حوار:آلاء عبد الغني

خلف بساطتها وهدوئها تخبئ عالماً متناهي العمق، يحتاج الكثير لاستكشافه، وفي قلبها تختزن الكثير من محبة الناس والتفاني في العمل الذي يعطيها دافعاً كبيراً للتميز والإيمان بقدرتها على العطاء الذي لا يعرف حداً يقف عنده.. لأن الوطن حين يعطي أبناءه لا يبخل عليهم بشيء، وهو ما جعلها تغير دفة حلمها بدراسة اللغة الإنجليزية والتوجه إلى بكالوريوس اللغة العربية وآدابها لرد جزء من جميل الوطن.
وشكّل التعليم هاجساً لديها، ورغم جميع التحديات واصلت مسيرتها بخطى ثابتة وواثقة، وقدمت على مدار 9 سنوات من روحها ونفسها لطلابها، وبأسلوبها الخاص وإيمانها بأن التعليم ليس عملية نقل معلومات، بل هو رسالة سامية، استطاعت أن تكتسب حب طالباتها لتنشأ بينهن صداقة العمر.

وكان إخلاصها في العمل ضمن أروقة وزارة الثقافة وتنمية المعرفة عام 2007 في قسم التأليف والنشر جواز عبورها نحو التميز والريادة، فحصلت على وسام الموظف المتميز بعد عام واحد من الالتحاق بهذا القسم، لتؤكد أن المرأة الإماراتية تمتلك كل مقومات التفوق والنجاح، كما حصلت على وسام رئيس القسم المتميز عام 2012، لتصعد سلم النجاح، وتتبوأ منصب مديرة المركز الثقافي التابع للوزارة في أبوظبي عام 2014 الماضي، وما زال في جعبتها الكثير من الإصرار على مواصلة مسيرة التميز وطموحها يرسم نجاحاتها، لأنها تعرف دائماً إلى أين تسير وماذا تريد... وشعارها الريادة دائماً.. إنها منى سلطان العامري، مديرة المركز الثقافي بوزارة الثقافة وتنمية المعرفة في أبوظبي، وتالياً نص الحوار معها:
رحلتك الجامعية.. ما دورها في اختيار مسارات حياتك؟
التخصص الذي كنت أتمناه يختلف تمام الاختلاف عن ذاك الذي اخترته، فطموحي كان آداب لغة إنجليزية، لكنني عرفت لاحقاً أن هناك حاجة في الدولة لوجود تخصصات لغة عربية، وطموحي كان أن أصبح معلّمة، وهذا ما شجعني على الانتقال إلى تخصص يختلف تماماً عما كنت أتمناه، واختيار اللغة العربية بما يتماشى مع متطلبات وحاجات الدولة في تلك المرحلة، وبعد انتهائي من الدراسة الجامعية عملت مدرّسة لغة عربية، ولم أشعر بالندم أبداً فلقد توفرت جميع التسهيلات لنا، وكانت الدراسة ممتعة وتميزت في تخصصي هذا وفي عملي بتوفيق من الله عز وجل.
خبرة تراكمية
السائد أن التدريس مهنة شاقة، فما هي الصعوبات التي واجهتك خلال عملك في هذا الميدان؟
واجهت في البداية بعض الصعوبات في التعامل مع الأطفال، وكان التعليم باعتقادي نقل معرفة فقط، لكني وجدته في حقيقة الأمر مختلفاً تماماً عن تصوري هذا، ومع الخبرة التراكمية يصبح الأمر أكثر سهولة في التعامل مع الأطفال واستيعابهم وتقويم سلوكياتهم، ولأني أحب مهنة التدريس فقد تعلمتها بسرعة ونجحت وتميزت بها، ووالدتي كانت دائماً تشجعني وتمنحني الحافز الأكبر على الاستمرار ومواجهة أية صعوبات تعترض طريقي.
وفي منتصف مسيرتي التعليمية التي امتدت على مدار 9 سنوات، أحسست أنني لا أستطيع الاستمرار في هذا المجال، وكنت أفكر بتقديم استقالتي، إلى أن جاءت مديرة المدرسة التي كنت أعمل بها، وهي الأستاذة شيخة القطام، ودخلت صفي فجأة، وأنا أعطي الدرس، وقالت لي «أنت خلقت لتكوني مدرّسة»، وهذه الكلمة شكلت لي حافزاً للاستمرار في مهنة التدريس 5 سنوات إضافية بعد السنوات الأربع الأولى التي قطعتها في هذا الميدان، إذ درّست في مدرسة «الزلاقة» في بني ياس، بجوار سكن عائلتي، وبعد الزواج انتقلت للتدريس في مدرسة «القدس» في أبوظبي، إلى أن جاء الوقت الذي أحسست فيه أن طموحي أكبر من ذلك، وأن لدي طاقات أكبر لأوظفها في مجالات تختلف عن التدريس، وتحرك في نفسي الشوق إلى الأدب والتأليف والكتب، لأنتقل بعدها للعمل في وزارة الثقافة وتنمية المعرفة.

قيمة المعلم
برأيك لماذا تقل نسبة المواطنين العاملين في ميدان التدريس مقارنة بالقطاعات الأخرى؟
لقد بدأ اليوم الوعي بأهمية هذا القطاع لدى المواطنين، ورغم ذلك نجد عزوفاً من قبل كثيرين عن الالتحاق به، ومن أبرز أسبابه من وجهة نظري ضعف تقدير المعلم على الرغم من أننا نجد أن أقل موظف في القطاعات الأخرى، يتم تقديره أكثر من المعلم، ولابد من إعطاء المعلم قيمة كبرى ليشعر بأهمية عمله السامي في تربية الأجيال، ولدي شغف بالعودة إلى التدريس لكن يحزنني عدم وجود تقدير للمعلم، وهو ما يحول بيني وبين العودة إلى هذا الميدان التربوي الجليل.

حدثينا عن عملك في وزارة الثقافة، كيف بدأ وتطور؟
رزقني الله بوظيفة تتلاءم مع ميولي ورغباتي بالتوجه إلى الأدب والتأليف، حيث التحقت بالعمل في «وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع» سابقاً، «وزارة الثقافة وتنمية المعرفة» حالياً، وانتقلت من موظفة في قسم التأليف والنشر عام 2007، إلى رئيسة القسم عام 2010، ثم مديرة المركز الثقافي في الوزارة عام 2014.

الخبرة التربوية
ماذا استفدت من خبرتك في التدريس على مدار 9 سنوات؟ وكيف انعكس ذلك على حياتك في المراحل اللاحقة؟
تعلمت الصبر وأصبحت علاقتي بتلاميذي طيبة جداً وممتدة، وبعد خروجي من ميدان التدريس بقيت على تواصل معهم، وأينما أذهب إلى أية مؤسسة وأجد أحداً من طلابي أشعر بالفخر بهم، فالطالب عندما يكبر يشعر بتعب معلمه عليه، ففي أحد المعارض صادفت طالبة من طالباتي لم أعرفها بداية لأنها منتقبة، نادتني وجاءت تطلب مني أن أحررها من عقدة الذنب التي تعيشها، نظراً للعذاب الذي تسببت به لي، إذ إنها كانت على درجة كبيرة من الشغب، وكنت أضيّع وقتاً كبيراً من الحصة الدراسية لتوجيه النصائح والإرشادات لها، لكن عندما تزوجت هذه الفتاة وأنجبت طفلتين أحست بالتعب والجهد الذي يبذله المعلم، وشعرت بقيمة عمله التربوي النبيل.
ومن الأشياء الجميلة في وظيفتي بوزارة الثقافة أنني كنت أذهب في مهمات رسمية، وذهبت ذات مرة إلى سورية حيث التقيت إحدى طالباتي المتميزات، التي اضطرتها ظروف عمل والدها للعودة مع عائلتها إلى سورية، وكانت فرحتها عارمة بلقائي، ولم تصدق أننا التقينا، وبقيت معي طوال فترة مهمتي نخرج معاً وتلازمني في كل الأوقات، وإلى الآن ما زلت على تواصل معها بعد زواجها.
ومن خبرتي أؤكد أن المعلم العصبي يشعر بالتعب أكثر من الطالب، لكن حينما يوسع صدره ويسمع طلابه ويتقرب منهم يربح الطرفان، إذ يكسب المعلم راحة البال ويحظى بمحبة الجميع من حوله، ويوصل المعلومة لطلابه بسهولة ويسر، وسابقاً كان المعلم يلتحق بقطاع التعليم من دون وجود مقاييس تبيّن ما إذا كان مؤهلاً لشغل هذه المهنة أم لا، لكن حالياً أصبح هناك وعي أكبر وقياس نسبة تأهيل المعلمين لهذا المجال قبل التحاقهم به، والدولة تبذل جهوداً دؤوبة لرفع قيمة المعلم، الذي يستحق، حقيقة، كل التقدير والتبجيل تكريماً لعطائه.
وخلال عملي في التدريس لمدة 9 سنوات تعلمت الصبر والعطاء بمحبة، وكانت نظرة واحدة لطلابي بمثابة تأديب لهم، وتركت أسلوب الترهيب إلى الترغيب لأكتسب حبهم، كما تعلمت كيفية التعامل مع شخصيات مختلفة ولديها فروق فردية، وأصبحت أكثر تأنياً في خياراتي وأعطي الأشياء قيمة أكبر من السابق، وأحمد الله على أن ابنتيّ تشعران بقيمتي، واستفدت من هذا المجال في تعاملي معهما، وقررت الابتعاد عن دور المعلم عندما أكون معهما، ولم أترك صفات المعلم النمطية تطغى على شخصيتي كالجدية والصرامة الشديدة، فقد أخذت من هذه المهنة جميع الصفات المحببة للناس، وتركت تلك التي لا يحبذونها.
إنجازات متميزة
ما هي الجوائز التي حصلت عليها لقاء تميزك في العمل؟
حصلت على جائزة الموظفة المتميزة عام 2008، ثم بعدها حصلت على جائزة رئيس القسم المتميز، وكانت لي إنجازات متميزة، وحصولي على وسام الموظف المتميز بعد عام واحد من الالتحاق بهذا القسم جاء نتيجة ما بذلته من جهد وتخطيط جيد وتفانٍ وإخلاص في العمل، وهو دليل على أن المرأة الإماراتية تمتلك كل مقومات النجاح، طالما توفر لها المناخ والبيئة الحاضنة لها، والتي تحفزها على الإبداع.
وعندما حصلت على ترقية إلى رئيس قسم التأليف والنشر في الوزارة، زاد ذلك من ثقتي بنفسي، وآمنت بأن لكل عطاء ثمرة، وشعرت بسعادة عارمة حين حصلت على وسام رئيس القسم المتميز عام 2012، فهذا التكريم وضعني أمام مسؤولية أكبر تتجسد في الحفاظ على النجاح الذي حققته.
} كيف كانت طفولتك ونشأتك؟
عائلتي بسيطة تنحدر بأصولها من مدينة العين، ولكن لظروف عمل والدي اضطررنا للانتقال إلى مدينة أبوظبي، وأنا أكبر إخوتي، والأخت الكبرى بمثابة الأم الثانية، وهذا أعطاني إحساساً أكبر بالمسؤولية، وأتواجد مع إخوتي في كل مناسبة، ويستشيرونني في معظم أمورهم، ووالدي ووالدتي تركا الأثر الأكبر في نشأتي.
أين تلقيت تعليمك الأساسي؟
تلقيت تعليمي الأساسي في مدرسة أروى، ثم انتقلت لمدرسة «ذات الصواري» في بني ياس، وبعدها التحقت بجامعة الإمارات العربية المتحدة.
هل لنا أن نعرف نبذة عن أسرتك؟ وكيف تقضين أوقاتك معهم؟
لدي نورا وريم هما زهرتا حياتي، الكبرى تدرس في الصف الثالث الابتدائي، والصغرى لم تتجاوز ربيعها الخامس، أحاول قدر الإمكان التواجد معهما والاهتمام بأدق التفاصيل التي ترتبط بهما.
التوازن الصعب
من منظورك الشخصي، كيف يمكن للمرأة أن تحدث توازناً بين عملها ومنزلها وأسرتها؟
للأسف هناك كثيرات لا يستطعن إيجاد معادلة تحقق التوازن بين عملهن وأسرهن، ومرد ذلك إلى طول ساعات العمل، واختلاف أوقات دوام الأطفال في المدارس عن بعضهم البعض، وبالنسبة لي أحاول قدر الإمكان رؤية ابنتيّ صباحاً قبل مغادرتي المنزل، ويجب أن أكون حاضرة معهما، وأشرف بنفسي على إطعامهما وتجهيز ابنتي الكبرى للمدرسة، وعند عودتي من عملي إلى المنزل أحرص على إشعارهما بوجودي، وأقوم بالتدريس لابنتي نورا، وأعطيهما كل ما أستطيع من وقتي، وحتى عندما أشعر بالتعب لا أهملهما بل يبقى اهتمامي بهما كما هو، كما أحرص على أن أكون قدوة لهما في كل شيء، وأغرس فيهما قيم ديننا الإسلامي الحنيف، وقد أهديتهما ثياباً للصلاة، وعندما أصلي تسارعان لارتدائهما لأداء هذه الفريضة معي. فإن التواجد مع أطفالنا لا يمكن تعويضه بأي شيء في الوجود، ومهما ثقلت الأعباء على كاهل الأم يجب عليها أن تنسى كل شيء خارج منزلها، وتدخل على أطفالها إنسانة أخرى لا شيء يشغل عقلها وقلبها إلا هم، لأن كل دقيقة تقضيها الأم مع طفلها لا يعوضها شيء في العالم، ولابد لها من أن تلعب دورها التوجيهي والإرشادي معه بطريقة بسيطة ومحببة من خلال سلوكياتها وتقديم نماذج وأمثلة للطفل على قدر استيعابه وتفكيره مع إعطاء مبررات لكل ما هو سلبي ومنهي عنه لإقناعه بذلك.
ويجب أن يكون هناك وعي لدى الزوجين، وحوار بينهما لتقاسم المسؤوليات، لأن المرأة إذا قامت بجميع الأدوار حتى تلك المناطة بالرجل، فسيأتي الوقت الذي تصل فيه إلى الانفجار فتشتعل الخلافات ويتهدد استقرار الأسرة.

تمكين المرأة
كيف تنظرين إلى مسيرة تمكين المرأة في الدولة؟
حققت ابنة الإمارات قفزات متتالية على المستويات كافة، ولا يوجد موقع من المواقع أو ميدان من الميادين إلّا والمرأة الإماراتية حاضرة بقوة فيه، بما في ذلك مواقع صنع القرار، واليوم نرى 8 وزيرات في الحكومة، وهذا فخر لكل امرأة إماراتية، ولقد أصبحت المرأة الإماراتية مثالاً يُحتذى به عالمياً بفضل الدعم منقطع النظير الذي تحظى به من القيادة الرشيدة منذ عهد المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعطاء سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، نهر لا ينضب، وتمكين المرأة هو النهج الذي سار عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ونحن شعب تتوفر له جميع مقومات الرفاهية والحياة الكريمة والسعادة، ودولتنا تحرص على إسعادنا وتحقيق كل ما نحتاج إليه قبل أن نفكر به.
عالم الكتب
دخلت مجالات الثقافة فكيف تتواصلين مع عالم الكتب، وما أكثر الكتب التي تركت أثراً في نفسك؟
حبي للقراءة والثقافة هاجسي الذي دفعني لترك قطاع التعليم والتوجه للعمل في وزارة الثقافة، وفي مجال عملي بالوزارة أدركت أن الكُتّاب لهم عالمهم الخاص، وأن الكتاب عالم بحد ذاته، ولولا عملي في وزارة الثقافة ما أصبح لدي هذا الشغف بتنمية حب القراءة في ابنتيّ، كما أنشأت مكتبة في منزلي، وذلك بعد المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة «في كل بيت مكتبة».
أكثر الكتب التي أثرت في نفسي كتاب رؤيتي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إذ إنني كلما فتحت هذا الكتاب أتعلم شيئاً جديداً.