إبراهيم محمود
فارس عربي فلسطيني رابع من بين فرسان الشعر الأهم والأكثر انتشاراً في الساحة الشعرية العربية، وفي لغات عالمية، قد ترجل، مودّعاً الحياة، ليبقى جواده بصهوته شاهداً على مسيرة شعرية وأدبية وثقافية تجاوزت النصف قرن، ذلكم هو سميح القاسم "1939-2014"، بعد توفيق زياد 1929-،1994 وفدوى طوقان "1917- 2003" ومحمود درويش "1941- 2008" . . وبالتأكيد فإن الوطن يبقى أكبر من كل أبنائه، أكبر من أي كان، سوى أنه يعلى شأناً بهم، بقدر ما يزداد سطوع دلالة وإشراقة حضور وحتى اكتساب أبدية من خلال المنجز الأدبي، الثقافي، الحضاري لهم، وبتفاوت طبعاً، وبهم يتعدى حدود جغرافيته .
الحديث عن جوهرة فلسطين الشعرية المتألقة سميح القاسم، الذي رحل عن الدنيا "عنا" في مستشفى "صفد" شمال فلسطين يوم 19 من شهر أغسطس/آب الجاري، بعد معاناة مع المرض "سرطان الكبد"، وآثر الكتابة رغم المعاناة، كما لو أنه كان على دراية تامة شأن كل مبدع أنه في لحظات المعاناة ربما تتشكل كتابة مغايرة، صادمة وفاعلة بجدتها ووقدتها (لنتذكر هنا المسرحي سعدالله ونوس "1941- 1997"، والمفكر إدوارد سعيد "1935-2003"، والروائي المشهور غ .غ . ماركيز "1927- 2014") .
لا بد أن هناك إيماناً موثوقاً وموثقاً بمبدأ الحياة التي تستحق أن تعاش وأن تعلّم الآخرين .
ومن الصعب هنا حتى سرد عناوين أعماله التي تراوحت بين الشعر "وهو الأغلب" والنثر وكتابة نصوص مركبة "تشكيلية"، مسرحية، والترجمة، والاهتمام بالمجال البحثي، وهي في مجموعها تتجاوز الستين عملاً، لكنه الشعر كما هو اسمه هو الذي يبقيه في حمَاه المفتوح، بدءاً من ( مواكب الشمس، 1958)، وتالياً ( دخان البراكين، 1968)، و( يكون أن يأتي طائر الرعد، 1969 )، و( سأخرج من صورتي ذات يوم، 2000)، و( حزام الورد الناسف، 2009)، و( كولاج ،3 2012) . .إلخ .
في هذا التقديم وهو عبارة عن مرثاة عن بُعد لروحه "المرئية ببصيرتنا"، وحِداد مشروع عليها، إنما أيضاً بطاقة ود وتقديرأدبية ووجدانية تحوّله باتجاه المستقبل اعترافاً بجميله الشعري، وكفاحه المشروع، من أجل وطن مغتصب وحق مهضوم .
في هذا المنحنى البياني يمكن التعرف إلى روح الراحل، إلى ثراء المعنى فيما كتبه شعراً ونثراً، وقد جمع في روحه هذه ما بين وطنه الذي إليه ينتمي: فلسطين، وخارجها، حيث يجد صدى لصوته العربي، ويلقى اهتماماً، وما أكبر الصدى، ما أعظم الاهتمام به، على الأقل ونحن نشهد هذا السرد اللافت من الأوصاف الاعتبارية التي تشكّل اعترافاً بفتحه الأدبي الشعري، ومقدرته الجمالية على نحت الصورة الشعرية، وتوسيع فضاء متخيلها . وقد عرف ب( شاعر المقاومة العربية- شاعر القومية العربية، الشاعر العملاق، الشاعر النبوئي، شاعر الملاحم، شاعر الصراع، شاعر البناء الأوركسترالي للقصيدة . . .الخ )، إنها أوصاف مفاتيح تنسّبه بيسر وعن جدارة إلى أبدية الإبداع .
ما علينا هنا إلا أن نتوقف عند بعض المقاطع الشعرية، وهي أمثلة تفصح عن هذا التنوع في المنظور الشعري الرؤيوي . نعم، كان القاسم يرسم في الظلام، مثلما كان يتبصر موضوعته في النور المبهر، ويركّز عليه ليقتنص لحظته الشعرية، تلك اللحظة التي تحمل بصمته، بصمة يتعدى بها المعنى المباشر للقول الشعري الذي يذهب البعض وربما الكثيرون، وبنوع من التبسيط باعتباره الشعر الجماهيري، الشعر الذي يفهمه الشعب، ولكنه الشعر الذي يكتشف فيه الشعب ذاته الخفية، قدراته، آلامه، أكثر من نفسه، بقدر ما يكتشف أنه أوسع مما هو عليه، وأعمق مما يعرَف به، وأنه يتحرك قيمة حتى خارج حدوده الفعلية .
تُرى في ضوء المتقدم كيف يمكن النظر في هذا المقبوس؟"
أُسْوَةً بالجياعِ ونارِ الإطاراتِ في بوينس إيريسْ/ وبالشرطةِ الغاضبَهْ/ أُسْوَةً بالرجالِ الوحيدين تحت المصابيحِ/ في لندنَ السائبَهْ/ أُسْوَةً بالمغاربةِ الهائمينَ على أوجه الذل والموتِ/ في ليلِ مِليلَةَ الخائبَهْ/ أُسْوَةً بالمصلّينَ في يأسهم/ والمقيمينَ، أسرى بيوتِ الصفيح العتيقْ . . .
ومن ثَمْ .
أُسْوَةً بالشعوبِ التي أوشكتْ أن تبيدْ/ واللغات التي أوشكتْ أن تبيدْ
في كهوفِ النظامِ الجديدْ/ أُسْوَةً بضحايا البطالَهْ/ يبحثونَ عن القوتِ في حاوياتِ الزبالَهْ
ولاحقاً:
أُسْوَةً بي أنا/ نازفاً جارحا/ غامضاً واضِحا/ غاضباً جامحا/ أُسْوَةً بي أنا
أُسْوَةً بي أنا/ أرتدي كفني/ صارخاً: آخ يا جبلي المُنحني/ آخ يا وطني/ آخ يا وطني/ آخ يا وطني!
هذه "الأسوات" هي بمثابة البيان الشعري الجمالي، وخشية إساءة الفهم، أقول: إنها في مقام الجدارية الشعرية التي تمثّل الكوني، الأمم، الإنساني، ومن القاعدة الأكثر عراقة: أخوة المعاناة عالمياً .
ثمة ما يتعدى الجمع في التذكير، إنه تقطير العبارة، بغية تحصيل "الإنارة" الجمالية من الداخل، وما في ذلك من توخي الحذر والوقوع في التكرار أو التبسيط الطاعن في روح الشعر بالذات .
وإذا كان هذا الجمع الغفير والمقاوِم والتضافر في الأرواح المعذبة والموعودة بالمستقبل لديه، فإن ثمة ما يقلقه، إنما ما يحفّزه على تسمية المتربص به: الأفاك، المخادِع، النمام، القاتل، المشبوه . . . إلخ:
الخفافيش على نافذتي/ تمتصّ صوتي/ الخفافيش على مدخل بيتي/ والخفافيش وراء الصّحف/ في بعض الزوايا/ تتقصّى خطواتي/ والتفاتي . .
"الخفافيش" تلك هي المعضلة التي تتطلب التنبّه إليها: الليل موعد مع النوم، وثمة العتمة، وثمة بالمقابل المتربصون، ونهابو الفرص ومعتمدو المكائد والقتلة والسفلة . .خفافيش تعرف من يكونون أعداء لها .
هذا التداخل بين الظاهرتين: أحبة الحياة وخصومها، فعل درامي بامتياز ويليق بالشعر بالمقابل، والدرامي لحظة ممتدة في جسد القصيدة لدى القاسم، ولا بد أن يكون الوضع كذلك وهو يشهد على مأساة وطن، وشعب، وينفتح على عالم كامل من حوله، ودون ذلك تفقد الدراما مفهومها، قدرتها على منحه الرؤية المطلوبة، وكما قال هو نفسه في ذلك وضمن حوار معه:
( آمنتُ دائماً بأن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري، وقد يعود ذلك إلى بدايات ثقافتي الشعرية، قد يعود ذلك مثلاً إلى مغني الربابة الذي سمعته في بيت جدي، وتتبعت أداءه عبر وجوه الحضور . . أيضاً أنا أحب المسرح، وقد كتبت المسرح من وقت لآخر . فمن الطبيعي أن يكون العنصر الدرامي قائماً، وهي مسألة أشار إليها معظم النقاد الذين كتبوا عن تجربتي . . نعم إنه شديد الحضور في قصيدتي . . والعنصر الدرامي حتى في صيغة المونولوج يفترض ويستدعي الآخر) .
ولعل الناظر في شعره، وفي بعض الحالات يتلمس وضوحاً إلى درجة استسهال فعل الكتابة، لكن التدقيق أكثر سرعان ما يأخذ به إلى ما وراء المتجلي، كما في قصيدته المتعلقة بروح المقاومة ضد "إسرائيل"، وبذلك التحدي الملحمي الذي يرفع من سقف الحياة وقوة مأثورها:
تقدموا/ بناقلات جندكم/ وراجمات حقدكم/ وهددوا/ وشردوا/ ويتموا/ وهدّموا/ لن تكسروا أعماقنا/ لن تهزموا أشواقنا/ نحن قضاء مبرمُ
سميح القاسم كان، وهو في وعيه القومي العربي الفلسطيني المنفتح بليغ المعنى، كان متفاعلاً مع آخرين ممن يكتشف فيهم حضوراً له، امتداداً لقامته الشعرية، ونظراء لتلك القامة في المأساة والمعاناة والقيمة الإنسانية:
يقول: "حاربت في البلقان/ قتلت في كوبا/ قتلت في المكسيك/ نفيت مخفوراً إلى نيبال/ شربت في الطرق من آبار كردستان/ ويوم ان ولدت من جديد/ حفرت في مناجم الحديد/ في الأورال" .
إلى جانب اعتداده المشروع واستناداً إلى عقده المبرم ضمنياً مع أهل المقاومة المشروعة والحريصين على الحياة، المجابهين لأعدائها، كان لديه أسماؤه المعتبرة، كما في التالي:
باتريس لومومبا/ شاعر الحرية ورسولها . في مجاهل/ غابات الكنونغو الزنجي المعذب!/ لاطم الريح بالجناجين . ./ وواصعد . . يا حبيب الحرية المتمرّد . . ./ أيهذا النسر الذي راعه العيشُ بوادِ كابٍ . . ذليلٍ . . مقيّد/ فتلوّى في بؤرة الوحل والشوك . ./ بشوقٍ إلى السنى متوقّد . .
سميح القاسم، الذي غادرنا، وترك وديعة ثمينة تسمّيه، بقدر ما تحمل بصمته الشعرية، وهو بها يتعدى حدود المباشرة في القول، وهو ما يلزم لروح الإبداع، ما يستحق الإصغاء، غادرنا، من دون أن يفارقنا طبعاً، كما هو المعهود في كل اسم أكبر وأقوى من أن يغيب، ولأن الوديعة الأدبية بمسحتها السميحية، تغني كل ساع إلى الشعر، وتثري حياته، وديعة، لا أظن أن أياً كان، طالما أنه يقر بوجوب استمرار الشعر معنا وفينا، يتجاهلها، من أجله بالذات . بوركت يا سميح روحاً ورائحة ومستراحاً .