تحقيق: هند مكاوي
يتزامن حلول شهر رمضان هذا العام مع امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأخير، ما أثار القلق والخوف لدى أولياء الأمور والطلبة من مأزق كيفية اجتياز تلك الفترة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وساعات الصيام الطويلة، وطقوس الشهر المبارك المرتبطة بالإفطار، والسحور، وتنظيم الأوقات ما بين العبادة والمذاكرة. البعض يعتبر شهر رمضان فرصة حقيقية لتعليم الأطفال دروساً عملية في الصبر، وقوة التحمل، والجلد، للجمع بين الصوم والمذاكرة، وهذا يحتاج إلى وعي من أولياء الأمور في التعامل مع هذا الموقف الذي يقدم عدد من المختصين نصائح حوله.
«يجب علينا كمربيين ألا ندع هذا الشهر الكريم يمر من دون أن نغرس العديد من القيم السلوكية الدينية في نفوس أطفالنا»، هذا ما تؤكده شهيرة محمد سامي، مديرة مركز «أنا وطفلي» للتدريب وتنمية المهارات، وتقول: «لا بد من تعليمهم أن الصيام، ليس الامتناع عن الطعام والشراب فقط، إنما هو عبادة تعلمنا الصبر، تحمل المسؤولية، الصدق، الأمانة، صلاة الفجر في الموعد، حب المساكين، ضبط النفس، التعلق بالمساجد، وصلة الرحم». وتضيف: «هناك العديد من القيم السلوكية والعبادات التي يمكننا غرزها في أطفالنا، ونتحدث عنها كل يوم كقصة مشوقة بعنوان "ماذا تعلمت من صيامك اليوم؟"، فهذا الحوار، والأجواء الإيمانية الجماعية التي نعيشها مع الطفل خلال هذا الشهر تحسن الصحة النفسية لديه».
حول قدوم شهر رمضان مواكباً ذروة امتحانات نهاية العام، تعلق سامي، قائلة: «لابد من تهيئة الأطفال لاستقبال رمضان والصيام في هذه الظروف، بعمل خطة نتبعها قبل وخلال الشهر حتى لا تتأثر نفسيتهم وصحتهم، ومن الضروري إخبارهم بأن الله تعالى سيضاعف أجرهم في الصيام خلال الامتحانات، لأنه في تلك الظروف يتطلب مزيداً من مجاهدة النفس، والصبر، والالتزام وتحمل المسؤولية بشكل أكبر من الأيام العادية، لذلك يجب أن نضع هدفاً لنا كمربين بأن نخرجهم من هذا الشهر الكريم بثروات سلوكية حميدة وقيم إيمانية عدة».
وتقدم سامي عدة نصائح لأولياء الأمور لتهيئة الأطفال، نفسياً وصحياً، بدخول شهر رمضان والصيام الصحي، فتقول: «أولاً، يجب تهيئة الطفل بالقصة والحوار والتحدث معه على قدر سنه عن الشهر الكريم، وفضائله، وعباداته والسلوكات المستحبة فيه، وما يجب اتباعه، وما نتعلمه منه كالصبر والمسؤولية، ثانياً، تزيين المنزل بالفانوس والهلال والنجوم والشرائط الملونة، لأنه يضيف البهجة والسعادة في نفوس الأطفال والكبار ويجعلهم مهيئين لقدوم رمضان، ومن الممتع أن ينفذ المربي مع أطفاله تلك الزينة وتكون غير مكلفة، وسهلة وبسيطة، فهي تضفي جواً من الترابط والتفاهم الأسري، وثالثاً، لابد من شرح الصيام للطفل ومراعاة السن الذي يجب أن يصوم فيه من الفجر إلى المغرب، ومن الضروري عدم معاقبته وتأنيبه وتوبيخه عندما يتناول الأكل أثناء الصيام إذا جاع، خصوصاً مع الطفل الصغير دون سن التكليف».
«يجب أن يستفيد أولياء الأمور من هذا الشهر الكريم بأقصى قدر ممكن، خاصة في تكوين شخصية الأطفال منذ الصغر»، هذا ما تشير له سماح جودة، مدربة مختصة برياض الأطفال بمركز بيت الجودة للاستشارات والتدريب، وتقول: «يعتبر رمضان مجالاً خصباً للطفل، يتعرف من خلاله إلى بعض المفاهيم الدينية المتعلقة بالصيام ومعناه، والصلاة، وقراءة القرآن، والزكاة والصدقات، وهو مناسب لاكتساب الطفل ألفة بالجو الديني، وحب الخير ومساعدة الغير، وبناء اتجاهات إيجابية لديه تجاه العطف على الفقراء، والمساكين، وتنمية الإيثار، والتكيف الاجتماعي مع الآخرين».
وحول دور الأسرة في عملية الصوم، تعلق قائلة: «تعويد الطفل على الصيام يبدأ بأن نحببه فيه، ونعاونه عليه، وعلينا أن نعيش فكره فننزل إليه لنأخذه إلى طاعة ربنا كأن نكلفه تدريجياً بالصيام على قدر تحمله في البداية، لأن قوى البنية يختلف عن الضعيف، أو المريض ونزيد بالتتابع حتى نصل في النهاية إلى صوم اليوم كله».
وتقدم جودة نصائح إلى أولياء الأمور تساعدهم في جعل الأبناء يتحملون الصيام مع المذاكرة والامتحانات، فتقول: «يحتاج الأمر إلى الهدوء والرفق واللين، ورفع الهمة فهي الباعث على الفعل، فقد يتفوق شخص بهمته العالية، والكلام الطيب له تأثير في الطفل، فكلمة واحدة يمكنها أن تعزز شخصيته وتجعله واثقاَ من نفسه، والعكس صحيح، ويجب علينا عرض ثواب الشهر والمكاسب التي تعود على المسلم، وأن يساهم في إقامة إفطار جماعي للأطفال، سواء مع أصدقائه، أو الأيتام، ويشارك في توزيع التمر أو شنطة رمضان على المحتاجين، ومن الممكن تشجيعه على الصيام بإعطائه هدية كل يوم، أو بتعزيز روح المنافسة بينه وبين أقرانه». وتؤكد أن تحدي وتحمل الصيام مع المذاكرة والامتحانات يتم بالتدريب وزرع الثقة في نفس طفلك ليكون قادراً على إنجازه والانتقال إلى تحد آخر.
«تزامن شهر رمضان مع امتحانات نهاية العام تجربة جديدة يجب استغلالها بشكل إيجابي، وتعلم الأطفال دروساً في الصبر والجلد»، هذا ما تنوه إليه، دعاء عبدالله معلمة اجتماعيات بمدرسة الأمل للصم التابعة لمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية، وتقول: «من وجهة نظري كأم ولدي طفلان في الصف الأول والرابع، سيعتبر قدوم الشهر المبارك فرصة لإعطائهما دروساً عملية في الصبر والتحمل، وعندما شرحت الموقف لأبني ذي العشرة أعوام وجدت منه ترحيباً بالفكرة، وأنه سوف يثبت لي أنه قادر على المذاكرة والصوم معاً، والذهاب لتأدية الامتحان، وسوف أساعده لتعزيز هذه القيم النبيلة بداخله التي ستؤثر في شخصيته بشكل إيجابي في مختلف مجالات الحياة، أما بالنسبة لابنتي الصغيرة ذات الستة أعوام، فسوف أساعدها على تعود الصيام بشكل مبسط يتناسب مع عمرها، وذلك عن طريق عدم إرسال السندويتشات والماء معها للمدرسة كالمعتاد، ولكن بمجرد وصولها للمنزل سوف تتناول وجباتها بشكل طبيعي، وهذا يعتبر درساً مصغراً للصوم، كما سأقدم النصائح للطلبة أصحاب الهمم في المدرسة عن طريق غرس قيم الشهر وعادته، وتقديم النصائح لأولياء أمورهم ومساعدتهم في هذه المهمة، ما عدا الذين يعانون مشكلات صحية».
«أحرص بالفعل على صيام الأولاد رغم صغر سنهم، لكن في حال عدم قدرتهم على التحمل، سأجعلهم يتناولون الأطعمة الخفيفة والمشروبات»، هذا ما يشير إليه، محمد فرحان، موظف، ويقول: «من المؤكد ستبقى الوجبة الرئيسية لجميع أفراد الأسرة مع صلاة المغرب وبعد إطلاق مدفع الإفطار، وقبلها سأعمل على غرس قيم الصبر والتعود التدريجي على الصيام، خصوصاً مع درجات الحرارة المرتفعة، وسأساعدهم في المذاكرة للامتحانات، وكذلك سأجعلهم يحرصون على السحور لتحمل مشاق اليوم التالي، وفي كل الأحوال الواجبات الشرعية منوطة بالقدرة والاستطاعة للكبار، وعبادة الشهر تدفع إلى إظهار الإيجابيات، وهذا ما سأقوله لأبنائي وسوف، أختبر قدرتهم، عن طريق إخبارهم بأنه سوف نبدأ اليوم ونذهب للامتحان صائمين».