كان لتراجع ريتشاد قلب الأسد عن مهاجمة القدس رد فعل قوي في صفوف المسلمين، إذ انتعش صلاح الدين وارتفعت الروح المعنوية لرجاله، ورفض المسلمون التفاوض على أساس الشروط السابقة، بل إن صلاح الدين أوشك أن يبطش بالرسول الذي أوفده إليه هنري دي شامبني للمطالبة بإعادة مملكة بيت المقدس الصليبية .

على أن رغبة ريتشارد في العودة السريعة إلى بلاده، ورغبة صلاح الدين في التفرغ لشؤون دولته دفعت الفريقين إلى الدخول في مفاوضات جديدة لتصفية الموقف والوصول إلى حل لذلك النزاع الذي طال من دون نتيجة . وقد قام بالوساطة في تلك المفاوضات الحاج يوسف صاحب الأمير سيف الدين المشطوب عن جانب المسلمين، وأونفروي دي تورون عن جانب الصليبيين . ويفهم من رسالة ريتشارد إلى صلاح الدين أنه لجأ إلى أسلوب يجمع بين التهديد والترغيب، فهو يقول لصلاح الدين: لا تغتر بتأخري عن منزلي، فالكبش يتأخر لينطح وفي الوقت نفسه يقترح على صلاح الدين أن يحكم هنري دي شامبني مملكة بيت المقدس ولكن تحت حماية المسلمين، فيكون هو وجيشه تحت أمرة صلاح الدين وفي طاعته ولو استدعيتهم إلى الشرق سمعوا وأطاعوا . وقد ارتاح صلاح الدين ورجاله لتلك اللهجة المعتدلة من جانب ريتشارد، فأرسل صلاح الدين إليه قائلاً: إن ابن أختك (هنري دي شامبني) يكون عندي كبعض أولادي .

تسامح صلاح الدين

وبعد أن تم الاتفاق على هذا المبدأ العام، بقيت التفاصيل لا سيما فيما يتعلق بملكية بيت المقدس ذاتها وبعض المدن الساحلية . وهنا تنازل ريتشارد عن المطالبة بالسيطرة السياسية على بيت المقدس، واكتفى بالتمسك بحق الصليبيين في حماية الأماكن المقدسة وبخاصة كنيسة القيامة مَع ضمان حرية الحج والعبادة للصليبيين . ولم يفت ريتشارد أن يشيد بتسامح صلاح الدين وسعة صدره، وعبر عن أمله في أن يحظى ببعض ذلك الكرم الذي اشتهر به صلاح الدين في معاملته للصليبيين، فقال له: إن جماعة من الرهبان والمنقطعين قد طلبوا منا كنائس فما بخلت عليهم بها، وأنه (ريتشارد) طلب منك كنيسة القيامة . وكان أن وافق صلاح الدين على ذلك، كما وافق على أن يكون للصليبيين ملك البلاد الساحلية من صور إلى يافا، بشرط أن عسقلان وما وراءها تكون خراباً لا لنا ولا لكم . ومن الواضح أن صلاح الدين اهتم تلك المرة بإبعاد سيطرة الصليبيين عن عسقلان وما يليها من بلدان الساحل تجاه مصر مثل غزة والداروم حتى لا تؤدي سيطرة الصليبيين على تلك الجهات إلى قطع طريق الاتصال بين مصر والشام؛ أما داخلية بلاد الشام، فقد اتفق على أن تبقى بأيدي المسلمين .

على أن المفاوضات عادت وتعثرت بسبب رفض ريتشارد تسليم عسقلان وتخريبها، حتى مقابل اللد التي عرض صلاح الدين إعطاءَها للصليبيين . وكان صلاح الدين قد أفاق عندئذٍ من أزمة هجوم ريتشارد على بيت المقدس، فأجاب على إصرار ريتشارد على التمسك بعسقلان وعدم تخريبها بالقيام بهجوم كبير على يافا، فحاصرها ولم يزل يقاتل من فيها من الفرنج إلى أن أخذ البلد عنوة وغنم الناس منها شيئاً عظيماً .

وكان ريتشارد قد اتجه شمالاً بنية انتزاع بيروت من المسلمين ثم الإبحار فوراً إلى أوروبا، فانتهز صلاح الدين فرصة ابتعاد ريتشارد من جهة وضعف حامية يافا من جهة أخرى لتنفيذ خطته والاستيلاء على يافا في أواخر يوليو سنة 1192 .

بنود الصلح

وهكذا عاد ريتشارد إلى ملاينة صلاح الدين من جديد، الأمر الذي جعل القاضي ابن شدّاد لا يتمالك نفسه ويعجب من أسلوب ريتشارد في التهديد حيناً والملاينة أحياناً، فقال: انظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الفرص باللين تارة والخشونة أخرى .

وأخيراً وتحت تأثير الرغبة الملحة في العودة إلى بلاده اضطر ريتشارد إلى التنازل عن بعض شروطه، فتم عقد صلح الرملة في 2 سبتمبر سنة ،1192 وهو الصلح الذي نص على أن يكون للصليبيين المنطقة الساحلية من صور إلى يافا، بما فيها قيسارية وحيفا وأرسوف؛ أما عسقلان فتكون للمسلمين في حين تكون الرملة واللد مناصفة بين المسلمين والصليبيين . وفرض صلاح الدين دخول بلاد الإسماعيلية (الباطنية)، واشترط الصليبيون دخول صاحب إنطاكية وطرابلس في الصلح، ورضي الإسبتارية والداوية، وسائر مقدمي الإفرنجة بذلك .

أما الأماكن المقدسة، فقد ظلت في أيدي المسلمين، على أن يكون للمسيحيين حرية الحج إلى بيت المقدس من دون مطالبتهم بدفع أية ضريبة . وقد اتفق على أن تكون مدة الصلح ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، وناب عن الملك ريتشارد في التوقيع على الاتفاقية هنري دي شامبني وباليان الثاني دي أبلين وأونفروي الرابع دي تورون، في حين مثل الجانب الإسلامي: الملك الأفضل والملك الظاهر ابنا صلاح الدين، وأخوه الملك العادل وبعض الأمراء الأيوبيين الآخرين.