تحقيق: مصطفى عبدالرحيم
تتمتع الأجيال الجديدة بقدرة فائقة على التعاطي مع وسائل العصر الرقمية، من حواسيب، ومواقع، وهواتف، متفوقة بفارق كبير على الأجيال الماضية . ففي حين يحاول الأب مثلاً كتابة رسالة إلكترونية أو نصية، ويقضي الوقت في البحث عن مواقع الأحرف أو الأرقام . تجد الأنامل الصغيرة تدور في خفة لتنهي الأمر في ثوان معدودة . وبما أن العلاقة أصبحت وطيدة بين الجيل القادم والتكنولوجيا، فلابد من امتلاك الصغار لوسائلها في صور هواتف ذكية وأجهزة لوحية، ليمارسوا من خلالها أنشطتهم المفضلة، والتواصل مع أصدقائهم . لكن التحدي الذي يواجه الآباء حالياً هو السيطرة على الشغب الإلكتروني الذي يتسبب فيه الصغار للكبار، فبعضهم يريد الذهاب إلى المدرسة وهاتفه في حقيبته، ويخفي حاسوبه اللوحي في أماكن يستحيل على الكبار الوصول إليها، بينما يمسح آخر ملفات أهله المهمة بعد التباهي بفك كلمات المرور .
وصفت إسراء حسين، مصممة داخلية بشركة، الأصيل، للديكور بالشارقة، تعامل ابنها بلال (12 سنة) مع الوسائل التكنولوجية بالعبقري، حيث تعود كتابة دروسه عبر حاسوبه الشخصي بسرعة فائقة، وتمكن من تدشين صفحة له على موقع "فيسبوك"، يتواصل من خلالها مع أقاربه وأصدقائه . أما علاقته بالهاتف المتحرك فحدث ولا حرج، لأنه موجود على كل التطبيقات .
تقول: "مع دخول الدراسة اضطرت لإخفاء حاسوبه اللوحي، وتقنين عدد ساعات استخدامه، مع إتاحة الفرصة له لعمل أوراق العمل الدراسية، والدخول على المواقع التعليمية على الإنترنت من خلال الكمبيوتر العائلي المتاح للجميع" .
وتضيف: "أعرف أن ذلك كان قاسياً، خاصة بعد تعلقه بما يفضله من برامج وتطبيقات طيلة الصيف، لكني أدركت أن ذلك سيلهيه عن متابعة دروسه، فأصبحت أعطيه له للترفيه بعد الانتهاء من واجباته، وخلال العطلات الأسبوعية" .
وتقول: "كنت أتفنن بشكل يومي في إخفاء الكمبيوتر اللوحي الخاص به في أماكن مختلفة، حتى لا يتمكن من العثور عليه، فكنت أضعه مرة في المطبخ، وأخرى داخل الغسالة، وكنت متأكدة أنه يبذل جهداً كبيراً في البحث عنه أثناء غيابي عن المنزل" .
أما صديقتها أمل المندوه، اختصاصية علاج طبيعي بمركز النور الطبي، فرأت منع الأطفال من استخدام التكنولوجيا، بغض النظر عن الشغب المصاحب لتشبثهم بتلك الوسائل، خطأ كبير يقع فيه الأهل . يصب في نهايته في مصلحة العناد والتمسك الزائد بالتكنولوجيا .
وتقول: اشتريت لابني الأكبر هاتفاً متحركاً بعد تفوقه في المرحلة الإعدادية، والصيف الماضي كانت هدية نجاحه لعبة فيديو، ورغم المشكلات التي تنشب بينه وبين إخوته على أولوية اللعب، وسهره لساعات متأخرة من الليل، فإن الأمور تسير الآن بشكل جيد، خاصة بعد جدولة أوقات اللعب . وتضيف: يحتاج استخدام الأطفال لوسائل التكنولوجيا إلى ترشيد، تسبقه توعية بمسؤولياتهم تجاه مستقبلهم، فمرات كثيرة أجلس مع أبنائي لأوضح لهم أن وسائل التسلية موجودة ومتاحة ريثما ينتهون من واجباتهم، كما أفهمهم أن استخدامها مرفوض وممنوع في أوقات الامتحانات .
انتقلت المشاغبة الإلكترونية للصغار من داخل المنزل إلى صفحات التواصل الاجتماعي، حيث يعاني بعض المغردين التعليقات غير اللائقة، والأغاني والصور التي يرفعها الصغار . منهم محمد الهاشمي، مساعد مدير مدرسة، الذي يعاني المشاغبين الصغار على صفحتيه على موقعي "فيسبوك، وتويتر" . فبينما يكتب أطروحة أو تغريدة جادة عبر "الهاشتاج" ويجد تفاعلاً وردوداً جيدة من أصدقائه، يلحظ من يغرد خارج السرب من الصغار، برفعهم للأغاني وكتابتهم لتعليقات سخيفة لا تمت للموضوع بصلة .
ويقول: "يتخبط الصغار على مواقع التواصل الاجتماعي ويترك لهم الأهل كامل الحرية في استخدام التكنولوجيا مما يوقعهم في أخطاء لا حصر لها، من تعد باللفظ على الآخرين، والمساس بخصوصيتهم" . ويضيف: "أجيد التعامل مع الإنترنت منذ وقت طويل، وعندما تزوجت كانت زوجتي لا تعرف شيئاً عن استخدام الوسائل التكنولوجية، فقررت أن أعلمها قبل أن ننجب أبناء . وبالفعل يستخدم أبنائي في سن 8 و9 سنوات حالياً موقع "انستغرام"، لكننا نراقب ما يرفعون من صور، ومن يطلع عليها بشكل مستمر .
وعلى الرغم من التعليمات الصادرة من وزارة التربية والتعليم بمنع اصطحاب الطلاب للوسائل التكنولوجيا داخل المدرسة، تشهد بعض المدارس الشغب الإلكتروني، لاسيما استخدام الهاتف المتحرك داخل الصف .
عن ذلك يقول عصام فتح الله مدرس لغة عربية بمدرسة ابن الهيثم للتعليم الأساسي بعجمان: "قبل منع دخول الأجهزة الإلكترونية بما فيها الهواتف الذكية إلى المدارس، كان هناك شريحة من الطلاب تستخدمه في أضيق الحدود، وتتركه عند إدارة المدرسة عندما يطلب منها ذلك، لكن سرعان ما أصبح تواجد هذه الأجهزة من منغصات العملية التعليمية، وجاء المنع في مصلحتها" . وهناك بعض المواقف التي صادفتها كمعلم، فبينما كنت أشرح أحد الدروس المهمة قبل موعد الامتحانات، فوجئت بأصوات غريبة تصدر عن أحد الهواتف، وتبين أنها لطالب يلعب ألعاب الفيديو أثناء الحصة، وفي فصل آخر كان أحد الطلاب يرد على أصدقائه عبر السماعة بصوت خافت" . ويضيف: "الإجراء المتبع في هذه الحالات هو أخذ الهواتف أو الحواسيب، وتسليمها للإدارة، التي تتوجه بتحذير للطالب واستدعاء ولي أمره إذا أصر على تكرار هذا الموضوع مرة أخرى" .
ويشير فتح الله إلى عدم وعي بعض الطلاب لأهمية الحصة والدرس، ليس لأن المعلومات المشروحة ستكون موضع الامتحانات فقط، لكن بعضهم غير مدرك لأهمية التسلح بالعلم والمهارات اللازمة للمستقبل .

توعية الآباء

تقول الدكتورة إيناس أبو لبدة، أستاذة التعليم الإلكتروني وعميدة شؤون الطلاب بجامعة العين للعلوم والتكنولوجيا: "تشكل الوسائل التكنولوجية الحديثة أهمية كبيرة في عالم اليوم، فبها تدار الأعمال ويتواصل الناس، ويتعلم الطلاب، لكن المشكلة دائماً تكمن في الاستخدام الخاطئ لها من قبل الأبناء، لاسيما صغار السن . وغياب الرقابة من الأهل على ما يستخدمونه، خاصة أن كل الأجهزة أصبحت متصلة بالإنترنت" .
وتتابع: "قبل أن نطلب من الأبناء ترشيد الاستخدام، وعدم التباهي باختراق المواقع، واقتحام خصوصية الآخرين، يجب أن يبني الآباء في مخيلة أبنائهم أولاً بنية تأسيسية للاستخدام السليم لتلك الوسائل، فمن غير المعقول أن يجلس الأب بالساعات أمام ابنه ورأسه في الهاتف المتحرك، ويطلب منه عدم الإفراط في استخدامه" . وتضيف: "في ظل غياب التوعية والرقابة الأسرية على استخدام الصغار لوسائل العصر، تفاجأ بعض الأسر التي أعرفها بأطفال في عمر الزهور، قادرة على الدخول إلى ملفات الأهل وتخريبها، أو إزعاج الموجودين على صفحات التواصل الاجتماعي" .
وتؤكد أبو لبدة أهمية إيجاد الأهل لبدائل أخرى تجذب الصغار عن الوسائل التكنولوجية، كأن يأخذوهم إلى أماكن ترفيهية يتواجد فيها الأقران، للعب والتعارف . بعدما أصبح اللعب والتواصل بين الصغار إلكترونياً، مشددة على ضرورة الحوار والمراقبة المستمرة حتى لا يجني الكبار ثمار شغب صغارهم الإلكتروني .