هو سلمة بن دينار المدني مولى الأسود بن سفيان المخزومي، كُني بأبي حازم الأعرج، ذكرصلاح الدين الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات أنه ولد في أيام ابن الزبير، وأصله من بلاد فارس، ولكنه عاش في المدينة، وهو من عُباد أهل المدينة وزهادها، عده الحافظ الذهبي من الطبقة الرابعة من التابعين، وكان ورعاً زاهداً تقياً متقشفاً متعبداً قواماً .
قال أبو نعيم الأصبهاني في كتابه حلية الأولياء إن ابن دينار اتسم بقدر عال من الحكمة وأورد قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما رأيت أحداً الحكمة أقرب إلى فيه من أبي حازم .
كيف تشكر أعضاءك؟
كما أورد الأصبهاني أنه ذات يوم سأله رجل قائلاً: يا أبا حازم: ما شكر العينين؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراً سترته . قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراً أخفيته . قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاً لله هو فيهما . قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً . قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون . قال: ما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت خيراً غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت شراً مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله، فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كرجل له كساء يأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر .
ويذكر الجوزي في صفة الصفوة أن ابن دينار كان من أكثر العباد زهداً في الدنيا حيث أورد قول ابن دينار لرجل وصفه بالتشدد: وما لي لا أتشدد وقد ترصدني أربعة عشر عدواً أما أربعة فشيطان يفتنني ومؤمن يحسدني وكافر يقتلني ومنافق يبغضني وأما العشرة فمنها الجوع والعطش والحر والبرد والعري والهرم والمرض والفقر والموت والنار ولا أطيقهن إلا بسلاح تام ولا أجد لهن سلاحاً أفضل من التقوى .
العلماء والأمراء
وذكر الأصبهاني في حلية الأولياء أن ابن دينار كان من أكثر العلماء زهداً في ما لدى الأمراء فلا يأتيهم ولا يحضر لهم مجلساً حتى لا يكون ذلك سبباً في الإقبال على دنياهم، ولقد أرسل أحد الأمراء إلى ابن دينار فأتاه وكان عنده عدد من العلماء كالإفريقي والزهري وغيرهما فقال له: تكلم يا أبا حازم (يقصد ابن دينار) فقال أبو حازم: إن خير الأمراء من أحب العلماء وإن شر العلماء من أحب الأمراء، وكان فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم وإذا سألوهم لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء .
وأشار الأصبهاني في الحلية أيضاً إلى ما يدل على جرأة ابن دينار في الحق ومن ذلك موقفه مع سليمان بن عبد الملك، فقد دخل المدينة زائراً بعد أن قضى مناسك حجه فسأل عمن أدرك أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نعم أبو حازم؛ فأرسل إليه فلما أتاه قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: وأي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني قال: والله ما عرفتني قبل هذا ولا أنا رأيتك فأي جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، فقال له بعد سلسلة طويلة من الأسئلة عن الصدق والعدل والصدقة والموت: يا أبا حازم ما تقول في ما نحن فيه؟ قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: بل نصيحة تلقيها إلي، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اجتماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلسائه: بئس ما قلت، قال أبو حازم: كذبت إن الله تعالى أخذ على العلماء الميثاق ليبينوه للناس ولا يكتموه قال: يا أبا حازم أوصني، قال: نعم سوف أوصيك وأوجز نزه الله تعالى وعظمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام فلما ولي قال: يا أبا حازم، هذه مئة دينار أنفقها ولك عندي أمثالها كثير فرمى بها وقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي؟ إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك بذلاً .
وذكر الأصبهاني في الحلية أيضاً أن ابن دينار كان يمتاز بقدر كبير من الرضا والقناعة بما كتبه الله له وفي ذلك يورد قول سفيان بن عيينة: كتب أمير المؤمنين إلى أبي حازم ارفع إلي حاجتك، قال: هيهات، رفعت حاجتي إلى من لا يختزن الحوائج، فما أعطاني منها قنعت، وما أمسك عني منها رضيت.