المنافقون والمشركون لهم في الأعداد وقفات ومع الأرقام حكايات تتصل ببعض أنواع العذاب في جهنم أشار إليها قوله تعالى: وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه ياليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صَلُّوه ثم في سلسلة ذرعُها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم ها هنا حميم.
عذاب يوم الحشر
والآيات توضح التسلسل الطبيعي للأحداث في يوم الحشر.. يوم القيامة، نسأل الله أن يعافينا منه ويتغمدنا بواسع رحمته.. وفيه يتلقي الكافر والمشرك كتابه بشماله وعندها يعرف وجهته وهي إلى النار فيقول ليتني لم أتلق كتابي هذا، ولم أعرف حسابي وجزائي، حتى لا أشعر بما هو قادم من عذاب، فلم يغن عني مالي شيئا.. كما زال وذهب عني سلطاني ولم ينفعني بشيء.
ثم يأتي النداء الأعلى.. خذوه فقيدوه في الأغلال وألقوه في الجحيم وفي سلسلة طولها سبعون ذراعا فاسلكوه، وكل هذا لأنه كان لا يؤمن بالله العظيم.. وأضاف نداء الحق إلى قائمة العذاب مع المشركين أقواما آخرين بأفعالهم وأعمالهم وخاصة هؤلاء الذين لا يحضون على طعام المسكين أو يبخلون برزق الله على عباده المساكين برغم أن المال هو مال الله وما نحن إلا مستخلفون عليه لإنفاقه بما يرضي الله.
أما السلسلة ذات السبعين ذراعا فهي إحدى أدوات العذاب التي أعدها الله تعالى لأهل النار وفيها يُدخل المُعذب ليرى جزاء كفره.. وذهب بعض الشراح إلى القول إن السلسلة مجموعة حلقات منتظمة كل حلقة منها متشابكة مع أخرى، نسأل الله أن يجيرنا من عذاب السعير.. وأن يهدينا شفاعة الحبيب صلى الله عليه وسلم.
خارج دائرة الرحمة
أما وقد ذهبنا إلى احتياج العبد إلى الشفاعة.. فقد دخلنا في حلقة أخرى مع العدد ذاته (سبعين) وبه يحذرنا الحق سبحانه وتعالى من أن نركن إلى شفاعة المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لأمته لأن هناك من أمر الحق بإخراجهم من دائرة الرحمة مباشرة لفسقهم.. وأشار إليهم في سورة التوبة بقوله تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين.
وذهب الفقهاء والشراح إلى القول إن الآيات الكريمة نزلت في وصف المنافقين، وبينهم أعداد من ذوي قرابة المؤمنين الأوائل (المهاجرين والأنصار)، وهؤلاء لن يغفر الله لهم ولن يقبل فيهم شفاعة أو واسطة لأنهم ليسوا بأهل مغفرة بسبب قسوة وعظم ما ارتكبوه من معاص وذنوب وكفر، لهذا يعود الحق ويؤكد لرسوله (صلى الله عليه وسلم) حتى لو استغفرت لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.. أي أنك يا محمد مهما استغفرت لهم وأياً كان عدد الطلب مرة أو عشرة أو سبعين أو مائة أو ألفاً أو أكثر فلن يغفر الله لهم.
قال المفسرون: ليس المقصود من العدد (سبعين) في الآية قيمة الرقم حصريا أو ذاته.. بل إن المقصود استخدامه للدلالة على المبالغة في الاستغفار أو رجاء العفو عن مثل هذه الحالات، أي أنه حتى لو زاد على السبعين أيضاً فلن يغفر لهم.. ويعيد بعض العلماء استخدام العدد (سبعين) باعتباره أحد الألفاظ التي كانت تجري على ألسنتهم مجرى المثل عندما يريدون التكثير كأن يقول إني فعلت كذا سبعين مرة.. والمعنى المراد في الآية أن الله تعالى لن يغفر لهم، وإن استغفرت لهم استغفارا بالغاً في الكثرة غاية المبالغة.
أما سبب عدم قبول الله تعالى الاستغفار لهم فيرجع إلى أنهم كفروا بالله وبرسوله، ونقضوا عهود الله تعالى وصموا آذانهم عن دعوة الحق التي حملها إليهم الهادي عليه الصلاة والسلام، وبخلوا بالإنفاق وبالصدقة وتخلفوا عن الجهاد، وأشاعوا الفرقة بين المسلمين وثبطوا عزائمهم عن الجهاد، ولأنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، يظهرون محبة الرسول ويبطنون البغض، ومنهم من سبوا المسلمين ووضعوا مخططا لقتل النبي والخلاص من رسالة الإسلام وهو عائد من تبوك، ولأنهم أهل كذب وبهتان، وقد ألحق العلماء بعدم جواز الاستغفار للمنافقين أيضاً عدم جواز الاستغفار للكافر مهما كانت عقيدته أو ديانته.