تساءلت كثيرا إن كان إصراري لحضور المؤتمر الأول في الكويت، سبباً لحضوري المؤتمر الثاني فيها، الذي لم يكن من ضمن خططي، وذلك بعد إصرار د . العوضي الذي التقيت به صدفة هناك أن أكون من ضمن ضيوف المؤتمر، وبالتالي ألتقي في أحد عشاءاته بشخص وزوجته من لوبلانا عاصمة سلوفينيا، اللذين عرفت أنهما متخصصان في دراسة الكهوف، فتحمست كثيرا للحديث معهما، لأحقق حلماً أكاديمياً قديماً، برسم خريطة لكهف في رأس الخيمة، ظهرت حوله أقاويل كثيرة في نهاية التسعينات، وكتبت عن أشباحه الصحف . عمقت الحديث معهما بأن سألتهما عن مصدر تلك الأصوات من وجهة نظرهما العلمية، فأجابا بأنها بفعل الرياح، بالعربي: ليس بفعل الأشباح، وحين أخبرتهما أن بعض المغامرين المحليين يدخلون الكهف ولا يخرجون منه، عرفت منهما أن تضاريس الكهوف ليست مستوية، وأنهم غالبا ما قد يكونون قد سقطوا من علٍ، وإما عجزوا عن الحركة فماتوا جوعا، وإما ماتوا متأثرين بالسقطة، فوفقا لقولهما إنهما أثناء اكتشافاتهما للكهوف في سلوفينيا وجدا جثثاً كثيرة، معظمها لجنود من الحربين العالميتين الأولى والثانية .

هذا النقاش المثير حول الكهوف، ولّد لدي شعوراً غامراً بضرورة زيارتهما في بلدهما، بل إنهما تمنيا تلك الزيارة، ووضعنا لي الكثير من الإغراءات، مثل ترتيب السكن وترتيب المواصلات في لوبلانا . في الواقع كانت لدي خطة أن أزور سلوفينيا منذ أن قرأت رواية الأموات الشهيرة للكاتب السلوفاني فلاديمير بار تول، لكن بما أني لست ممن تسيرهم السياحة نحو السفر، لم تر تلك الخطة النور، حتى صار العِلم محركاً لها .

سافرت لسلوفينيا مع صديقتيّ نبيلة وأختها، وتلك لم تكن رحلتي الأولى معهما، خططنا للسفر معاً من ميونخ، لأنه لا توجد رحلات مباشرة بين الإمارات ولوبلانا، أعتقد أن المواطنين في كلا البلدين لم يتعرفا إلى بلد الآخر، لدرجة أنه لا يوجد تمثيل دبلوماسي بين البلدين، لذلك حين وصلنا الى لوبلانا، راودنا شعور بأننا أول الواصلين من الإمارات لهذه الدولة، فتعجب مسؤولو المطار من حجابنا كان خير دليل على ذلك .

سلوفينيا دولة حديثة نسبيا، فلقد استقلت عن يوغسلافيا عام ،1991 وانضمت للاتحاد الأوروبي في عام ،2004 ما جعلها وجهة للسياح والتجار الأوروبيين، وممراً إما لإيطاليا، أو لشرق أوروبا، فهي تقع بالضبط في قلب أوروبا . عندما كتبت عن عاصمتها في كتابي الأخير سرديات، رسمت اسمها رسما من هجائها بالإنجليزية Ljubljana فصارت لجبلجانا، لم أكن أدري كيف تنطق لوبلانا حتى سافرت إليها، ورأيت كيف ينطقها شعبها . على فكرة ينطق الألمان العاصمة بشكل مختلف، ينطقونها لوبيانا . هم في الواقع ينطقون ألفاظاً عديد في اللغة السلوفانية بشكل مغلوط، مثل مصطلح كارست الجيولوجي، فهذا المصطلح مشتق من اسم هضبة كراسKras Plateau السلوفيانية، التي تكثر بها الكهوف والأنهار الجوفية والبرك المائية والأعمدة الصاعدة والهابطة في جوف الجبال، فصارت كل منطقة بها هذه الظواهر أو بعض منها تدعى بكارست، وليس كراس، لأن الألمان سجلوها في مراجعهم بكارست مثلما ينطقونها هم، فظلت في جميع الكتب والمراجع العلمية العالمية تعرف بذلك، حتى العرب حين عربوها، عربوها باللفظ ذاته، فلا يوجد مرادف لهذا المصطلح بالعربية، ببساطة هذه الظاهرة تكثر في المناطق الجبلية الرطبة بشكل خاص، ومعظم الوطن العربي يقع ضمن المناطق الجافة، باستثناء بعض المغارات مثل جعيته في لبنان التي لم تكتشف إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، أما معظم الكهوف في إقليم الوطن العربي فيعود تكونها للعصور القديمة حين كانت أكثر مطرا عن الوقت الحاضر، واعتقد أن السبب الآخر لعدم وجود مرادف بالعربية، غير واقع أن الظاهرة مشتق من اسم منطقة، أنه معروف عن العرب اهتمامهم بالظواهر الجيومورفولوجية السطحية، ربما لذلك توجد عشرات المترادفات لمصطلحات صحراء وأودية، لكنه لا توجد مترادفات للكهوف والأشكال الجيومورفولوجية المرتبطة بها المتكونة في جوف الجبل .

كانت بداية مراسلاتي مع مايا، التي حولت رسائلي لزوجها أندريه، فهي أمينة مكتبة في معهد الكارست، ومجرد هاوية لاستكشافات الكهوف، لكن زوجها هو المتخصص في هذا العلم . أوفى زوجها بوعوده التي أبرمها خلال المراسلات الإلكترونية (الإيميل)، جاء اليوم الأول لاصطحابنا للمعهد، وذلك للتعارف الرسمي، والتخطيط لزيارتهم للبلاد في شتاء 2010- ،2011 فلا يمكن أن تكون زيارتهم قبل ذلك، لأني سأكون خارج البلاد، مرتبطة بمنحة فلبرايت الأمريكية خلال العام الدراسي 2009-2010 هذا يكرر تساؤلي في بداية هذا المقال، إن كان فعلا هذا هو السبب الحقيقي من وراء زيارتي الثانية للكويت، فأنا الجيومورفولوجية (عالمة أشكال سطح الأرض) الإماراتية الوحيدة في البلاد، قد يفكر شخص إماراتي آخر باستكشاف كهوف رأس الخيمة، كما يفعل الشحوح بين وقت وآخر، لكن لن يقوم بذلك ويخرج حيا من الكهف إلا شخص متخصص مثلي . خلال زيارة المعهد عرفت أن بعض البلدان الآسيوية والأوروبية تستعين بهذا المعهد لرسم خرائط الكهوف، وعمل مشاريع سياحية بها، وهذا بالضبط ما اتفقت عليه معهم، ليقوموا به بالنسبة لكهوف رأس الخيمة . يبدو أن تخصصي مطاط، يتسع جميع فروع الجيومورفولوجيا، من الرواسب النهرية، للرواسب الساحلية، وحتى الرواسب الرملية، وها أنا ذا أحاول أن أقتحم قلب الجبل .

في اليوم الثاني للرحلة اصطحبنا د . أندريه لكهف بوستيان، وهو أجمل الكهوف السلوفانية، وفي اليوم الثالث اصطحبنا لكهف سكوكيان المدرج في قائمة اليونسكو للكنوز الطبيعية والثقافية للأرض، وهو أكبر كهوف سلوفينيا على الإطلاق، في منتصف الكهف أطفأ المرشد السياحي الأنوار في الكهف، وطلب منا النظر إلى كفوفنا، فقط ليوثق لنا مدى ظلمة هذا الكهف .

في يوم عودتنا لميونخ فاتتنا الطائرة، لأني ببساطة قرأت موعد الوصول على أنه موعد الإقلاع . انتظرنا الرحلة التالية حوالي 6 ساعات طويلة، في مطار لوبلانا الصغير، ولو كان مطار ميونخ لكان الوضع أفضل، فمطارها كبير للغاية .