يستأنف اليوم الخميس وفدا السودان وجنوب السودان، مسلسل محادثاتهما في أديس أبابا، في القضايا العالقة بينهما منذ إنفاذ اتفاقية السلام الشامل، وتأتي المحادثات هذه المرة وسط أجواء مختلفة وحراك سياسي كبير خاصة في السودان الذي اجتاحته تظاهرات واحتجاجات غير مسبوقة في عهد حكم الإنقاذ الوطني الذي أكمل، قبل أيام، عامه الثالث والعشرين .
باتت الطرفة السياسية الشهيرة التي تتحدث عن إجابة عرافة لمن سألها عن مدة حكم البشير هل ستتجاوز حكم الراحل نميري 16 عاماً أم تقل عن ذلك، وبالطبع كان السؤال قبل أن تكمل الإنقاذ سنوات نميري، فما كان من العرافة إلا أن قالت إنها ترى الستة ثابتة، لكن الواحد يتراوح بين اليمن تارة واليسار تارة، ما يعني أن حكومة الإنقاذ يمكن أن تبقى 61 عاماً .
ومع أن كر السنوات الماضية رفع من أسهم صدقية العرافة، إلا أن ما جرى خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، دفع باعتقاد أن حكم الإنقاذ ربما لن يبقى اكثر من حسني مبارك ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي وعلي عبدالله صالح . فقد اجتاحت البلاد تظاهرات نادرة في عهد هذه الحكومة، شكلت حراكاً سياسياً كبيراً، ودفعت بزخم كاد ينسى، منذ انتفاضة السودانيين الشهيرة في منتصف الثمانينات، مترافقة مع موجة غلاء غير مسبوقة اجتاحت البلاد، وقرارات اقتصادية حارقة أطلق عليها التقشف رسمياً وشعبياً .
جمعة لحس الكوع
وشهدت الأسابيع الثلاثة الماضية،تظاهرات بدأت محدودة ثم اتسع نطاقها شيئاً فشيئاً حتى عمت معظم ولايات السودان ومدنها، غير أن النسبية صاحبتها حتى جمعة لحس الكوع التي قلبت الموازين، وأبدلت النظرة الرسمية لتلك التظاهرات، كما دفعت بقيادات في المعارضة، ظلت ترقب الحدث بتردد، إلى أن تنضم إلى موجة التظاهرات، وتبدي استعداداً لقيادتها، فقد شكلت جمعة لحس الكوع تغييراً نوعياً في الاحتجاجات التي طغى عليها الطابع الطلابي والشبابي، ليدخل عليها طابع ربيع عربي، من تواصل إلكتروني عبر وسائل الاتصال الاجتماعي الشهيرة من فيس بوك وتويتر، ما سمح لأن تحظى الجمعة المذكورة برواج إعلامي وإعلاني كبيرين، فضلاً عن أن تسمية الجمعة نفسها، دفع بها إلى مصاف الجمع التي شهدتها ميادين دول عربية مجاورة غشاها الربيع العربي . بيد أن أمراً لافتاً حدث بعد تلك الجمعة، حار المراقبون في تحليله، وهو أن زخم المظاهرات، تراجع بعد تلك الجمعة، وحتى القوى السياسية المعارضة لجأت إلى بيانات مهادنة، بل دفعت بشروط لقيادة التظاهرات والوقوف خلفها، منها اطمئنانها إلى إيجاد بديل مقبول، وسرعان ما امتصت الحكومة قلقاً بدأ يدب في أوصالها، وعادت إلى إنفاذ معالجات اقتصادية سريعة، لإنعاش مزاجية المواطنين، بتدشين حافلات بنصف القيمة للطلاب وتفعيل منافذ بيع استهلاكية بأسعار مخفضة، وإطلاق تطمينات عديدة بتثبيت أسعار سلعة السكر، قبيل أسابيع من شهر رمضان، حيث تحتل السلعة المرتبة الأولى الأكثر أهمية بين بقية المواد الاستهلاكية الأخرى . كما دفعت الحكومة بطاقمها لافتتاح وتدشين عدد من المشاربع التنموية، التي كانت تخطط لإطلاقها في الذكرى السنوية لعيد الإنقاذ الوطني الذي صادف عشية جمعة لحس الكوع عامه ال23 .
ولم يفلح مراقبون في تسمية أسباب تراجع الدفع المحوري للتظاهرات، فحتى ما سبق من أسباب لم تجد أسهماً كبيرة، فالظن أن العنف الذي جابهت به الحكومة التظاهرات، كان ليزيد من زخمها وليس العكس، استناداً إلى تجارب تاريخية كثيرة خارجية وداخلية، وكاريزما سودانوية شهيرة في الخصوص .
غير أن آخرين، رأوا في التراجع هدنة هشة سرعان ما ستنهار، ربما قبل نشر هذا التقرير، كما يعتقد أن التظاهرات التي بدأت بطابع عشوائي، أدخلت عليها جمعة لحس الكوع، ترتيباً وتنظيماً، بفضل لحاق قوى المعارضة لموجتها . وما بين تلك الأسباب وغيرها، يظل المشهد السياسي متخماً بترقب حذر، كما تظل جعبة الحكومة حبلى بمفاجآت، لا يعلم كثيرون ماهيتها، لكنهم يتفقون على أن السلطة لن تشذ عن قاعدة جيرانها في مجابهة أية محاولات لإسقاط النظام بأقصى وسائل الدفاع عنه .
تحذيرات مسبقة
وقسرياً تعود قراءة المشهد السوداني، إلى ما قبل القرارات الاقتصادية التي أشعلت فتيل الأزمة المكتومة، حيث كان يسود اعتقاد بأن السودان بعيد عن أجواء الربيع العربي، رغم ما سودت به المعارضة صفحات المشهد من تحذيرات وتوقعات، مقابل تقليل مستمر من السلطات في أعلى مستوياتها من تلك التحذيرات والاطمئنان إلى أن البلاد في منأى من أي ربيع عربي أو سوداني، وتعود مؤشرات التأسيس إلى ذلك الاعتقاد بأن ما حدث، تنفيس ضروري لصبر طويل على سياسات لم ينل المواطن منها سوى الغلاء والفقر والمكابدة المعيشية .
ويشير مراقبون إلى أن درهم حظ حكومة البشير، سيتدحرج مرة أخرى، ليستفيد إيجابياً من تلك التظاهرات، إن كان بإطلاق يده الأمنية التي كانت مغلولة بمحاذير خارجية وداخلية، أو الانتباه إلى الهاوية التي يتدحرج إليها النظام، بالمحسوبية والمحاباة والصرف البذخي، وهو ما بدأت الرئاسة في التعامل معه بقرارات تقشف أقالت عدداً كبيراً من الوزراء والمستشارين والمسؤولين .
وبالعودة إلى بدء التقرير، فإن محادثات أديس أبابا التي كانت تستحوذ على كل المشهد السياسي، توارت بفضل التظاهرات والاحتجاجات، حتى إن جولتها الأخيرة التي انهارت، وعاد وفد الحكومة إلى البلاد، لم تجد حظاً إعلامياً ولا اهتماماً كبيراً كما كان يحدث، وربما كانت الجولة الموضوع الأكثر قلقاً وترقباً وسط الطاقم الحكومي من التظاهرات نفسها، فكل ما يحدث في الخرطوم يطلق صوتاً في جوباً، وبالتالي يزيد من صعوبة اختراق الملفات العالقة، وكسب دولة الجنوب لمساحات تفاوض أكثر، فكل ما دار خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وما يتوقع خلال الأيام المقبلة، مرتبط قسرياً بانفصال دولة الجنوب عن الشمال وذهابها بالنفظ، الذي كان يدثر حكومة الخرطوم من زمهرير شتاء سوداني قارس، يبدو الربيع العربي بجانبه، هواءً منعشاً .
ويعتقد مراقبون، أن تظاهرات الخرطوم ستلوي ذراع وفدها المفاوض، وربما دفعته إلى القبول بصفقة سريعة، خاصة في نطاق تصدير بترول الجنوب عبر أراضيها، والموافقة على رسوم رفضتها من قبل، للخروج سريعاً من أزمتها الاقتصادية، وكما استخدم أحد المسؤولين المثل السوداني المال تلته ولا كتلته أي الرضا بالثلث بدلاً عن الموت بحثاً عنه .
وبالطبع عندما يعود وفد الحكومة السودانية اليوم إلى أديس أبابا سيصطحب معه مشاهد من الخرطوم، ورؤى مختلفة، ربما دفعت إلى لغة حوارية مختلفة كذلك، وتنازلاً إن لم يكن دافعه التظاهرات والاحتجاجات وجمعة لحس الكوع، سيكون بسبب الضغوط الاقتصادية التي لم تعد خافية على أحد، بل إن كل المسؤولين، وفي أعلى مستويات الحكم أقروا بها، وبدأوا عملاً واقعياً معها، أو هكذا أوحت تلك القرارات التي أشعلت النار، وإن كانت جولة المباحثات الجديدة ستبدأ عشية جمعة، لم يعلن حتى الآن عن اسمها، إلا أنها ستكون حاضرة على طاولة التفاوض .
المشهد الآن يشير برمته إلى تطورات مقبلة، وإن كان زخم الأسبوعين الأولين بدأ يفقد بريقه، إلا أن تناول جهات خارجية لما يدور في السودان، أعاد بعضه، فالولايات المتحدة الأمريكية لم تفوت الفرصة وأدلت بدلوها تحذيراً وتنبيها وترغبياً، وكذلك فعلت دول الاتحاد الأوروبي، وطالت موجة بيانات الشجب، مراكز حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية، وأشارت التقارير إلى معتقلين تجاوز عددهم الألف شخص، ومصابين كثيرين، ونددت البيانات باستخدام درجات عالية من العنف في مواجهة مواطنين عزل .
فرصة حركات التمرد
وكذلك الحال، فقد أطلت حركات التمرد في دارفور، والجبهة الثورية، قطاع الشمال من حركة الجنوب الشعبية، وأعلنت مساندتها وإشادتها بمساعي المواطنين لإسقاط النظام في الخرطوم، وعلى الرغم من النفي الرسمي المتكرر من قبل حكومة جنوب السودان بوجود أي علاقة لها بالحركة الشعبية - شمال التي تحارب النظام في جنوب كردفان والنيل الأزرق أو حركات دارفور المسلحة، التي ترفض الحكومة السودانية التفاوض معها، فإن تلك الجبهات لم تفوت الفرصة، وخاصة أنها كونت سابقاً تحالفاً لإطاحة النظام، ووجدت في تظاهرات الخرطوم فرصة للعودة إلى المشهد السياسي مرة أخرى .
بيد أن مصدراً أمنياً، يرى في ما سَمّاه تسرعاً ولهفة غير مدروسة من قبل تلك الحركات، سبباً في تراجع التظاهرات، ويقول إن تلك الحركات ستقدم خدمة كبيرة للنظام بإعلاناتها تلك، لأنها لم تفهم حتى الآن موقف الشعب منها، ورفضه لأي تغيير إن كان هناك تغيير .
ويشير المصدر إلى أن عدداً من المسؤولين والأجهزة استخدم وجود هذه الحركات المسلحة لتخويف المواطنين وحثهم على مقاطعة المظاهرات التي تعمل على خلق بلبلة في الخرطوم، تمهيداً لدخول الحركات المسلحة وخلق فوضى أمنية في العامة، وهذا ما لن يقبل به الشعب الذي نعرفه .
عودة وفدي البلدين، السودان وجنوب السودان، اليوم إلى أديس أبابا مطلوبة ومرغوبة، كحائط صد من عودة الحرب بينهما، وإن كانا آخر من يرغب في عودتها، بسبب الظروف الاقتصادية التي يمران بها، فجنوب السودان ليس بأفضل حال من جاره، فالأزمة الاقتصادية هناك ربما كانت أسوأ، لكن وسائل إخراجها إلى العلن ضعيفة أو مكبوتة، وتبدو جولة المباحثات مرهونة بما ستسفر عنه الأيام الجارية والمقبلة، والرهان على مثابرة وآلية دينماكية للتظاهرات مايزال ضعيفاً، كما هو الرهان على قوى المعارضة في قيادة ربيع عربي منظم يستمد استمراريته من قوة التنظيمات المعارضة نفسها، وهو رهان يرى كثيرون أنه خاسر حتى الآن على الأقل، ويشيرون إلى أن الشارع الغاضب هو من يقود المعارضة الآن وليس العكس .
كما يشير المراقبون، إلى قراءة أمريكية للمشهد تؤكد أن آمال الشعب السودانى في نيل ربيع عربي، كما حدث في العديد من الدول العربية، أمر بعيد المنال . على الرغم من أن تلك التحركات عززت الآمال من أجل إطلاق ربيع السودان في موازاة للاحتجاجات التي أطاحت الأنظمة الديكتاتورية في كل من مصر وتونس . ومع ذلك تعد تلك الاحتجاجات الأكبر في تاريخ حكم الرئيس عمر البشير منذ العام 1989 .
وتبقى الشعارات المرفوعة للمتظاهرين، موحية بانتقال النقد إلى حكومة البشير من مربع انحصر في الفساد والرشوة والمحاباة والمحسوبية، تعودت عليه مؤسسات الحكم كما برعت في الرد عليه، إلى مربع آخر، يطالب هذه المرة بتغييرات جذرية بما في ذلك إطاحة النظام، والإفراج عن السجناء السياسيين وإنهاء الاحتكار للسلطة .
وبعيداً عن الاعتقاد بأن حكومة البشير بلغت أقصى درجات اليأس خلال الشهر الماضي، ولم تجد ممولاً لإنهاء أزماتها كما كان يحدث، حيث فشلت في إقناع أصدقاء تاريخيين لدعمها، وعاد وزير ماليتها من دولة مجاورة خاوي الوفاض، إلا أن سنوات حكم فاقت العشرين، وخبرات متراكمة في إيجاد مخارج للأزمات، وعدم التردد في استخدام كل ما من شأنه الحفاظ على استمرار النظام، ستظل نافية لذلك اليأس، خاصة أن هناك اعتقاداً جازماً لدى المسؤولين، بأن كل محاولات هز شجرة النظام باءت وستبوء بالفشل، وهو ما قاله النائب الأول للرئيس السوداني، علي عثمان محمد طه، بأن محاولات تحريك الشارع وإسقاط النظام فشلت بعد تفهم الشعب لطبيعة الإصلاحات التي ترمي إلى إنعاش الاقتصاد بالدولة، وسارع ليسقيها ثباتاً وولاءً ودعماً يعمِّق جذورها .