د. يوسف الحسن

} تاريخنا العربي الإسلامي ليس مثالياً بالمطلق، لأنه تاريخ بشر، يصيبون ويخطئون، والأمر كذلك ينطبق على تاريخ الأمم والشعوب الأخرى، وما من دين سماوي أو معتقد غير سماوي ادعى يوماً، بأنه يصنع ملائكة تمشي على الأرض.
} وليس من العدل أو الموضوعية، خلع أردية من التقديس على أحداث التاريخ، أو على الذين «يصنعون» التاريخ، لكن دراسة التاريخ، تتطلب استخدام مناهج علمية، وحيازة أدوات منهجية دقيقة للبحث والدرس، وفق قواعد البحث العلمي المعروفة، وأغراضه المعرفية، بعيداً عن التوظيف السياسي والإيديولوجي، أو الاستثمار في معارك ونزاعات اجتماعية وثقافية.
} وكذلك الأمر مع إعادة قراءة التاريخ، بحثاً عن أجوبة تعالج إشكاليات الحاضر.
} مجتمعاتنا العربية، تتنفس التاريخ، وتشعر بالاستمرارية وعدم الانقطاع معه، وتكتنز بالكثير من المواريث الثقافية والدينية والخبرة التاريخية الطويلة، وحينما تريد إعادة قراءة تاريخها، يفترض أن تدرك زمنية الأفكار والسياسات، وارتباطها بحيّزاتها التاريخية، وألا تدخل التاريخ في لعبة المضاربات السياسية الجارية، والأهواء الشخصية.
} بمعنى أن ننظر إلى هذا التاريخ، نظرة موضوعية وسوية لا عُصاب فيها.. أي لا تقديس ولا احتقار. وأن نحكم من خلال الظروف المكانية والزمانية والسياسية.
} لكننا نفاجأ بين حين وآخر، بمن يسعى لقطع جذورنا، وتشويه التاريخ... وهذه المرة لا يأتي هذا السعي من مستشرق مغرض، وإنما من مثقف عربي، وروائي مصري كبير هو (يوسف زيدان).
} في الأعوام الأخيرة، قال وكتب (يوسف زيدان) الكثير من الشطط، الذي لا يصمد أمام البحث العلمي والتحقيق المنهجي: استخف بالزعيم العربي جمال عبدالناصر، وشكك في قصة الإسراء والمعراج، وأكد أحقية اليهود في القدس، ونفى واقعة (الفيل) التي ورد ذكرها في القرآن الكريم قائلاً باللهجة المصرية الدارجة (أبرهة جه من اليمن، بينه وبين مكة نحو ألف كيلومتر، والفيل يأكل العشب الأخضر كل يوم، طب إزاي هيجيبولوا أكل أخضر كل المسافة دي)!!. وأضاف أيضاً: (استحالة تصديق أن حجارة هطلت من السماء، وانتقت جيش أبرهة، وأصابته، بدون أن تقتل العرب)!! ويقول أيضاً: (إذا كان للبيت رب يحميه، فلماذا تعرضت الكعبة لهجمات كثيرة شائنة على مر التاريخ)!!
} وفي خطب أخرى يقول: (الأهمية المفرطة للقدس، اختراع أموي، نشأ لأسباب سياسية، وإن المسجد الأقصى لا يقع في القدس، وإنما على طريق الطائف)!! كما اعتبر أن قصة (وا إسلاماه) التي صرخت بها امرأة عربية «تزيد من إحساس العنف عند الأطفال»!!
} وفي الأيام الأخيرة، ازداد شطط الروائي، واستخدم ألفاظاً سوقية وبذيئة، وحكم حكماً شاذاً، ليس له مرجعية علمية موثقة، على (صلاح الدين الأيوبي)، وقال عنه: (إنه أحد أحقر شخصيات التاريخ الإنساني)!!
وأضاف: (إن صلاح الدين اقترف جرائم ضد الإنسانية، عندما استأصل التشيع الفاطمي من مصر)!!
وقال أيضاً: (إن صلاح الدين، لم يحرر القدس، بل عقد صلحاً مع الصليبيين، بعد أكثر من حرب انتقاماً لشقيقته فقط)!!
} أنكر (يوسف زيدان) كل بطولات صلاح الدين، ومقاومته للغزو الصليبي (الإفرنجة)، وتجاهل كل ما كتبه عنه علماء وكتّاب ومؤرخون أوروبيون، كفارس نبيل، وأثنوا على عدله ورحمته. وتناسى ما قاله الجنرال الفرنسي حينما احتلت الجيوش الفرنسية دمشق، حيث توجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، وخاطبه قائلاً: (قم يا صلاح الدين، ها نحن قد عدنا).
} وقد تحدثت كتب تاريخية أوروبية عن فروسيته واحترامه للوعود، وقارنته بقائد أوروبي هو (ريتشارد قلب الأسد) الذي أعطى مسلمي القدس الأمان، ثم ذبحهم جميعاً، في حين احترم صلاح الدين ما وعد من أمان للصليبيين المحاصرين في القدس، وخرجوا محمّلين بأموالهم ومتاعهم ونسائهم.. إلخ.
} كان بإمكان يوسف زيدان، أن يقدم نقداً موثقاً لرأيه، لكنه من أسف استخدم أوصافاً بذيئة، ونال بغير وجه حق، من رمز بطولي من قادة هذه الأمة.
أسس الدولة الأيوبية التي نجحت في توحيد مصر والشام والحجاز واليمن، بعد أن كانت هذه البلدان نهباً لثورات داخلية، ومهددة بغزوات خارجية.
} تمتع صلاح الدين بشعبية هائلة، كقائد استثنائي، التزم أخلاق وقوانين الحروب، وأحاط نفسه بنخبة من العلماء والأدباء والفلاسفة، وهزم الإفرنج في معركة حطين (1187م) وحرر القدس، «واشتهر بكرمه وعزة نفسه، وبسالته، وتقشفه وقناعته» على حد قول المستشرقة الألمانية (زيجريد هونكه).
} لقد اجتاحت مصر جيوش الخليفة الفاطمي، بجند من البربر بقيادة جوهر في عام 973م، في محيط إسلامي معظمه من السنة، وتقاطر إلى مصر، الإسماعيليون من كل أنحاء العالم الإسلامي، وبخاصة من أصول فارسية وتركية، معتقدين أن الخليفة الفاطمي هو في الواقع (كائن إلهي)، أو هو التجلي الحي لله، جل تعالى.
} وحاول الفاطميون من خلال حروبهم في بلاد الشام، فرض التشيع أيضاً على أهل دمشق، وهم في أغلبيتهم من السنة. وقاموا بنهب دمشق وقراها المحيطة.
} وفي أيام الفاطميين، كانت هناك خلافتان، وكان يحدث كثيراً، أن يقوم شخص أو جماعة بالتمرد على الخليفة، متذرعين بحجج شتى، وينشئون من تلك الحجج مذاهب وأفكاراً، مثل الذي حدث في المغرب، حينما تمرد (عبيدالله بن محمد المهدي) في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله (909م)، وبدأت به ولاية أسرة الفاطميين، التي امتدت إلى مصر.
} وهذا النموذج من التمرد، ساد في تلك الأزمنة كل جنبات الأرض عدة قرون، أما ولاية الخلفاء الفاطميين في مصر، فقد انتهت ظهر يوم الجمعة، حين سمع المصلون خطباء المساجد، يدعون للخليفة العباسي، بدلاً من الخليفة الفاطمي... فانتهى الأمر، بعد أن ضاق الناس من انتشار أفكار ترى في الحاكم، أكثر من مجرد (خليفة)، بل (إماماً معصوماً).
} هكذا حدث أيضاً في إيران، مع الصفويين (1501 1722)، الذين ينتسبون إلى الشيخ صفي الدين، وهو رأس طريقة صوفية في (أردبيل) وكان من السنة. وفي أيام الجد الأكبر للشاه إسماعيل، حصل تغيير باتخاذ التشيع، وكان التشيع زيدياً بالدرجة الأولى، وإمامياً بدرجة محدودة، وكان جل الناس في فارس من السنة، إلا أن الشاه إسماعيل بعد انتصاره على شيروان شاه، أعلن التشيع مذهباً رسمياً، وميز الدولة الصفوية عن العثمانيين، وأعطاها صفة سياسية، وبدأ الصراع بين الدولتين حتى الحرب العالمية الأولى.
} } }
} هل نحن بحاجة في هذه المرحلة العصيبة، والفتنة الكريهة، إلى من يقول لنا إن «صلاح الدين هو من أحقر الشخصيات في التاريخ؟»، وإن «عرب الجزيرة العربية والخليج هم أعراب متخلفون»، على حد قول يوسف زيدان؟!!
} هل يظن (يوسف زيدان) وأمثاله، أن إثارة عواصف غبراء من الجدل والفرقعات الإعلامية حول تاريخنا العربي وتراثنا، ستحرضنا على تصحيحه أو تنقيته؟
} ما هكذا تورد الإبل... ولا هكذا يقرأ التاريخ.