سلطان فيصل في إصداره الروائي الثاني «لا أريد لهذه الرواية أن تنتهي»، يقدم تجربة متمايزة، ليس عن نصه الأول «قميص يوسف» فحسب، وإنما عن الرواية الإماراتية والعربية إلى حد ما، فهو في عمله الجديد، يقدم ما يمكن أن نسميه «روائية الرواية» في شرطها المعرفي، أسوة بالرواية العالمية، وخاصة لجهة الرهان الكبير عليها؛ كجنس أدبي، بمقدوره أن يؤسس لوعي جديد، أو فهم جديد؛ سواء على مستوى إدراك سيرورة الواقع وصيرورة الإنسان وجدلية الحياة والموت، أو على مستوى الإيمان العميق، وكشف حيرة العقل أمام سر الخلود، وهما أمران مازالا يؤرقان الوعي، ويحفزان الشرط الإنساني.
لا يكشف النص نزوع الكاتب إلى التناظر مع القامات والأعمال الخالدة بشكل مباشر، بقدر ما تكشف عنه البنية الدلالية في السرد على مستويات عدة، بدءاً من الاستهلال، فالعنوان «لا أريد لهذه الرواية أن تنتهي»، الذي يقتبسه الكاتب (بتصرف) من قصيدة للشاعر الراحل محمود درويش بعنوان «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي»، يحيلنا إلى ما يمكن أن نسميه «التماهي المتدرج»، أي تماهي الذات الواثقة بالأشباه والنظائر على مراحل، بحيث يؤسس للإقناع بضرورة التطابق وحتمية التناغم، بمعنى أنه يتدرج بالتماثل الكلي، من «الأنا» أو الذات المتقدمة - بالمعنى الثقافي - أي بما يمثله محمود درويش، من علامة بارزة في الهُوية الإبداعية العربية، إلى الاندغام المطلق بالآخر أو الذات الإنسانية؛ بما تمثله من قمم وذرى عالية في الهُوية الإبداعية العالمية؛ وكأنه يريد أن يقول: أنا أنتمي إلى هذا البرعم الذي يتضوع بالمسرة والدلال والكمال، أو هذا الفرع الباسق المتناسق بالخيال والجمال.
وهو عندما يتقصد الاستعارة من تلك القصيدة بعينها، إنما هو يحاكي محمود درويش في جدلية الحياة والموت، وإذا كان درويش أراد أن يسطر حضوره وقلقه في ما بعد الغياب بالقصيدة، التي كتبها في آخر محطات العمر، في مرحلة فارقة، عايش فيها الموت، عياناً، أي أقبل عليه بملء إرادته، عندما رفض إجراء جراحة، اقتنع أنها ستكون خاسرة، فجاءت القصيدة بحضورها الطاغي؛ وكأنه اطمأن إلى خلوده بالمعنى الإبداعي، حيث كتبها بسردية حوارية بين الحياة المؤنث، والموت المذكر، وراوٍ شاهد، يسرد حكاية البقاء والخلود، الذي يُشغف به العاشقون. وفي المقابل يُحَبِّرُ سلطان فيصل نصه، بغرض تدوين هاجس السرد في «اللعبة الروائية»، أو ما يمكن أن أسميه، غرض تدوين «حكاية الرواية»، أو سيرتها في صناعة الحياة، وسر الخلود.
أسلوب السرد
يتميز أسلوب السرد في نص «لا أريد لهذه الرواية أن تنتهي» بخصوصيتين لافتتين؛ كونهما تشكلان معاً، مقاربة تجريبية جديدة:
الخصوصية الأولى: هي ما يمكن أن نسميه «السرد الطردي»، أي أن الحكاية، لا تنفتح على أخرى، فقط، وإنما على حكايتين، والاثنتان على أربع حكايات، وهكذا دواليك.. وجميع الحكايات هي مختلفة بالمضمون والجوهر، ولكنها متفقة بالمبنى والمعنى، أي متناسقة على مستوى البناء الفني الروائي، ومتناغمة على مستوى محمولات النص ومراميه النظرية والفكرية، فالنص من جهة يقول برسالة صناعة الحياة من خلال الرواية، التي يستلهم الكاتب خصوصيتها الأسلوبية من حكايات وقصص «ألف ليلة وليلة» الخالدة، حسبما يكشف السرد (ص 45-46)، فيقول الراوي: «فكرة اللذة في الحياة لم تغادر مخيلتي.. فكرت في صناعة اللذة على سرير الموت.(...) لم يكن أمامي شيء سوى سرد الحكايات في شكل رواية ممتدة لا تنتهي.. لقد اكتشف «شهريار» سرّ اللذة المتجددة في الحكايات التي كانت «شهرزاد» بدورها تنسجها من خيالها، في كل ليلة تحكي حكاية تتصل بأخرى... وهكذا فعلت مع الموت؛ كنت أنسج له الحكايات.. أسجلها في هاتفي المحمول، ليمتد بي الأمل حتى يوم آخر أصنع فيه اللذة».
أما الخصوصية الثانية في الأسلوب، فهي تلك الشطحات الموشحة بومضات فكاهية، أو لمعات كوميدية، ساخرة من كل شيء؛ حتى من الذات والحياة والرواية والخلود، وكأن كل ما يجري على صفحات الواقع من أطر وقوانين وأفكار وفلسفات أو معتقدات وحروب أو صراعات، إنما هي مجرد أخطاء أو هفوات وزلات، تستحق إعادة النظر والإصلاح على الأسس أو المعايير الجمالية الأولى، الكامنة في هندسة الوجود؛ من خلال الرواية، التي لا يريد لها الكاتب أن تنتهي؟
ومع ذلك فالأسلوب المتواتر، في السرد الطردي يؤكد هاجس الخلود، أو خلود الرواية المتدرج، من خلال التماثل بالخالدين، أو من خلال الانتماء إلى شجرة الإبداع الإنساني، فيمضي الأسلوب في هذا السياق؛ بالتدرج على مراحل مختلفة، حيث يكشف السرد (ص-50) أن البطل كان يرمح باتجاه الحقول الإبداعية، منذ أن كان طفلاً، كما يقول الراوي: «في صغري كنت أجمع الصبية في المدرسة وأحكي لهم بحركات مسرحية قصصاً من نسج خيالي». وعندما أوفده والده إلى موسكو؛ لدراسة الهندسة المعمارية، وجد نفسه ينغمس في المسرح، مبرراً هذا الجنوح الخفي للإبداع، بدافع الحب إلى كاتيا، الطالبة في معهد «غيتس» للفنون المسرحية، ولكنه (ص34-44) يزيح هذا التبرير جانباً في المؤتمر الصحفي، الذي أراد أن يكشف فيه البطل عن الحقيقة، ولكنه بدل أن يستهل، ما سمّاه حقيقة انتصاره على السرطان بسرد الحكايات، راح يكشف عن المخبوء الإبداعي في الذات، فيقول: «تخيلت نفسي أؤدي دوراً في مسرحية «بوريس غودونوف» للعظيم «ألكسندر بوشكين».
بدأت أرى نفسي في مكان آخر، انتقلت عبر الزمن إلى «موسكو»، ها أنا في مسرح «أنطون تشيخوف»، في المقاعد الأمامية، يجلس المسرحيان العظيمان «ستانيسلافسكي» و«دانتشينكو»، يتوسطهما أبي، الذي صفّق لي بحرارة فور دخولي، ثم همس إلى «دانتشينكو» قائلاً: «هذا ابني، أردت أن يدرس الهندسة المعمارية في «موسكو»، وقادته موهبته إلى معهد «غيتس». ويتوغل السرد؛ من خلال التواتر الطردي المتدرج أكثر فأكثر بفكرة التماهي مع الكبار (ص- 118)، فيقول الراوي: «جميعنا خرجنا من معطف «غوغول». عبارة مشهورة للروائي العظيم «دوستويفسكي»، وبعضهم ينسبها إلى «تورغينيف». ويتواصل السرد بالقفز من حكاية إلى أخرى، عبر الإيهام بكشف هاجس الخلود أو الانتماء للخالدين، فلا ينسى تشيخوف، ويمر على ديكنز في رواية «قصة مدينتين»، فيأخذ عليه سطحية التعامل مع موضوع صانع الأحذية. وعندما تقول له الممرضة المتدربة (ص-111): «لا تخبر أحد الأدباء الإنجليز بهذا الرأي... تشارلز ديكنز أسطورتهم الأدبية»، يطمئنها بسخرية: «لا تقلقي حيال ذلك، فنحن - الروائيين- نجيد التملق».
ويمضي السرد بالتناظر إلى حيث الانتساب الكامل للكبار، فيشير إلى رواية «حفلة التيس»، للروائي ماريو بارغاس يوسا، ومن ثم يُشَرِّق إلى قصص «لياوتشاي» الصينية، ويعود إلى براتراند راسل؛ دون أن ينسى الشحرورة صباح: «الحلو ليه تقلان أوي... تقلان أوي باين عليه زعلان أوي... زعلان أوي».. ولمَ لا تحضر الشحرورة؛ بما تمثله من انتصار للحياة، أليست الرواية هي الحياة بعينها؟
التجريب الموهوب
إن رواية «لا أريد لهذه الرواية أن تنتهي» تجمع كل هذه الحكايات في خلطة فنية مدهشة، تجعل منها ما يشبه سيرة الأقدار المستحيلة، التي تستعصي على الضبط، فهي متشابكة ومتداخلة، بكل منعطفاتها الصاخبة وكل مفارقاتها المشاغبة، إلا أن لها سطوة ساحرة، تشبه «سحر الرواية» أو سحر الحياة عينها؛ باعتبارها لعبة آسرة، أو متاهة خادعة، تنطوي على حيرة سافرة، لا فكاك منها في معظم الأحيان، كما يقول الراوي (ص-61): «استيقظت خائر القوى بعد ليلة من الكوابيس، رأيت فيها أبي في نهاية دهليز مظلم وقد تحول إلى الدمية الروسية، البيضوية الشكل «ماتريوشكا»، حضنته؛ فوقع جسده العلوي، لأجد أمي في داخله قد تحولت هي الأخرى إلى دمية «ماتريوشكا»، سرعان ما سقط جسدها العلوي... هربت نحو نهاية الدهليز، وصلت إلى غرفة مظلمة في ركنها دمية «ماتريوشكا» تشبه زوجتي، فتحتها؛ فوجدت ابنتي «ريتا» تغني بالروسية: ليلة معتمة حُرمت فيها الرقاد، تلهفت فيها عليك مسحت، سراً دموعاً تسيل، أبي.. تلهفت للحب في أعماق عينك، الموت سيجمع شملي معك، لا تنازع الموت، دع روحك تنساب نحوي، ليلة معتمة حُرمت فيها الرقاد».
ربما لم تصل تجربة سلطان فيصل الحالية في نص «لا أريد لهذه الرواية أن تنتهي»، إلى المستوى، الذي يشكل نموذجاً روائياً خاصاً به، وبالتحديد على مستوى الخصوصية السردية والأسلوبية المكتملة التمايز - بمواصفاتها الفنية - عن غيرها من السرديات والأسلوبيات العربية، لأنها مازالت - باعتقادي - قيد التجريب، وهو تجريب موهوب، قائم على اجتهاد دؤوب، سواء بالقياس على عدد إصدارات الكاتب، أو بالقياس على الفترة الزمنية الفاصلة بينها. ولكن المؤكد أن الكاتب في نصوصه المقبلة - إذا استمر بهذه الوتيرة من الدُربة والمران والاجتهاد -فسوف يصل إلى خصوصيته الفنية، التي تسمح له بتشكيل ذروة روائية غير مسبوقة - عربياً على أقل تقدير -، ولسوف تنقش بصماتها المعرفية الجديدة على مسارات الوعي، وربما على صفحات الوجود.
فمحمولات النص تؤكد للمتلقي العادي أو الناقد، أن سلطان فيصل ليس بطارئ عابر على التجربة الروائية، وليس بمتطفل على الإبداع والخلق الفني الأدبي، وإنما هو يقتفي أثر الكبار، يمضي بثقة على خطى الروائيين العالميين، الذين تركوا بصمات خالدات على الوعي - كونهم «فلتات» أو مفارقات غير مألوفة في مسيرة الوعي الإنساني -، تجعلهم سادة المقول أو السرد العميق، الذي يحاكي السرديات الكبرى في التاريخ..
بمعنى أن سلطان فيصل يمضي حثيثاً على طريق الاحتراف في «اللعبة الروائية» بشكل متمايز، أي أنه ليس احترافاً تقليدياً، وإنما هو احتراف من الوزن الثقيل، إذ لا يريد أن يكون مجرد قوال يتداول المقولات بين القوالين، أو مجرد حكاء يسرد الحكايات في سوق الحكائين، بقدر ما يريد أن يكون مشروعه أقرب إلى المُحْتَرَف أو النموذج الروائي، أي مُثقِف الرواية، بمعنى أنه يريد روايته أن تنطوي على مشروع ثقافي، يقدمه عن طريق الخلق الفني في تدبيج الحكايات أو سرد الروايات، كما هو شأن الأدباء المتفلسفين، أو الفلاسفة المتأدبين منذ أقدم العصور، من أمثال دانتي وفولتير وجان جاك روسو.. وغيرهم العديد من الكبار في مسيرة الإبداع الإنساني.