الطيور أشكال وألوان وأحجام، تسبح في ملكوت الله الواسع، وتؤدي وظائف عديدة لتؤكد عظمة الخالق وقدرته في كونه وكل مخلوقاته، والطيور أمة يزيد عدد أفرادها حسب تقديرات العلماء على عشرة مليارات طائر، تنقسم إلى نحو 8600 نوع رصدها الباحثون في كل دول العالم، إضافة إلى ملايين الطيور البحرية المعروفة، وغير المعروفة والتي تزخر بها محيطات الأرض وبحارها التي تغطي مياهها أكثر من 71% من مساحة الكرة الأرضية.

ومعظم الطيور تطير، والقليل منها لا يتمكن من الطير، وقد وهبها الله عز وجل عدداً من الصفات والخصائص الشكلية والتشريحية من أجل تمكينها من الطيران، أشار إليها العالم الدكتور زغلول النجار في النقاط التالية:

الشكل الخارجي الانسيابي للجسم بصفة عامة حتى يسهل اختراقه لطبقة الهواء. الجناحان المدعومان بعظام الطرفين الأماميين والمشدودان إلى الجسم بمفاصل تسهل حركتهما، وبعدد من الأربطة والأوتار القوية، والمغطيان بالريش بكثافة ملحوظة، ما يزيد من مساحة جسم الطائر من دون زيادة ملحوظة في وزنه.

الريش الذي يغطي الجسم بالكامل ويمتد إلى الذنب، والذي يعمل على تجميع الهواء بين وحداته المختلفة، ما يساعد على تخفيف وزن الطائر وعلى حفظ درجة حرارة جسمه المرتفعة من مختلف التقلبات الجوية، ويعين الكثير من الطيور على العيش في المناطق المتجمدة والباردة، وعلى تحمل الانخفاض في درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض مع الارتفاع فوق مستوى سطح البحر إلى مسافات شاهقة في بعض الأحيان، وإضافة إلى الرئتين، زود الخالق سبحانه وتعالى أجسام الطيور بشبكة من حويصلات الهواء إلى عشرة أضعاف حجم الرئتين.

إعطاء الطيور القدرة على تناول كميات كبيرة من الأطعمة ذات الطاقة الحرارية العالية تفوق أوزان أجسامها، وتزويد الجهاز الهضمي للطائر بكل من الحوصلة كمخزن للغذاء، والونصة التي تعمل على طحن الغذاء قبل وصوله إلى المعدة ما يساعد على إتمام وإسراع عمليات الاحتراق الداخلي للطعام، وإنتاج الطاقة التي تحتاجها الطيور في أثناء عمليات الطيران بسرعات كبيرة ولمدد طويلة.

تزويد الطيور برئات خاصة لها ممرات خاصة لكل من الهواء الداخل والخارج منها، وبقدرات فائقة على استخلاص الأوكسجين من الهواء مهما قلت نسبته، حتى تقاوم نقص هذا الغاز المهم في الارتفاعات الشاهقة.

أعطى الله عز وجل الطيور قدرات رصد فائقة ومراكز لتنظيم الحركة على درجة عالية من التقدم، من أجل الرؤية وتجميع المعلومات من الارتفاعات الشاهقة التي تصل إليها لرصد الطعام، والمناورة لتحاشي الأعداء.

القدرة الفائقة التي وهبها الخالق سبحانه وتعالى للطيور في التعرف إلى المواقع والاتجاهات والطرق التي تسلكها في هجراتها، وعودتها إلى مواطنها الأصلية مهما تعاظمت المسافات التي تقطعها.

أشكال وألوان متنوعة

ما سبق قليل من كثير مما اختص الله به الطيور وأبدع في خلقها وصناعتها وتنوعها، وهي تنطق بعظمة الخالق وقدرته الفائقة على الخلق.

يقول الدكتور النجار: هذه الخصائص والسمات والمميزات التي خص الله بها الطيور، فمكنها من الطيران بسرعات تقارب مئة كيلومتر في الساعة، وإلى ارتفاعات تصل إلى قرابة تسعة كيلومترات فوق مستوى سطح البحر، والتي لم يتمكن الإنسان من تقليدها إلا في القرن العشرين، بعد مجاهدة استغرقت جهود الآلاف من العلماء الذين اخترعوا الطائرات، وهذا الإبداع الإلهي في عالم الطيور هو الذي جعل الخالق عز وجل يوبخ المنكرين لقدرته والمشككين في وجوده وإبداعه في كونه وخلقه، وقال لهم أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير، وهو سؤال تقريعي تبكيتي تقريري موجه إلى كل كافر ومشرك وجاحد، لعله يلتفت إلى شيء من قدرة الله المبدعة في خلقه للطيور، وتلك المواهب الفطرية المعجزة التي مكنتها من الطيران، قبل أن يتمكن الإنسان من تحقيق شيء من ذلك بملايين السنين.

والناظر إلى أشكال الطيور وألوانها المتنوعة الزاهية، يقف على جانب آخر من إبداع الخالق، فلو تجمع كل الفنانين والرسامين المبدعين في العالم وحاولوا رسم صورة طائر من الطيور المتعددة والمتداخلة الألوان ما استطاعوا، ونظرة عابرة على ألوان وأشكال الطيور الجميلة، تدفع كل إنسان إلى أن يردد بتلقائية سبحان الخالق المبدع.

تخاطب وتفاهم

ورصد العلماء والباحثون المئات من أصوات الطيور المختلفة وذات الإيقاع الموسيقي الجميل والممتع لكل من يستمع إليها، وأكد العلماء قوة الإدراك والإحساس عند الطيور، وذكائها الخارق، وقدرتها على تفادي أخطار المتربصين بها، كما تحدثوا عن قدرتها على التخاطب والتفاهم في ما بينها، وعلى تحديد مناطق نفوذها، وعلى غير ذلك من الصفات التي تشهد لله الخالق بطلاقة القدرة وببديع الصنعة، وبإحكام الخلق.

الدكتور أحمد فؤاد باشا النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة لشؤون البيئة، يحدثنا هو الآخر عن الإعجاز الإلهي في عالم الطيور، ويبدأ حديثه معنا بالآية الكريمة ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون حيث تلفت هذه الآية الكريمة أنظار المؤمنين إلى آيات الإعجاز في طيران الطيور، وتدعو أصحاب العقول الراجحة إلى تأمل حكمة الخالق جلت قدرته، فهو الذي خلق جميع الكائنات الحية والجامدة وأودع فيها خصائصها، وهو الذي خلق قانون الجاذبية بين الأجرام التي يجذب بعضها بعضاً، ولكنه وهو اللطيف الخبير بحاجات خلقه يسر الطيور لما خلقت له، فأودع في أجسامها من آيات الخلق والبناء ومما فطرها عليه من حسن الأداء، ما يجعلها تتغلب على قانون الجاذبية، وتحلق حرة طليقة في جو السماء ما يمسكهن إلا الله.

ويضيف: إن ركوب الطائر متن الهواء أمر يثير العجب والإعجاب، إذ أن الطائر مهما خف وزنه فإنه يكون أثقل كثيراً من الهواء، ومن ثم ينبغي أن يهوي إلى الأرض وفقاً لقانون الجاذبية الأرضية، وهذا هو ما يحدث للطائر المحلق في جو السماء عندما تصيبه رصاصة صياد في مقتل، ويفقد في لحظة واحدة قدرته على البقاء في الجو.

ارتباط وثيق

لما في خلق الطيور من إبداع وقدرة إلهية فائقة، اهتم القرآن الكريم بها كآية من آيات خلقه.

يقول الدكتور موسى الخطيب في مؤلفه القيم من دلائل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية: احتفى القرآن الكريم بالطيور، نظراً لعظمتها وإبداع الخالق في صنعها، وهناك توافق تام بين الآيات القرآنية التي ذكرت الطيور، التي تبرز الارتباط الوثيق جداً بين سلوك الطائر الموجه من الله سبحانه وتعالى، وبين المعطيات الحديثة للعلم التي أوضحت درجة الكمال التي وصل إليها بعض أنواع الطيور في التخطيط لبرامج تنقلاتها.

ويضيف: إن وجود برنامج هجرة مسجل على الشفرة الوراثية لهذه الطيور، هو وحده الذي يستطيع أن يعلل تلك المسارات المعقدة والطويلة جداً التي تقوم بها طيور صغيرة السن ومن دون تجربة سابقة، وبلا أي قائد، لتعود بعد ذلك إلى المنطلق نفسه في تاريخ محدد، وهنا يذكر عالم الحيوان هامبورغ في كتابه القوة والوهن رحلة الطائر الشهير الذي يطير فوق المحيطات ويطلق عليه اسم ماتوم، الذي يقوم برحلة تصل إلى 25 ألف كيلومتر عبر المحيط الباسفيكي في زمن قدره ستة شهور، ليعود إلى المكان الذي انطلق منه بعد أسبوع واحد على الأكثر.

ومن المقبول علمياً كما يقول الدكتور الخطيب أن التوجيهات المعقدة جداً لابد أن تكون مسجلة بالضرورة على خلايا الطائر العصبية، ولا شك أنها خططت بدقة في برنامج مسبق، فمن المخطط إذن؟

إنه الله، لا إله إلا هو الخالق القادر المبدع.