حالة من الاضطراب والارتباك مثلت السمة الأوضح لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته العشرين، ما بين عروض لم تقدم وتغيير مفاجئ لمواعيد عروض أخرى وعروض لم يحضرها أحد وأخرى تزاحم عليها الجمهور ولم يتمكن من مشاهدتها لضيق صالة العرض كما في مسارح قاعة الغد في مسرح البالون ومسرح مركز الإبداع التي شهدت العرضين المصريين المشاركين في المسابقة وقاعة يوسف إدريس في مسرح السلام التي استضافت العرض المصري فانتازيا الجنون الذي وصل الحال فيه الى حد اشتباك الجمهور مع الأمن.

رغم أنه يفترض أن هذه الدورة تحتفي بالمسرح المستقل إلا أنها لم تشهد عرضا مصريا واحدا ينتمي الى المسرح المستقل، لأن المهرجان يرفض مشاركة العروض المصرية ما لم تأت تحت مظلة رسمية لإحدى مؤسسات الدولة، رغم أن كثيرا من عروض المهرجان الاجنبية وبعض العروض العربية تأتي بالفعل لفرق مستقلة وعليه كان عرض كافيتريا لفرقة وجوه ضمن العروض المتقدمة للمهرجان وحظي بأكبر الترشيحات لتمثيل مصر بجانب عرض قهوة سادة، إلا أنه تم استبعاده لصالح عرض خالتي صفية والدير لفرقة مركز إبداع الإسكندرية وهكذا حصرت المشاركة الرسمية المصرية في إنتاج صندوق التنمية الثقافية وبعد نزول جدول العروض، كانت المفاجأة استبعاد الفرقتين المستقلتين الوحيدتين اللتين اختارتهما لجنة مشاهدة العروض المصرية، فرقة داليا العبد بعرض تشكيل، وفرقة وجوه لمحمد فؤاد، بعرض كافيتريا.

بما يعني أن إدارة المهرجان استبعدت العرضين الوحيدين اللذين يمثلان فرقا مستقلة من المهرجان من العروض التي تقدم على هامش المهرجان، ورغم حماس د.هدى وصفي مديرة مسرح الهناجر المغلق للإصلاحات لتقديم العرضين تحت مظلة الهناجر الا أن استبعادهما بهذا الشكل والتواجد الأمني الكثيف ومحاولة منع عرضهما رغم تعهد د.هدى وصفي كتابيا بتحمل المسؤولية يثير كثيرا من الأسئلة حول مدى جدية المهرجان ومصداقية ادعاء الاهتمام بالمسرح المستقل.

وشهدت هذه الدورة مشاركة عربية واسعة إلا أنها لم تخل من تجارب مريرة عاشتها بعض هذه الفرق مع المهرجان، فالعرض السوري الفائز بجائزة أفضل ممثلة ل راما العيسى عن ليلى والذئب لفرقة الدائرة وهي فرقة مستقلة، إخراج باسم عيسى، الذي قدم عرضه الأول على المسرح الصغير في الساعة الحادية عشرة والنصف وفوجئ يوم عرضه الثاني الذي كان من المفترض أن يتم في الساعة الثامنة بإدارة الأوبرا تطالبه بإخلاء المسرح من الصباح حتى الساعة الخامسة لانشغال المسرح بحفل لمدرسة يابانية وعندما حاول المخرج اللجوء إلى مدير دار الأوبرا د. عبدالمنعم كامل قال إن اليابانيين هم من بنوا الأوبرا ولا يستطيع رفض طلباتهم، مشيرا إلى أنه لا يجوز العبث مع الاجانب. وبعد رفض إدارة المهرجان تأخير ميعاد تقديم العرض السوري الثاني لنصف الساعة حتى يتمكن الفنيون من إعداد العرضين اضطر مخرج العرض السوري المشارك في المسابقة إلى الاعتذار للجمهور عن تقديم عرضه دون أن يتمكن من شرح المعوقات التي واجهها في المهرجان، الغريب أن إدارة المهرجان وضعت العرضين السوريين في نفس اليوم والتوقيت وهو ذات الحال مع عدة عروض عربية أخرى، ورغم تكرار ذات الشكوى في السنوات الماضية لصدفة مشاركة فنانين وفنيين في العروض، ونظرا لأن ذات الفنيين يشاركون في العرضين رغم مخاطبات الفرقتين السوريتين للمهرجان قبل بدايته بفترة طويلة بضرورة عرضهما في يومين مختلفين.

والملاحظ أن المهرجان شهد أصداء الصراعات في المسرح السوري بين المسرح الرسمي والمستقل، ففرقة المسرح القومي السوري التي مثلت سوريا ولم تشارك في المسابقة رغم تميز عرضها تشيللو للمخرج عروة العربي وفازت في العامين الماضيين بعرضي فوضى وشوكولا وقدمت خلالها مستوى متميزا ولافتا للمسرح السوري مما جعلها تصدر بيانا تعترض فيه على عدم اختيارها في المسابقة الرسمية وزعته أثناء عرضها.

الاتهام نفسه كررته كثير من الفرق العربية التي شاركت على الهامش، ورغم أن كثيرا منها لا يرقى إلى مستوى المشاركة في المسابقة إلا أن ملاحظاتها تحوي الكثير من الصدقية خاصة لعدم تغيير لجنة المشاهدة التي ترأسها الأمريكية مارتا كوانييه لسنوات والمكونة من ثلاثة مسرحيين أجانب، إضافة إلى استمرار التدهور الملحوظ في مستوى العروض المشاركة في المهرجان والذي يتزايد كل عام حتى صار من الصعوبة أن تجد عملا مسرحيا لافتا او مبهرا في المهرجان في المهرجان، ففي أفضل الأحوال يمكن مشاهدة بعض الاعمال الجيدة وهي قليلة دون الطموح إلى أعمال متألقة تحمل رؤى أو تجربة لافتة.

وشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان 25 عرضا بينها عشرة عربية منها العرضان المصريان، وجاء العرض العراقي تحت الصفر للمخرج عماد محمد الذي فاز بجائزة أفضل سينوغرافيا، كما فاز بطلاه عبد الستار البصري ويحيى إبراهيم بجائزة التمثيل مناصفة ليمثل أكثر العروض التي استقطبت جمهورا كبيرا وحظيت بتقدير نقدي أيضا لتميز العرض الذي شهد مباراة في التمثيل بين بطليه، وقدم رؤية عبرت عن واقعية الواقع العراقي المأساوي تحت الاحتلال انطلقت إلى آفاق أكثر رحابة للتعبير عن مخاوف وآلام الإنسان في حالة الحرب حيث قدم العرض رؤية فنية ناضجة واستخدام تقنيات السينما لإكمال الصورة عبرت عن معايشة حقيقية للمعاناة العراقية.

المعاناة من آثار الحروب كانت بطل عروض هذه الدورة بلا منازع سواء في عروض أجنبية مثل الأمريكي ما الذي أعرفه عن الحرب أو الإسباني جنية أبو غريب، عن الاحتلال الأمريكي للعراق، وتنويعات أخرى كثيرة عن صدى الحروب على حياة الناس منها عربيا.. العرض الأردني أبيض وأسود للمخرجة مجد القصص، بينما قدم العرض الفلسطيني مونودراما ذاكرة للنسيان لفرقة الحكواتي، إخراج فرانسوا أبو سالم وعامر خليل، قراءة في كتاب محمود درويش الشهير عن تجربته الانسانية خلال حصار بيروت وانشغلت عروض عربية أخرى بالتعبير عن انهزام الإنسان أمام صعوبة الحياة والمخاوف التي تكبله منها العرض اللبناني العميان للمخرجة لينا أبيض.

العرضان المصريان مثلا تجربتين مختلفتين تماما فعرض خالتي صفية والدير للمخرج محمد مرسي قدم قراءة لرواية بهاء طاهر الشهيرة بالعنوان ذاته قدمها مرسي بإعداد مسرحي وأشعار للشاعر حمدي زيدان وركزت على ملامح البيئة في صعيد مصر وسطوة تقاليد الثأر ولاقت استقبالا وحفاوة من جمهورها وفاز عنها فريق العمل بجائزة أفضل عمل جماعي، أما عرض قهوة سادة الذي فاز مخرجه خالد جلال بجائزة الإخراج فهو نتاج ورشة الارتجال لطلبة مدرسة التمثيل في مركز الإبداع في دار الأوبرا، ويعبر عن السلبيات التي تشغل بال الشباب وفكرة الحنين إلى ماضٍ أجمل بكل ما حمله من ملامح تميز مصري خاصة على المستوى الفني دون إغفال الهموم الحالية للمواطن المصري.