محمد وردي

رواية «الأسيف»، للكاتبة الإماراتية الشابة، سلمى الحفيتي، هي دراما إنسانية شفافة، مركبة بجماليات أخاذة، تتقاطع فيها الأقدار المستحيلة، مع نزعات الإنسان وطموحاته المترعة بالآمال والأحلام العذاب، بحيث تتعالق اللهفة إلى الحياة، والتوق الأبدي إلى المسرات، بكل اندفاعات العقل والقلب والروح، باشتباك مدهش، مع العدم والفناء، أو الموت والغياب، بأقسى تجلياته العبثية أو الجنونية. وكل هذا يجري في سياقات فانتازية، يتماهى فيها، الواقعي بالخيالي، المنطق باللامنطق، الحقيقة بالوهم، الحب بالكراهية، الرحمة بالقسوة، العنف بالتسامح.. بتمازج غرائبي لافت، يكاد يكون أسطورياً، مع أن الحكاية ربما تكون واقعية، وقد تنتمي إلى زمن قريب.

ليس الأمر بغريب على تأويل النص، ذلك لأن الحكاية تنتمي إلى التراجيديا العراقية المتطاولة في التاريخ. ما يعني أن النص، ينتمي إلى «متحف الأديان والملل والنحل» في العراق، أيام زمنه الزاهي، وعلى الأرجح هي تنتمي إلى عراق الستينيات أو السبعينيات الماضية؛ لأن كلية الطب في الموصل، التي تخرج منها عمر بطل الرواية تأسست عام 1959.
يحكي النص قصة الأقلية اليزيدية في جبل سنجار، وموضوعه التعايش بين الأديان والإثنيات العرقية والدينية المختلفة، حيث يسلط الراوي- الراوية الأضواء الكاشفة على الكراهية في بعض تجلياتها الهمجية، بموازاة التسامح الثقافي بأبهى صوره وأرقى تجلياته الحضارية، الذي لم تكن الأحقاد قد لوثته آنذاك، بقدر ما شوهه الجهل والتخلف، بأبشع وأقبح وجوهه سوداوية وظلامية، وما التعصب، الذي تمظهر في النص بلبوس ديني، لدى فئة قليلة.. ما هو إلا ارتدادات منطقية لتحريم العلم، ومنع الكتابة والقراءة في مجتمع صغير، منفي بحضن جبل سنجار، أي قريتي بعشيقة وبحزان، وإلا كيف نفسر بقاء وتعايش أقلية محدودة العدد مع جوارها المتعدد الانتماءات العقائدية منذ ألفي أو ثلاثة آلاف عام؟. (ويا للأسف بات اليوم مهدداً بالزوال، بفضيلة الضباع والغيلان المعاصرة، المتدثرة بمسوح إسلامية!).
يقوم السرد في نص «الأسيف» على أسلوب التداعي إلى الماضي، حيث تبدأ الحكاية من لحظة وصول البطل عمر مع أمه إلى بيت العمة نورية في بعشيقة، حيث تنفتح الحكاية على خيوط عدة، يتداخل فيها، عرض القصة المفترضة لحياة عمر، بدءاً من نشأته الأولى، مروراً بتبنيه من قبل زوجين مسيحيين، وصولاً إلى دراسته وتخرجه طبيباً، بانتظار تعيينه، وهي المهلة التي سمحت له بالاستجابة لطلب أمه في زيارة بعشيقة. يتخلل ذلك عرض مستفيض حول مسألة التمايز بين الأديان، وجدل المعتقدات، ومقتضيات الأعراف والتقاليد لدى المجتمع اليزيدي، وعاداتهم الحميمية المدهشة، وبخاصة بالنسبة لمسألة الزواج، ومقتضيات الأعراف الحاكمة بالوعي، حيث يعتبر حمل الشاب للفتاة، والذهاب بها إلى بيته، تحت أي ظرف، هو حالة اختطاف للفتاة، ولكنه ليس إكراها عنيفاً، أو قسراً ظالماً، وإنما هو اختطاف بهجة ومسرة، ترجمتها الدقيقة، هي وسيلة الشاب للتعبير عن رغبته بالزواج من الفتاة، وما على الأهل إلا أن يحضروا إلى بيته، ويباركوا الخطوة بعد الاتفاق مع أهل العريس على تفاصيل المهر والعرس؛ حتى لو كان غرض حملها، بهدف إنقاذ حياتها، كما حصل مع عمر، عندما ركض بالفتاة «ونسة»، التي حسبها غريقة، من النهر إلى بيت عمته، وهو ينوي الاستعانة بمحتويات حقيبته الطبية لإنقاذها.
الرواية فيها الكثير من التفاصيل الماتعة، التي لا تترك فرصة لالتقاط الأنفاس. ويجري تقديم ذلك، ضمن توليفة فنية شائقة، يقوم بها السرد المرسل، بالتوازي مع استعادة أحداث الماضي.
وتمكن السرد من تقديم مشهد التسامح الثقافي بصدق وشفافية، ومقدار كبير من الحياد والأمانة، إذا صح التعبير، بخاصة عندما أقنعنا بإقدام أسرة مسيحية، حُرمت من نعمة الإنجاب، على تبني طفل مسلم، ليس هذا فحسب، بل تركت له حرية اختيار العقيدة، ولم تجبره أو تتحايل عليه بالترغيب أو الترهيب؛ لتعميده مسيحياً، وبدا الأمر وكأنه مسألة عادية جداً، ذلك لأن الأسرة المسيحية، التي تعرفت عليه عند عمته نورية، وتبنته بموافقتها، خلال زيارة؛ لدير مار متى، كانت تعتقد أن أهله من المسلمين، وأكثر من هذا، كشف السرد أن الناس من كل الديانات، كانت تُقبل على زيارة أضرحة القديسين والأولياء من دون تمييز، حيث يقصدهم الجميع، للبركة، والاستعانة بقدراتهم الشفائية، وقضاء حاجاتهم الإنسانية.
وعلى هذا الأساس الرحب من التسامح، الذي لقيه عمر عند أبويه الجديدين، آثر البقاء على ما يظنه الإسلام بالفطرة والميلاد، ولم تتغير لهفتهما وحدبهما المفرط عليه، فَتَنَعَمَ بدلالهما، كما يليق بوحيد الأبوين.

ولكن الأقدار الظالمة، طوحت به بعيداً، وألقته من علٍ في لجة عميقة من النزاع الداخلي، ومن الصراع مع كل من حوله، بخصوص كينونته وهُويته الثقافية، وشخصيته الدينية، وإيمانه العَقَدي، من جهة، وطموحاته وتطلعاته الإنسانية، وأحلامه بأسرة وحياة سوية وطبيعية، أسوة بكل أبناء جيله من الشباب، من جهة أخرى. إذ إنه في الوقت الذي راح يزداد إيماناً، خلال دراسته الجامعية؛ باعتباره يتيماً، ابن أسرة مسلمة من بعشيقة، كما فهم من أبويه المسيحيين، يكتشف أنه يزيدي.

وعندما اختطفت الأقدار والده وراحت تحوم حول أمه، التي سعت قدر استطاعتها، - حسب مستوى تفكيرها-، كي تلحقه بأسرة جديدة، تشكل له عزوة، يستند إليها في الملمات، وإذا بها تقوده إلى «فخ بعشيقة»، أو مكيدة «ونسة»، فوجد نفسه يقصد النهر، حيث «سمع صوت حجر يضرب، في سيمفونية فريدة، استرق النظر، فكانت الفتيات آية في الجمال، ببياضهن، وعيونهن الخضر، كأنهن حورٌ منزلات على هذا الجبل، كنَّ يضربن الملابس المغسولة على الصخر الكبير الحار؛ ليتناثر رذاذها وتجف، ابتسم قلبه لهذه السيمفونية، التي لا يتذكر أنه سمعها في طفولته، وتوارى عنهن» قليلاً، وعندما أخذته النشوة وسحر الجمال، خلع ثيابه وغطس بالماء، وراح يمتحن سعة رئتيه، وهو على هذه الحال من المتعة، سمع صرخة أقرب إلى الاستغاثة، فالتفت؛ ليرى فتاة متعلقة بصخرة، وأكثر من نصفها بالماء، فهب لنجدتها، وحاول القيام بإسعافات أولية للتنفس، ولكنها لم تستجب، فحملها راكضاً إلى بيت عمته؛ للاستعانة بحقيبته الطبية، وهناك استفاقت من دون الحاجة لحقيبته، فأذعن للزواج منها، بمقتضى عادات أهل الجبل؛ بدل أن يقتلوهما معاً، فاكتشف ليلة الدخلة أن ونسة وهبت عذريتها - بطيشة صبيانية مراهقة - لفتى من البلدة، بسن لا يؤهله للزواج، حسب أعرافهم، ما جعلها تنصب له هذه المكيدة؛ للنجاة برأسها.

وهكذا دخل لعبة العنف والدم مرغماً، حيث ضاعت ونسة وقتلت معها شقيقتها، وقتل ابن عمه المفترض سليمان، وفقد بصره بعد أن خسر أمه. فإذا بكل شيء يتهاوى دفعة واحدة، فتحطمت روحه وتبعثرت شظاياها على امتداد الحلم والأمل الذي، غزله على مدى سنوات عمر شبابه.

تتميز لغة النص بالتكثيف، الذي لا يخلو من وضوح الفكرة، والانسيابية في تقديمها بجزالة رائقة. ما جعل المعنى متكاملاً في الحكاية، من دون إبهام أو ارتباك، ما عدا بعض الهفوات القليلة جداً، التي بدت أنها لم تستخدم أدوات الربط بمحلها، مثل قولها (ص189): «تخاصمها لوسيا التي تراها غبية في حب رجل كاد يقتلها عنفاً، ثم هجرها، فتؤكد بقلب مملوء باليقين أنه كان شهماً أن كتم خبرها عن والدها، ولم يُعِدها، ويطالب بالذهب الكثير الذي دفعه مهراً لها. تراه رجلاً حفظها من أعين الشماتة والتشفي من الغرباء، حين اكتشف خدعتها، وجرح فخذه؛ لينقذ عنقها من القطع». فمثلاً بدل أن تقول «أن كتم»، كان الأدق أن تقول «عندما أو حينما كتم»، وكذلك بدل أن تقول: حفظها من أعين الشماتة والتشفي من الغرباء، كان الأصح أن تقول: «حفظها من عيون الشامتين وتشفي الغرباء».

كما أن لغة السرد بدت متناغمة إلى حدود التماهي مع التناصات أو الاقتباسات، على قلتها، التي جاءت في معظمها من المفردات القرآنية وسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بحيث بدت، وكأنها من نسيج الحكاية الأصيل، وليست دخيلة.

أيضاً يؤخذ على الكاتبة، ترك المفردات العامية، وهي بمجملها عراقية وطويلة أحياناً، من دون تقويس، أو بمعنى أدق، أنها لم تضعها بين مزدوجين. ومع ذلك تتميز لغة النص بسلامة قواعدية لافتة، بالنسبة إلى المشهد الروائي الشبابي في الإمارات.

المؤكد أن كاتبة الأسيف مؤهلة؛ لإنتاج نصوص في هذا اللون الروائي البديع بالمستقبل، بعد أن تكون تجربتها السردية قد اختمرت، ونضجت ملكاتها الفكرية، بحيث تتمكن من تطعيم النص، بتساؤلات فلسفية ونفحات معرفية؛ حتى تمثل روايتها بحق، فتوحات وجودية جديدة في مسيرة الإنسان، حسب تعبير ميلان كونديرا، في كتاب «فن الرواية».