غالباً ما يستخدم مصطلح صراع الأجيال بدلالاته السلبية للتعبير عن اختلاف الأمزجة وإيقاعات الحياة بين جيل وآخر، والأدق هو تكامل الأجيال وليس صراعها، لأن من يرى نفسه طويل القامة قد ينسى أن أباه يحمله على كتفيه فيبدو أطول منه، ولو كانت العلاقات بين الأجيال المتعاقبة صراعاً فقط، فإن الإنسان سيجد نفسه مع كل جيل يبدأ من الصفر أو من أول السطر ماحياً كل ما سبقه ومهد له الطرق وأورثه المنجزات، لكن هناك لحظات حرجة أو فارقة في التاريخ تأتي بعد حروب أو كوارث كبرى، بحيث تكون الصدمة هي السبب في غلبة الصراع على التعايش والتكامل، وهذا ما حدث في أوروبا مرتين على الأقل في القرن الماضي، بعد حربين كونيتين خلقتا لدى الجيل الذي ورث أوزار الحرب شكوكاً في تفكير أسلافه ومنظومة القيم التي كانوا يحتكمون إليها، وهذا هو ما أفرز تيارات عبثية في الفلسفة والفنون والآداب، لكن هذا لم ينته إلى قطيعة بين جيلين، بل سرعان ما بدأ التكامل، من خلال استئناف التطوير والتحديث والاستفادة من كل الموروث الذي كان موضع شك وإدانة .

والأجيال العربية الجديدة قد تبدو لأول وهلة منقطعة تماماً عن سابقاتها لأن التسارع في تطور العلوم عمق الفجوة بين من ولدوا بعد النصف الثاني من القرن العشرين ومن ولدوا في ربعه الأخير .

لهذا أصبح التباين شديداً وقابلاً للرصد في الأمزجة النفسية، ومجمل أشكال العلاقات الإنسانية وفي مقدمتها العاطفية، لأن هناك من يرون بأن الرومانسية التي تربت في ظلالها أجيال، أصبحت الآن من مخلفات الماضي، فالإنسان المعاصر واقعي وقد شح لديه الحلم، لكن الحقيقة ليست كذلك، فمن يحملون أعباء الموروث أخلاقياً ووطنياً وسياسياً هم من هذا الجيل الذي لم يخلع جلده، ولم يعوج قلبه حتى لو اعوج لسانه، ولو صح أن العلاقة بين الأجيال صراع فقط لحدثت القطيعة الكاملة في الهموم والأحلام والأهداف، وهذا ما لم يحدث على الاطلاق .

والمسافة التاريخية والثقافية بين طرفي هذه المعادلة وهما الصراع والتكامل تتسع وتضيق تبعاً لعوامل، منها أن تفهم الجيل السابق لما طرأ على الحياة وأنماطها من متغيرات عاصفة يجعله أكثر تقبلاً واستيعاباً، يقابل ذلك أن الجيل الجديد بما لديه من ذاكرة وطنية وقراءة في التاريخ يستطيع أن يكون أكثر تسامحاً وتقبلاً لمن سبقوه، وليس معنى ذلك التقاء الجيلين في منتصف المسافة، بل إحلال التكامل والتناغم ولو في حده الأدنى مكان الاشتباك والاستعصاء على الفهم المتبادل .

والعالم الذي تطور وتغير في نصف قرن فقط أضعاف ما تطور خلال قرون كان لا بد أن يعيش صدمات من طراز ما سماه عالم المستقبليات توفلر صدمة الحداثة، لكنها صدمات قابلة للترشيد لأن الجديد ليس نبتاً شيطانياً وجذوره تضرب بعيداً في باطن التاريخ وبطون الكتب .