وصفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: عجزت النساء أن يلدن مثل خالد وبكاه يوم مات بكاء كثيراً، وعلم الناس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب، بل يبكي فرصة أضاعها الموت من عمر، إذ كان يعتزم رد الإمارة إلى خالد بعد أن زال افتتان الناس به. ومحيت أسباب عزله لولا أن تداركه الموت وسارع خالد إلى لقاء ربه. ويذكر الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في كتابه صفة الصفوة، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى فقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفا وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم أو طعنة برمح، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير فلا نامت أعين الجبناء. وعن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد بن الوليد اجتمعت نسوة بني المغيرة في داره يبكين عليه، فقيل لعمر إنهن قد اجتمعن فانههن. فقال: وما عليهن أن يرقن دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعا أو لقلقة. وقال، وكيع: النقيع الشق، واللقلقة الصوت.
تضحية وجهاد
كان موت خالد بن الوليد، رضي الله عنه، في مدينة حمص، وذلك في سنة إحدى وعشرين هجرية، بعد حياة طويلة مملوءة بالبذل والتضحية والجهاد في سبيل الله.. نام سيف الله على فراش الموت حزينا على أنه بعد تلك المعارك التي خاضها لم يمت شهيدا. ويكفيه، رضي الله عنه، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه أخرجه مسلم.
ويروي محمود المصري في كتابه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، انه لما حضرت خالد الوفاة، قال: لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتها وأنا متترس، والسماء تهلني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار.
ثم قال: إذا مت، فانظروا إلى سلاحي وفرسي، فاجعلوهما عدة في سبيل الله. فلما توفي، خرج عمر على جنازته، فذكر قوله: ما على آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة، وفي رواية: وما عليهن أن يبكين أبا سليمان.
وعن نافع قال: لما مات خالد لم يدع إلا فرسه وسلاحه وغلامه، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان، كان على ما ظنناه. (أخرجه ابن سعد).
لقد خلق خالد ليكون قائداً، فعاش قائدا ومات قائداً، فغاب جسده، ولكن بقي حياً في النفوس، وآثاره بقيت خالدة في التاريخ، وانتصاراته كانت، ولا تزال، وستبقى، معجزة من معجزات تاريخ العرب والإسلام، بل تاريخ الحرب لكل الأمم في كل مكان.
وعندما خرج جثمان البطل خالد بن الوليد، رضي الله عنه، من داره محمولا على أعناق أصحابه ورمقته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن قالت تودعه: أنت خير من ألف ألف من القوم إذا ما كبت وجوه الرجال. وسمعها عمر فازداد قلبه خفقا.. ودمعه دمعا.. وقال: صدقت. والله إنه كان لكذلك. وووري جثمان البطل في مرقده.
الطفيل بن عمرو
أما الطفيل بن عمرو الدوسي، فقد جاءت كلماته معبرة عن اللحظة التي كان مقبلا فيها على سكرات الموت، فيروى أنه خرج مع المسلمين في موقعة اليمامة مصطحبا معه ابنه عمرو بن الطفيل. ومع بدء المعركة راح يوصي ابنه بأن يقاتل جيش مسيلمة الكذاب قتال من يريد الموت والشهادة.. وأنبأه أنه يحس أنه سيموت في هذه المعركة. وهكذا حمل سيفه وخاض القتال في تفان مجيد.. لم يكن يدافع بسيفه عن حياته. بل كان يدافع بحياته عن سيفه. حتى إذا مات وسقط جسده، بقي السيف سليما مرهفا لتضرب به يد أخرى لم يسقط صاحبها بعد.!! وفي تلك الموقعة استشهد الطفيل الدوسي رضي الله عنه.. تحت وقع الطعان، وهو يلوح لابنه الذي لم يكن يراه وسط الزحام.. يلوح له وكأنه يهيب به بأن يتبعه ويلحق به.. ولقد لحق به فعلا.. ولكن بعد حين.. ففي موقعة اليرموك بالشام خرج عمرو بن الطفيل مجاهدا وقضى نحبه شهيدا.. وكان وهو يجود بأنفاسه، يبسط ذراعه اليمنى ويفتح كفه، كما لو كان سيصافح بها أحدا.. ومن يدري؟ لعله ساعتئذ كان يصافح روح أبيه.