حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راق ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .

ونحن من خلال هذا الباب نسبح في بحر الأخلاق والقيم الإسلامية الرفيعة لنذكر الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين أن رقيهم وتحضرهم وإنسانيتهم العالية تكمن في أخلاقيات الإسلام، وأن ما نعاني منه الآن في معظم مجتمعاتنا العربية والإسلامية من انفلات أخلاقي وبلطجة سلوكية سببه الرئيسي ضعف الوازع الديني، واختفاء قيم وأخلاق الإسلام من حياتنا .

صلة الرحم فضيلة من أعظم الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، ولا يمكن أن يكتمل إيمان إنسان ويحظى برضا الخالق والمخلوق دون أن يكون له نصيب وافر من هذا العطاء الإنساني .

والرحم هو سبب القرابة وأصلها، والجمع أرحام، وذوو الأرحام هم الأقارب ويقع على كل من يجمع بينه وبين الشخص قربى ونسب .

والرحم التي ينبغي أن توصل كما يقول العلماء عامة وخاصة:

الرحم العامة رحم الدين وصلتها تكون بالتواد والتناصح والعدل والإحسان والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة .

أما الرحم الخاصة فتعني النفقة على الأقارب، وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم، وتفاوت مراتب استحقاقهم . . وفي ذلك قال القرطبي فالصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ومع كونها واجبة في الجملة وقطيعتها معصية كبيرة فإنها تختلف باختلاف القدرة والحاجة، فمنها واجب ومنها مستحب . فمن وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لا يسمى قاطعا . ولو قصر فيما يقدر وينبغي له لا يسمى واصلاً .

منزلة كبيرة

لصلة الرحم منزلة كبيرة بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار . قال صلى الله عليه وسلم: تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل رحمك . فلما أبر الرجل ووصل رحمه قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن تمسك المرء بما أمر به دخل الجنة .

وإذا كانت الرحم درجات بعضها أحق من بعض فإن بر الوالدين أول ما يجب الوفاء به في أكمل صورة، قولاً وعملاً . كما أنه في المرتبة الثانية بعد الإيمان بالله .

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله: مَن أبر؟ قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس قائلاً: يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك، وبر الأم كما في الحديث مقدم على هؤلاء جميعاً .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك وكررها ثلاثا . قال: ثم منْ؟ قال أبوك، ثم أدناك فأدناك، كما يقول صلوات الله وسلامه عليه كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول . وقد أتت هند زوج أبي سفيان تشكو إلى رسول الله شح زوجها فهل لها أن تأخذ من ماله شيئاً؟ فقال لها صلى الله عليه وسلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وذلك أن الولد خير ما أنعم الله به على الإنسان في الدنيا .

ومن هنا، فإن صلة الرحم بالنسبة إلى الأبوين وغيرهما واجبة ودليل الوجوب قول الله سبحانه: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام وقوله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت . وليس المراد بالصلة أن يصل الإنسان والديه وأهله إن وصلوه، لأن هذا مكافأة، بل أن يصلهم وإن قطعوه .

فضائل صلة الرحم

وتلخص لنا الداعية الدكتورة آمنة نصير، أستاذة الثقافة الإسلامية في الأزهر، فضائل صلة الرحم في النقاط التالية:

- البركة في الرزق، لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه .

- رضا الله سبحانه وتعالى لأنه أمر بصلة الرحم وإدخال السرور على الأرحام .

- زيادة المروءة وزيادة الأجر بعد الموت، لأنهم يدعون له بعد موته، كلما ذكروا إحسانه .

وصلة الرحم تزيد في العمر، فقد جاء في الحديث الصحيح: قال صلى الله عليه وسلم صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر .

وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن الأعمار .

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ليعمر للقوم الديار وليكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم لصلتهم أرحامهم .

عقاب قاطعها

الإسلام الذي يأمر بصلة الرحم ينذر قاطعيها بأشد أنواع العقاب ويدعو إلى التعاطف والتراحم، فيقول الله تعالى: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام .

وقطع الأرحام كما يقول الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق من كبائر الإثم وأقبح المنكرات، يدل على قسوة القلب وجمود العاطفة، ومن تلوث به لا يرجى منه خير، ولا تؤمل منه رحمة، ذلك لأن خيره إذا بعد عن الأقربين، فهو عن الأجانب أبعد، وقلبه إذا قسا على ذويه فهو على غيرهم أقسى وأغلظ، والإسلام يحذر من ذلك أشد التحذير، فإن عاقبته اللعنة وسوء المصير يقول الله تعالى: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار .

ويقول فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم اللهم فأصمهم وأعمى أبصارهم .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله سبحانه وتعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته ومن ثبتها ثبته إن رحمتي سبقت غضبي، ويقول عليه الصلاة والسلام: الرحم معلقة بالعرش تقول ومن وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله .

ولا يجوز للإنسان كما يقول الشيخ عاشور أن يقول: إني أصل رحمي وهم يقطعونني، وأحسن إليهم وهم يسيئون إليّ، وأحلم عليهم وهم يجهلون عليّ، فقد شكا بعض الصحابة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرهم بمقابلة السيئة بالسيئة، ولكن ثبت قلوبهم وشد أزرهم وأخبرهم بأن الله معهم عليهم .

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن مقام الإحسان فوق مقام العدل، وأن المسلم ينبغي له أن يطلب الكمال في كل أحواله فقال: ليس الواصل بالمكافئ أي الذي يقابل الإحسان بالإحسان ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها .

وتقول الدكتورة آمنة نصير: من الأمراض الاجتماعية الخطرة التي أصابت مجتمعاتنا الإسلامية قطع الأرحام، فرغم ما نراه على أرض الواقع فهو بعيد كل البعد عن الأوامر الإلهية التي جاءت حاسمة وواضحة . فأصبح الأخ لا يصل شقيقه إلا في المناسبات، بل وصلت القطيعة لأقرب الأرحام الذين فطر الإنسان على حبهم وبرهم وإكرامهم . فلم يعد غريباً أن نجد أحد الأبوين يضطر إلى اللجوء للمحكمة لينال حقه من النفقة أو يطلب حمايته من ابنه، هذا الذي كان سبب وجوده.