يواصل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مسيرة العطاء الفكري والأدبي حيث صدر له في وقت واحد عن منشورات القاسمي كتابان هما: مسرحية الحجر الأسود، وكتاب نشيج الوداع . . القصائد الأخيرة للشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي جمعها وحققها سموه .

يقع كتاب نشيج الوداع الصادر عن منشورات القاسمي في131 صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على مقدمة وعشرة أبواب موزعة حسب موضوعات القصائد، وذلك على النحو التالي: قصائد يوم الوداع، قصائد أرسلها إلى أبنائه، قصائد إلى آل صقر، قصائد أرسلت إلى إخوته، قصائد النصح، قصائد في الوطنية، قصائد في التعليم، قصائد في القضاة، التشريح، القصيدة الأخيرة، وجاء الديوان في طبعة أنيقة تليق بقصائد الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، الذي يعتبر أحد أعلام الشعر في الإمارات في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد الحكام في الإمارات الذين كان لهم دور قوي في الحفاظ على تماسك الشعب ووحدة القبائل التي كانت تنضوي تحت لواء إمارته في تلك الفترة، وكما قال عنه الباحث عبد الله الطابور في كتابه المعنون شاعر الفصحى في الإمارات الشيخ سلطان بن صقر القاسمي إن دوره كان ريادياً في تاريخ الشعر الفصيح، وما قام به في خلال الثلاثينات من جهد في التأسيس لحركة ثقافية تنويرية تشكلت أنويتها في أروقة الشارقة، ودهاليزها القديمة ونواحيها الأولى .

في المقدمة التي وضعها للكتاب يشرح صاحب السمو حاكم الشارقة الطريقة التي اتبعها في جمع تلك القصائد على مدى أربع سنوات من البحث، ودوافعه إلى إثباته، وقد عكف سموه على البحث والتحقيق خلال أربع سنوات وقعت فيها بين يديه مخطوطات عدة وبعد المقابلة والتمحيص وجد أن هناك مجموعتين من شعر الشيخ سلطان تعود المجموعة الأولى منها إلى ما بين عامي 1926 و1928 وقد حقق هذه المجموعة الباحث عبد الله الطابور ونشرها في كتابه المذكور آنفاً، فلذلك لم يحتج سمو الشيخ لإعادة نشرها، وأما المجموعة الثانية فتبدأ من 1949 أي بعد سفره إلى الهند للعلاج وحتى وفاته، وقد وقع صاحب السمو حاكم الشارقة على مخطوطين لهذه القصائد أحدهما بخط المؤلف نفسه، وبالمقابلة بينهما استقر على النسخ الصحيحة التي نشرت في هذا الكتاب، ونبه المحقق إلى أن ما كتبه الشاعر في الإحدى والعشرين سنة الواقعة بين 1928 و1949 من قصائد قد ضاع ولم يعثر له على أثر مع أنه تواتر له أن هناك مخطوطاً ضائعاً من قصائد هذا الشاعر قد يكون يحتوي على أشعار تلك الفترة، وقد أسلمه التحقيق إلى قرار بنشر هذه القصائد الأخيرة دون غيرها لأنها هي أصح ما وقع عليه من شعره، يقول سموه عن ذلك: والوضع على تلك الحالة، آليت على نفسي أن أنشر مجموعة القصائد التي هي بخط الشاعر الشيخ سلطان بن صقر القاسمي، وقد قمت بتحقيق تلك القصائد وعدلت شعرها، أي جعلته موزوناً مستقيماً، أرجو الله أن أكون قد وفقت في هذه القصائد ونشرها .

تضمنت المقدمة أيضاً تعريفاً مختصراً للشاعر الشيخ سلطان بن صقر بن خالد القاسمي ذكر فيه أنه ولد في عام 1906 وتولى الحكم في إمارة الشارقة عام ،1924 وهو عم المحقق، أخذ الشيخ العلوم في المدرسة التيمية المحمودية في الشارقة على يد عدد من شيوخ الأدب والعلم، وقد أظهر منذ صغره ميلاً إلى الأدب واهتماماً باللغة العربية والنحو وحفظ الشعر والحكم والأمثال، وما يدل على ذلك ما يذكره المحقق في المقدمة من أنه كان للشيخ سلطان بن صقر القاسمي مكتبتان: مكتبة الحصن ومكتبة البيت الغربي، كانتا زاخرتين بأهم كتب الأدب ولذلك يلاحظ في شعره كلمات عربية قوية التعبير لم تكن مستعملة من قبل شعراء عصره .

تولى الشاعر الحكم في إمارة الشارقة عام ،1924 وكان ولعه بالثقافة عاملاً مهماً في وضعه الأسس الأولى لوعي ثقافي في الشارقة تمثل في تقريبه للمتأدبين وأهل العلم، ومساجلاته الشعرية مع بعض معاصريه من الشعراء، واقتنائه لأمهات الكتب في الأدب والثقافة، وأسس المكتبة القاسمية وكان المحقق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي - قد وصف في كتابه سرد الذات تلك المكتبة وما فيها من أنواع الكتب وعن تأثره بها، واهتدائه من خلالها إلى الكتاب الذي سيسصبح أحد أصدقائه طيلة حياته، وهي أوائل المكتبات في الشارقة، إلى جانب ذلك كان الشيخ الشاعر مشتركاً في عدد من الصحف والمجلات العربية التي كانت تصل إلي الشارقة من الحجاز والكويت والعراق ولبنان ومصر وسوريا وقد شجع على تعليم النساء وتثقيفهن .

وفي عام 1948 بدأت صحة الشاعر بالاعتلال فسافر إلي الهند لتلقى العلاج ومكث فيها عدة أشهر كتب خلالها العديد من الرسائل والقصائد التي بث فيها شوقه إلي بلاده وحنينه إلي الديار ومنها قصيدة أرسلها إلي قاضي الشارقة الشيخ يوسف المدفع والأديب الكويتي عبد الله الصانع، وهي القصائد التي يحتويها نشيج الوداع، ثم عاد إلي وطنه، لكن الألم لازمه فتوجه إلي بريطانيا للعلاج سنة ،1950 وهناك اشتد عليه المرض فتوفي ونقل إلى الشارقة ليدفن بها .

ويدل العنوان الذي اختاره المحقق للكتاب نشيج الوداع على الفترة الزمنية التي قيلت فيها القصائد، فهي في الأشهر الأخيرة التي ودع فيها الشاعر الدنيا، ويدل أيضاً على حجم الحزن والألم الذي بثه صاحبه في هذه الأشعار، لأن النشيج هو البكاء الصامت الذي لا يسمع منه إلا تنهيدات النفس، فالقصائد بكائيات حقيقية تحمل ما يحمله شعر الوداع الأخير من حسرة وتوجع على فراق الأهل، وتحمل أيضا الحكمة والنصيحة للناس، ويطالع القارئ هذا اللحن الحزين في القصيدة مع البداية التي جاءت تحت عنوان قصائد يوم الوداع وهي القصائد التي صور فيها الشاعر يوم سفره إلى الهند وساعة الوداع حين كانت الدموع تنهمر من أعين أقرب الناس إليه وهو ينظر ملتاعاً وكأنما كان يستشرف ما نهايته، فيودع أولئك الأحبة توديع من يعرف أنه لن يرجع إليهم، وأكثر ما يبقى ماثلاً في ذهنه صورة أخته الشيخة عائشة بنت صقر وزوجته وأولاده، وأخوه الشيخ محمد بن صقر القاسمي والد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، يقول الشاعر في قصيدة أحبائي:

وإن أنس لا أنسى وداع شقيقتي

ودمعها فوق الخدود غزير

تودعني توديع وجل وخائف

كأن شفاء دائي عسير

وتوديع ربة البيت والدمع جارٍ

تقول فلا قلب لدى صبور ( . . .)

وتوديع أبنائي وبهجة خاطري

وتشييع صحب للوداع حضور

ولم أنس توديع الحبيب محمد

بوقت بدا الطيار كاد يطير

مكباً على وجهي ويسكب دمعة

وتأخذني الحمى إذن فأطير

أودعهم توديع من ليس راجعاً

وعيناي ترنو نحوهم وتحير

ويبدو أن القصيدة كتبت في أيام عيد الفطر، ويريد الشاعر الحاكم أن يشارك أهله وشعبه أفراحهم بالعيد، كأنما يسعى من خلال ذلك إلى أن يخفف عنهم الحزن عليه ويشجعهم على التمتع بأيام العيد، والتقاط الفرحة في وقتها قبل أن تذهب وهو ما ينم عن إحساس بالمسؤولية تجاه الأهل والشعب:

هنيتم بالعيد بعد صيامكم

وأصبحتم بعد الصيام مفاطير

يذكرني بعد انقضاء صلاتكم

وطلعتكم نحو البلاد تسير

وتشريف إخواني وصحب أعزة

وشعب كريم للسلام يزور

وفي قصيدة بين الضلوع يتابع أيضاً نفس الوتر الحزين الذي يعبر فيه عن الفراق وما يحمله البعد من ذكريات أيام جميلة خلت بين الأحبة الكرام والشعب المجيد:

طال النوى والهوى بي عالق

والنار في كبدي أبت أن تنطفي

يا سادة سكنوا الفؤاد وخيموا

فثقوا بأني ذلك الخل الوفي

ما حدثتني النفس في حال النوى

بجفاكم ومن سواكم أصطفي

وفي باب قصائد إلى أبنائه نجد لوعة الوالد الحنون الحريص على صلاح أبنائه فيبذل لهم النصح ويوضح لهم طريق الرشاد، ويحثهم على طاعة ربهم، وفي قصائده إلى آل صقر القاسمي نجده يفتخر بإخوته فيصفهم برجاحة العقل وحفظ العهد والنهوض إلى العلا والمجد والشجاعة والكرم وغير ذلك من خصال الحمد، يقول:

أسد الشرى سادوا الورى

باللين حينا والقسر

فهم الليوث لدى الوغى

وهم الغيوث كالمطر

يقدمهم محمد

شمس الحجى بدر بدر

وكذاك إخوته الكرام

أولي المعالي والفخر

تحت عنوان رسائل إلى إخوته يورد محقق الكتاب مجموعة من القصائد التي بعث بها الشاعر إلى إخوته الشيخ محمد والشيخ ماجد والشيخ راشد والشيخ حميد، الذين خص كل واحد منهم بقصيدة أو أكثر يعبر لهم فيها عن حرقة الشوق وألم البعد عنهم ويتذكر الأيام الخوالي الجميلة التي كانت تجمعه بهم حيث صفاء الأخوة والصدق في المشاعر، والفرحة بالوصال .

وفي باب قصائد نصح أورد قصيدتين إحداهما للشيخ سلطان وأخرى للشيخ محمد ابني سالم القاسمي، ابني عم الشاعر ينصحهما فيها بالتلاحم والتعاضد ونبذ الخلاف والابتعاد عن قول الوشاة الحاسدين الذين يسعون للفرقة، والتمسك بالدين الحنيف، وغير ذلك من النصائح الجليلة التي تدل على إخلاص وحب لأبناء عمومته .

وفي باب قصائد في الوطنية يواصل الشاعر نهج النصح الذي يوجهه هذه المرة لأسرته وشعبه، وتبدأ بقصيدة موجهة للشاعر سالم بن علي العويس له فيها ومن خلاله لأهل الشارقة النهج الذي كان يتبعه في حكمه وكأنه يريد أن يجعلها وصية يتركها لهم، وفيها يحمد الله أنه حكم بالعدل وقضى بالشرع من غير ميل على أحد دون الآخر، ولم تأخذه في الله لومة لائم، ولم يخن العهد، وكان يحب الخير ويبذل المال للمحتاجين،وغيرها من الخصال الجميلة التي يحمد الله على أنه تمتع به، وفي القصائد الأخرى تغنى بحب الشارقة وافتخر بها وبأهلها وأوصاهم بالتماسك والتلاحم .

ونجد حرصه على خلانه وتعبيره لهم عن شوقه إليهم في باب قصائد في التعليم التي وجهها إلى مدير مدرسة الإصلاح القاسمية مبارك بن سيف الناخي يعبر له فيها عن خالص وده واعتزازه به وحرقة التشوق إليه، ويعدد فيها خصال ذلك الرجل الفاضل، وفعل الشيء نفسه في باب قصائد في القضاة حيث وجه قصيدتين إحداهما إلى سيف بن محمد المدفع قاضي الشارقة وأخرى إلى أحمد بن حارب الفلاحي القاضي العرفي في دبي، وهي قصائد تدخل في باب ما عرف بالإخوانيات التي كان يكتبها الأدباء لأصدقائهم على البعد للتعبير لهم عن الود وحفظ العهد .

وفي باب التشريح يشرح في قصيدة معاناته مع المرض وما لاقاه من ألم الجراحة وصبره على ذلك، وتوكله على الله .

وفي باب القصيدة الأخيرة نجد عتاباً موجهاً إلى وزيره إبراهيم بن محمد المدفع يعبر له فيها عن الود والصفاء ويذكر خصاله، لكنه يستبطئ فيها رسائله ويعتب عليه بسبب ذلك ويحثه على ألا يقطع عنه تلك الرسائل، ونحن نعلم ما تفعله الرسالة في نفس الإنسان البعيد عن وطنه وأهله عندما تصله من أحبته لتحمل له أخبارهم، فيفرح بها أيما فرح، وكذلك إذا تأخرت فإن ذلك يؤلمه كثيراً، ولذلك كانت أغلب قصائد هذا الكتاب رداً على رسالة تحمل أخبار الأهل والوطن أو صورهم .

ومن الملاحظ أن الشيخ الشاعر ينهج في شعره نهج الأقدمين فكثيراً ما تبدأ قصائده بمقدمة طللية، قبل أن يخلص إلى موضوعه الأساسي، وهو تقليد كان جارياً مستحسناً في عصره .