محمد حماد

سيف الدين قطز بن عبدالله المعزي سلطان مصر المملوكي، من أبرز ملوك دولة المماليك، على الرغم أن فترة حكمة لم تدم سوى عام واحد، فقد وحّد مصر والشام تمهيداً لمنازلة المغول وتمكن من وقف زحفهم الذي كاد يقضي على الدولة الإسلامية، وهزمهم هزيمة منكرة في معركة «عين جالوت»، ولاحق فلولهم حتى حرر الشام.
هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين، اسمه الأصلي محمود بن ممدود بن خوارزم شاه، ولقب بسيف الدين، وهو من بيت مسلم ملكي، وهو ابن أخت السلطان جلال الدين منكبرتي آخر السلاطين الخوارزميين الذي قاوم المغول فترة وانتصر عليهم ثم هُزِمَ منهم، وفرَّ إلى الهند، وأثناء فراره أمسك المغول بأسرته فقتلوا بعضهم واسترَقوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقَّهم المغول، وأطلقوا عليه اسماً مغولياً هو قطز وهي كلمة تعني «الكلب الشرس»، بسبب ما كان يبدو عليه من صغره من علامات القوة والبأس، ثم باعه المغول في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عزالدين أيبك، من أمراء مماليك البيت الأيوبي بمصر، وتدرج قطز في المناصب حتى صار قائداً لجند أيبك، ثم قائداً للجيوش.

كان قطز بطلاً شجاعاً عفا عن المحارم، مترفعاً عن الصغائر مواظباً على الصلاة والصيام وتلاوة الأذكار، نشأ على الحمية الإسلامية، والتربية العسكرية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية وأساليب القتال،وأنواع الإدارة وطرق القيادة،فنشأ شاباً أبياً محباً للدين معظماً له جلداً صبوراً،فضلاً عن كونه ولد في بيت ملكي،فكانت له طفولة الأمراء ما أعطاه ثقة كبيرة بنفسه،وكان لتاريخ أسرته التي هلكت تحت أقدام المغول أثر كبير في إدراك قطز للخطرالذي يشكله المغول على بلاد المسلمين.

عين الملك عز الدين أيبك الأمير قطز نائباً للسلطنة،وبعد أن قُتل أيبك،تولى الحكم السلطان الطفل المنصورنورالدين علي بن عز الدين أيبك،وتولى سيف الدين قطزالوصاية على السلطان الصغيرالذي كان يبلغ من العمر 15 سنة،وفي ظل هذه الأوضاع كُثرت الاضطرابات من قِبل بعض المماليك،وزاد استبدادهم وإيثارهم مصالحهم الخاصة على مصلحة البلاد والعباد وفي النهاية رأى قطز خاصة مع قدوم رسل المغول يهددون مصربالاجتياح،أن وجود طفل على سدة الملك يضعف من هيبة الحكم في مصر،ويزعزع ثقة الناس بملكهم،ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلاً،فقام بعزل السلطان الطفل نورالدين علي،واعتلى عرش مصر في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 ه، وبدأ منذ ذلك التاريخ يعدُّ العُدَّة للقاء المغول.

توحيد الصفوف

تولى قطز الحكم وكان الوضع السياسي الداخلي متأزماً للغاية، كما كانت هناك أزمة اقتصادية طاحنة تطبق على البلاد جراء الحملات الصليبية المتكررة، وجراء الحروب التي دارت بين مصر وجيرانها بالشام، وجراء الفتن والصراعات على المستوى الداخلي، فعمل قطز على إصلاح الوضع في مصر، وقد أيقن أنه لا يستطيع صد المغول بجيشٍ متشعب الولاءات بين الأمراء الذين يبحثون عن مصالحهم، فقطع قطز أطماعهم في الحكم عن طريق توحيدهم خلف هدف واحد،وهو وقف زحف المغول ومواجهتهم،وراح قطز يُحمس الأمراء للجهاد في سبيل الله، وخطب فيهم، وهو يبكي ويقول: «يا أمراء المسلمين، مَن للإسلام إن لم نكن نحن؟»، فأعلن الأمراء موافقتهم على الجهاد،وعلى مواجهة المغول مهما كان الثمن،فقام بتعيين فارس الدين أقطاي الصغير الصالحي مكانه قائداً للجيش،حيث وجد فيه كفاءة عسكرية وتصالح مع ركن الدين بيبرس البندقداري وجعله على مقدمة الجيوش،وسعى قطز إلى الوحدة مع أمراء الشام،فازدادت بذلك قوة الجيش المصري.

دور العماء

وكان من أفضل ما قام به قطز وهو يهيئ الأمة كلها من أجل معركة المصير ضد همجية المغول،أنه استطاع أن يحشد جهود العلماء المخلصين من أجل بث روح الجهاد في نفوس الشعب،وأخذ سلطان العلماء العز بن عبد السلام على عاتقه هذه المهمة،ومعه عدد من العلماء الأجِلاء الذين تحفظ لهم الأمة مكانتهم،ولمّا أراد فرض ضريبة على الشعب لتجهيز الجيش،وأفتى له العز بن عبد السلام بعدم الجوازإلا بعد أن يُخرِج الأمراء ما عندهم من أموالهم وأموال نسائهم وجواريهم،كان قطز أول مَن نفذ تلك الفتوى على نفسه،ثم طبقها على بقية الأمراء بالقوة،وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 658ه، وبشروق الشمس على سهل«عين جالوت» التقى الجيشان.

«وا إسلاماه»

قاتل المغول قتالاً رهيبًا، وابتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً،وكان قطز يقف في مكان عالٍ خلف الصفوف يوجه فِرَق الجيش إلى سد الثغرات،ويخطط لكل كبيرة وصغيرة،ولما وجد ضغط الجيش المغولي على ميسرة جيشه،دفع إليها بآخر الفرق النظامية من خلف التلال،ونزل قطز بنفسه إلى ساحة القتال يحفز الجنود،ويدعوهم للثبات وألقى بخوذته على الأرض تعبيراًعن اشتياقه للشهادة،وأطلق صيحته الشهيرة الخالدة:«وا إسلاماه»،ثم قال في تضرع:«يا الله انصر عبدك قطزعلى المغول».قاتل قطز مع الجيش قتالاً شديداً،واستجاب الله دعاءه فخارت قوى المغول تماماً،وقضى المسلمون على أسطورة الجيش الذي لا يقهروأبيد جيش المغول بكامله وقتل قائده كتبغا.انتهى قطز من حرب المغول وهزمهم وحرر الشام وقفل راجعاً إلى مصر،ودُبرت بليلٍ مؤامرة أمراء المماليك البحرية بقيادة ركن الدين بيبرس للتخلص من الملك قطززعيم المماليك المعزية،خوفاً من أن يتخلص هو منهم،كما تخلص من أستاذهم أقطاي من قبل،وانتهت بذلك حياة بطل عين جالوت،في يوم السبت السادس عشر من ذي القعدة من سنة ثماني وخمسين وستمئة هجرية.