشرة حول العالم أقوى حجة لهم لمن يعتقد بصحة تلك الإشارة، كما لم يستبعد بعض المشككين أن تكون إشارة «واو» هي مجرد خطأ في أجهزة القياس التابعة لمرصد جامعة أوهايو ليس إلا، وذهب البعض إلى أبعد من ذلك بالتشكيك في مصداقية علماء المرصد أنفسهم وأنهم تلاعبوا بالنتائج من أجل هدف ما وهو ما أنتج هذه الإشارة.
وكانت الرسالة الواصلة مع إشارة «واو» مشفرة صوتياً وتشبه إلى حد بعيد شفرة مورس، وترجمت رموزها الصوتية لتعطي الأحرف التي اشتهرت بها الإشارة فيما بعد، وبدأ بعض العلماء بالبحث عن حلول لتلك الشفرة فوضع بعضهم فرضية أنها ربما تكون إشارة لسفينة فضائية تدور في مكان ما في الفضاء وأنها تبعث برسالة تعريفية عن هويتها والهدف الذي من أجله ستهبط على كوكبنا. وبعد أن عجز العلماء عن التقاط أي إشارة شبيهة، قرروا أن يقوموا بالعكس وهو محاولة إرسال إشارات إلى نفس المصدر الذي بعث الإشارة، وأن تكون بنفس لغة التشفير وبنفس القوة لعل ذلك يشجع السكان المفترضين في الجانب الآخر على الإفصاح عن أنفسهم والتواصل بصورة أكثر فعالية مع كوكب الأرض. ويعتبر البعض إشارة «واو» مجرد مزحة من رجل قرر أن يتلاعب ببعض العلماء بينما يراها الآخرون أفضل ما نتج عن نشاط رصد الكواكب خلال القرن العشرين حتى الآن، وهي بمثابة المكافأة الكبرى التي حظي بها علماء مرصد جامعة أوهايو. ويرى العلماء الأكثر حماساً لهذه الإشارة أن هناك مخلوقات أكثر تطوراً ولديها أنظمة ذكية يمكننا التواصل معها، بينما ظهرت بعض الحركات المعارضة لكل النشاطات التي تهتم باكتشاف وجود حياة على الكواكب وكانت بعض الحركات تستند على حجج منطقية، أهمها أن الأموال المهدرة على هكذا مشاريع يمكن أن تستعمل في تطوير حياة الشعوب الفقيرة وتوفير التعليم والمأوى والرعاية الصحية لها، بينما كانت أخرى شبه خيالية إذ زعمت أن هذا التتبع يجلب للأرض غزاة جدداً، الأمر الذي يمكن أن يهدد الوجود الإنساني على الأرض، وما زالت النسخة الأصلية للورقة التي سجلت عليها إشارة «واو» في متحف جامعة أوهايو الفلكي ويظهر عليها تعليق الدكتور إيهمان «WOW» وكذلك بعض الإشارات لحل الشفرة المتضمنة فيها.

وجدته الشرطة الأسترالية ميتآ على شواطئها 

تمام شود.. رجل سومرتون المجهول

تعود قصة رجل سومرتون الغامضة إلى عام 1948 حين وجدت جثة رجل مجهول الهوية على ساحل سومرتون في جنوب أستراليا، وسميت بقضية «تمام شود» نسبة إلى آخر مقطع من إحدى صفحات رباعيات الشاعر عمر الخيام المكتوبة بالفارسية، والتي وجدت داخل أحد جيوبه الخفية.

و«تمام شود» تعني بالعربية: «لقد انتهى»، فيما انتشرت الكلمة في الصحافة الأسترالية «تمان شود» وهو ما اعتبر خطأ مطبعياً ليس أكثر. وتبين أن الرجل قُتل بالسم لكن لم يثبت ما إذا كان احتسى السم بنفسه أو أحد آخر سممه، وما زاد من غموض القضية أن السم لم يظهر في جسده عند التحليل.
ووُجدت جثة رجل سومرتون الغامض في تمام الساعة السادسة و30 دقيقة من صباح الأول من ديسمبر/كانون الأول 1948، وكانت ملقاة على الشاطئ بجانب السور البحري، ولم يكن هناك ما يدل على أن هناك أي كدمات أو جروح في جسده ربما تكون نتجت عن عراك أو اعتداء من أحدهم، ونتيجة سماع بعض الشهود الذين رأوا الرجل يتمدد لأكثر من ساعة دون حراك على الشاطئ، رأت الشرطة أنه ربما انتحر نتيجة ضغوط الحياة أو نتيجة مروره بقصة حب فاشلة، لكن بعد تشريح الجثة تعززت شكوك الأطباء أن الشخص لم يمت بفعل مرض ما أو خلل طبيعي، كالسكتة القلبية مثلاً أو غيرها، فالاحتقان الذي ظهر في كل من الكلى والكبد، أظهر أن هناك نوعاً ما من السموم تناوله الرجل مع آخر وجبة له على ما يبدو، التي كانت قبل 4 ساعات، لكن لم يتم التعرف على أي مادة غريبة في دمه أو معدته التي كانت لا تزال مملوءة بطعام آخر وجبة، ولم يكن يحمل شيئاً يدل على هويته، لكن أغرب ما وجد معه هو قصاصة من ورق أخفيت في جيب سري في بنطاله وكتب عليها «تمام شود» أي: «لقد انتهى».
لم يكن السم المستخدم في قتل رجل سومرتون وحده المجهول، إذ لم تستطع جهات التحقيق الوصول إلى شخصيته أيضاً حتى بعد توسيع دائرة البحث لتشمل كل أستراليا، وهو ما دعا إلى الاستعانة بجهات تحقيق دولية للبحث عن شخصيته في كل العالم، لكن هذه الخطوة أيضاً لم تفلح في الوصول إلى أي نتيجة، وهو ما أكد لجهات التحقيق أن الشخص ليس رجلاً عادياً، خصوصاً أن تلك الفترة كانت تعج بالجواسيس المنتشرين على طول الأرض وعرضها، مع اشتعال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا وبعض الدول الأوروبية، وهو ما دفع الجهات المسؤولة عن القضية إلى المطالبة بتحنيط الجثة في محاولة لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الناس للتعرف إليها.
وعرضت الصحف الأسترالية وبعض الصحف العالمية صورة الرجل ودعت أي شخص يتعرف إليه إلى التواصل مع جهات التحقيق لمساعدتهم في كشف هويته وتسليم جثته لذويه وحتى العام 1949 سجل المحققون 8 شخصيات محتملة من مناطق مختلفة، إذ ادعى عدد من الأشخاص معرفته، وقدموا شهادات تؤكد معرفتهم بصاحب الجثة التي عرضت عليهم وتفحصوها عن قرب وكان أبرز الأشخاص الذين أعطى الشهود أسماءهم لجهات التحقيق، حطابٌ يدعى روبرت والش، وهو في الثالثة والستين من العمر، كان اختفى قبل عدة أشهر لكن عمر صاحب الجثة تم تحديده من قبل وهو بين 40-45 سنة، كما لم يكن يظهر عليه أنه حطاب، فيداه لم تكن خشنة ولم تظهر عليه علامات العمل الشاق الذي يقوم به الحطاب عادة، لذا شُطب هذا الاحتمال من حسابات المحققين تماماً.
وادعى شخصان أن الجثة تعود لصديق لهما كان يعمل على باخرة كانت ترسو على سواحل أستراليا في تلك الفترة، بينما ادعى آخر أنه رجل سويدي، فيما ذهب البعض إلى أنه من سكان ملبورن وأنه انتقل إلى الجنوب لقضاء بعض الأعمال، ولم يكن لكل تلك الشهادات قيمة، بعد أن أسقطت الفحوص المتعددة كل الفرضيات التي بنيت عليها تلك الادعاءات.
ولاحقاً، ظهرت فتاة تدعي أن الجثة تعود لجاسوس روسي وتعزز هذا الاعتقاد مع بعض الشهادات التي تؤكد نشاط بعض الجواسيس في المنطقة، ومنهم والدة الشاهدة التي أكدت أنها كانت على علاقة بمقتل ذلك الجاسوس عن طريق السم، وهي النظرية الأقرب إلى التصديق إذا اعتمدنا أن أغلب أجهزة المخابرات في تلك الفترة كانت لا تفصح عن أسماء عملائها في الدول الأخرى خوفاً من حدوث أزمات دبلوماسية. وبعد أن فقدت جهات التحقيق الأمل في التعرف إلى شخصيته دُفن رجل سومرتون الغامض في نهاية 1949، لكن سره لا يزال حاضراً إلى الآن.
الحقيقة أن قضية «تمام شود» لم تكن الوحيدة في تلك الفترة على السواحل الأسترالية، فسُجلت حالتان أخريان مماثلتان، تعود إحداهما لشخص يدعى كيث ماغنسون وولده الذي يبلغ من العمر سنتين، وذلك في العام 1949 إذ وُجدت جثة الطفل إلى جانب والده الذي كان يصارع للبقاء وتوفي بعد 4 أيام في المستشفى، وأكد الأطباء أن سبب الوفاة وإن كان مجهولاً لديهم إلا أنه من غير الممكن أن تكون الوفاة طبيعية، وما أكد هذه الفرضية شهادة الزوجة التي أكدت أنه تلقى تهديدات، وكان هناك رجل ملثم يراقبه في فترة سابقة، وادعت أن زوجها كان على علاقة برجل سومرتون المجهول، وأن هذه العلاقة هي سبب وفاة زوجها، إذ قالت إن رجل سومرتون هو رجل يدعى كارل ثومبسون، وعمل مع زوجها حتى العام 1939، وإن زوجها تلقى تهديدات بالقتل إذا تكلم في قضية رجل سومرتون، لكن ثبت للشرطة أن كل هذا مجرد تهيؤات خصوصاً أن المرأة أصيبت بانهيار عصبي بعد وفاة زوجها.
وتعود القصة الأخرى إلى شخص يدعى سول مارشال، وكان شاباً من سنغافورة وُجد ميتاً على شاطئ سيدني، وعلى صدره نسخة مفتوحة من رباعيات الخيام في العام 1945، وبعد التحريات ودراسة الحالة النفسية للشاب تم التأكيد أنها كانت حادثة انتحار بالسم، وأن الشاب عانى صدمة سابقة أدت به لذلك.
الشهادات والشكوك توالت بخصوص رجل سومرتون، حتى يومنا هذا كان أبرزها شهادة لامرأة أسترالية تدعي أن أمها التي عملت ممرضة كانت على علاقة بهذا الرجل، وما أثار شكوكها هو التصرفات الغريبة لأمها ما جعلها تعتقد أنها جاسوسة لدولة ما، وأن الرجل الذي مات بالقرب من منزلها، كان على علاقة بها، وأجري تحقيق مع الأم بالفعل بعد 7 شهور من الحادثة لكن لم يتم إثبات علاقتها بالرجل، لذا طلبت تلك المرأة تحليل الحمض النووي لإثبات نسبها لرجل سمرتون، ولكن طلبها رُفض لأنها لم توفر الأدلة الكافية.
هناك أيضاً ادعاء آخر ويبدو أكثر إقناعاً، لفتاة قدمت صورة لرجل يشبه رجل سومرتون إلى حد كبير، وقالت إنها وجدتها في أغراض والدها المتوفي وهي تعود لرجل بريطاني يدعى إتش آر.رينولدز، وتبين الوثائق التي بحوزتها أنه رجل بريطاني قدم إلى أستراليا من الولايات المتحدة، ولكن لم يُعثر على أي رجل مشابه في السجلات البريطانية أو الأمريكية، وتعددت الشهادات والادعاءات بمعرفة شخصية رجل سومرتون، ما دفع المسؤول الأول عن التحقيق بالسعي لاستصدار أمر باستخراج الجثة وعمل فحص الحمض النووي للوصول إلى الحقيقة المؤكدة.
شغل رجل سومرتون رجال التحقيق الأستراليين سنوات عدة وكانت قضيته أحد أهم أسباب إنشاء جهاز المخابرات الأسترالي بعد أن أصبحت الأراضي الأسترالية ساحة مفتوحة لعمل أجهزة المخابرات العالمية في فترة الحرب الباردة، ويعتقد كثير من الخبراء أن أحدهم أخفى هوية الرجل لسبب ما، وفي الأغلب يمكن أن يكون هذا الرجل جاسوساً وكان يعمل على نقل معلومات خطرة أو أسلحة خطرة.