سورة الأعراف من أطول السور المكية، وهي التاسعة والثلاثون في ترتيب نزول السور عند جابر بن زيد عن ابن عباس، ونزلت بعد سورة ص وقبل سورة الجن .
الأعراف هو الاسم الذي عرفت به هذه السورة، من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج النسائي، من حديث ابن أبي مليكة، عن عروة عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان بن الحكم: مالي أراك تقرأ في المغرب بقصار السور وقد رأيت رسول الله كان يقرأ فيها بأطول الطوليين، قال مروان قلت: يا أبا عبدالله ما أطول الطوليين، قال: الأعراف، وكذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله كان يقرأ في المغرب بطولى الطوليين، والمراد بالطوليين سورة الأعراف وسورة الأنعام، فإن سورة الأعراف أطول من سورة الأنعام، باعتبار عدد الآيات، ويفسر ذلك حديث عائشة رضي الله عنها فيما أخرج النسائي، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف وفرقها في ركعتين.
سبب التسمية
ووجه تسميتها أنها ذكر فيها لفظ الأعراف مرتين، وهو سور مضروب بين الجنة والنار يحول بين أهلهما، روى ابن جرير عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فقعدت بهم سيئاتهم عن دخول الجنة وتخلفت بهم حسناتهم عن دخول النار، فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله بينهم، وجاء في قوله تعالى: وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (سورة الأعراف: 46)، وفي قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (سورة الأعراف: 48)، ولم يذكر في غيرها من سور القرآن، ولكنه ذكر بلفظ (سور) في قوله: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (سورة الحديد: 13) .
وربما تدعى بأسماء الحروف المقطعة التي في أولها وهي: (ألف لام ميم صاد) فقد أخرج النسائي من حديث أبي الأسود، عن عروة، عن زيد بن ثابت: أنه قال لمروان: لقد رأيت رسول الله يقرأ في المغرب بأطول الطوليين: ألف، لام، ميم، صاد، وهو يجيء على القول بأن الحروف المقطعة في أوائل بعض السور هي أسماء للسور الواقعة فيها، وهو ضعيف، فلا يكون (المص) اسماً لسورة .
ولم تعد هذه السورة ضمن السور ذات الأسماء المتعددة، وأما ما في حديث زيد من أنها تدعى طولى الطوليين فعلى إرادة الوصف دون التلقيب .
وذكر الفيروزابادي في كتاب بصائر ذوي التمييز أن هذه السورة تسمى سورة الميقات لاشتمالها على ذكر ميقات موسى في قوله: وَلَما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمَهُ رَبهُ قَالَ رَب أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَر مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَما تَجَلى رَبهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَر مُوسَى صَعِقاً فَلَما أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَولُ الْمُؤْمِنِينَ (سورة الأعراف: 143)، وأنها تسمى سورة الميثاق لاشتمالها على حديث الميثاق في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُريتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (سورة الأعراف: 172)، وهي مكية بلا خلاف .
أغراض السورة
افتتحت السورة بالتنويه بالقرآن والوعد بتيسيره على النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغه، وكان افتتاحها كلاماً جامعاً وهو مناسب لما اشتملت عليه السورة من المقاصد فهو افتتاح وارد على أحسن وجوه البيان وأكملها، شأن سور القرآن .
وتدور مقاصد هذه السورة على محور مقاصد، منها:
النهي عن اتخاذ الشركاء من دون الله، وإنذار المشركين بسوء عاقبة الشرك في الدنيا والآخرة، ووصف ما حل بالمشركين والذين كذبوا الرسل: من سوء العذاب في الدنيا، وما سيحل بهم في الآخرة، وتذكير الناس بنعمة خلق الأرض، وتمكين النوع الإنساني من خيرات الأرض، وبنعمة الله على هذا النوع بخلق أصله وتفضيله، وما نشأ من عداوة جنس الشيطان لنوع الإنسان، وتحذير الناس من التلبس ببقايا مكر الشيطان من تسويله إياهم حرمان أنفسهم الطيبات، ومن الوقوع فيما يزج بهم في العذاب في الآخرة، ووصف أهوال يوم الجزاء للمجرمين وكراماته للمتقين، والتذكير بالبعث وتقريب دليله، والنهي عن الفساد في الأرض التي أصلحها الله لفائدة الإنسان، والتذكير ببديع ما أوجده الله لإصلاحها وإحيائها، والتذكير بما أودع الله في فطرة الإنسان من وقت تكوين أصله من القبول بدعوة رسل الله إلى التقوى والإصلاح . وأفاضت السورة في أحوال الرسل مع أقوامهم المشركين، وما لاقوه من عنادهم وأذاهم، وأنذر بعدم الاغترار بإمهال الله الناس قبل أن ينزل بهم العذاب، حيث يأتيهم بغتة بعد ذلك الإمهال .
وأطالت القول في قصة موسى مع فرعون، وفي تصرفات بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، وتخللت قصته بشارة الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته وفضل دينه، ثم تخلص إلى موعظة المشركين كيف بدلوا الحنيفية وتقلدوا الشرك، وضرب لهم مثلاً بمن آتاه الله الآيات فوسوس له الشيطان فانسلخ عن الهدى، ووصف حال أهل الضلالة ووصف تكذيبهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ووصف آلهتهم بما ينافي الإلهية وان لله الصفات الحسنى، صفات الكمال، ثم أمر رسول الله والمسلمين بسعة الصدر والمداومة على الدعوة، وحذرهم من مداخل الشيطان بمراقبة الله بذكره سراً وجهراً والإقبال على عبادته .
الصراع بين الحق والباطل
سورة الأعراف من أطول السور المكية وهي أول سورة عرضت بالتفصيل قصص الأنبياء من بداية خلق آدم إلى نهاية الخلق مروراً بنوح، هود، صالح، لوط، شعيب، موسى عليهم وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام .
والسورة تجسد الصراع الدائم بين الحق والباطل وكيف أن الباطل يؤدي إلى الفساد في الأرض، وفي قصص كل الأنبياء الذين ورد ذكرهم في السورة تظهر لنا الصراع بين الخير والشر وبيان كيد إبليس لآدم وذريته، لذا وجه الله تعالى أربعة نداءات متتالية لأبناء آدم بأن لباس التقوى خير وأبقى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سوءاتكم وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلهُمْ يَذكرُونَ (سورة الأعراف: 26)، وأن الشيطان هو عدوكم فاحذروا فتنته فهو الذي وسوس لأبيكم آدم حتى أوقعه في المخالفة لأمر الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنكُمُ الشيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سوءاتهما إِنهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنا جَعَلْنَا الشيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (سورة الأعراف: 27)، وألا تسرفوا: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنهُ لا يُحِب الْمُسْرِفِينَ (سورة الأعراف: 31)، وأن اتقوا الله وأصلحوا: يَا بَنِي آدَمَ إِما يَأْتِيَنكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (سورة الأعراف: 35) .
تحذير الغافلين
وتعرضت سورة الأعراف فيما تعرضت إلى أصناف البشر فهم على مرّ العصور ثلاثة أصناف: المؤمنون الطائعون، العصاة، والسلبيون الذين هم مقتنعون لكنهم لا ينفذون، إما بدافع الخجل أو اللامبالاة وعدم الاكتراث .
والسلبية هي من أهم المشكلات التي تواجه الفرد والمجتمع والأمة، وجاءت الآية لتدعونا إلى أن نحسم مواقفنا في هذه الحياة ونكون من المؤمنين الناجين يوم القيامة، ولا نكون كأصحاب الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم وينتظرون أن يحكم الله فيهم .
إذن بعد هذا العرض للسورة نستنتج أنه علينا الابتعاد عن السلبية، ولعل الغفلة من أهم أسباب التردد والسلبية، فعلى المسلم أن يسعى ألا يكون من الغافلين لأن الغافل قد يكون أسوأ من العاصي، فالعاصي قد يتوب كما فعل سحرة فرعون، أما الغافل فقد يتمادى في غفلته إلى حين لا ينفع معه الندم ولا العودة: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنمَ كَثِيراً منَ الْجِن وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَل أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ آية 179 .
والسجدة في الآية الأخيرة كأنما جاءت لتزيد في النفس الاستعداد للحسم فربما بهذه السجدة يصحو الغافل من غفلته ويحسم السلبي موقفه فيعود إلى الحق: إِن الذِينَ عِندَ رَبكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (آية: 206) .
وقد ختمت السورة بإثبات التوحيد كما بدأت به، وفي هذا دعوة إلى الإيمان بوحدانية الله تعالى في البدء والختام .