علاء الدين محمود
طريق طويل شقه السرد الإفريقي من مرحلة الحكايات الشفاهية، وحتى ظهور الرواية الإفريقية بصورتها الحديثة، والتي باتت تجذب القراء في مختلف أنحاء العالم، لتظهر كنزاً ثرياً في المجال السردي، ومنجزاً فريداً مختلفا له عوالمه الخاصة، وطقوسه المستوحاة من طبيعة القارة وفولكلورها الشعبي، الذي يعبر عن فضاءات السحر والأسطورة، والسير والملاحم البطولية، والتي زودت الكتاب الأفارقة بأساليب وهوية سردية متميزة، أطلوا عبرها إلى المشهدين المحلي الإفريقي والعالمي، وقد برزت العديد من الأسماء التي برعت في مجال الرواية هناك: أموس تيتولا، وشينوا أتشيبي، وول سونيكا من نيجيريا، وأزكيل مفاهليلي وأليكس جوما من جنوب إفريقيا، والصومالي نور الدين فارح، والغيني كامارا لايي، والكيني نغوجي واثيونجو، والسنغالي عثمان سمبين. تلك الأسماء صارت منتجاتها الأدبية تتصدر المشهد الروائي العالمي، بمضامين تعكس الواقع والهوية الإفريقية، فقد كانت إسهاماتهم متميزة للغاية ساعدت في اقتحام الرواية الإفريقية المجال الروائي الدولي، وقد ترشح بعضهم لجائزة نوبل أكثر من مرة، إلى أن نالها سونيكا عام 1986م.
ولعل ما يفسر ذلك الحضور اللافت للرواية الإفريقية عالميا، تلك التهيئة النفسية لتلقي المحكيات والأدب الإفريقي، إذ ينظر العالم إلى القارة السمراء كمنطقة كثيرة المجاهيل، يسود فيها الطقس الأسطوري، وربما يكون ذلك مشهدا انطباعيا، لكنه راسخ بأي حال في مخيلة وذهنية الغربيين بصورة خاصة، لذلك اهتموا بشكل خاص بكل أنواع الأدب الإفريقي، والرواية بصورة أكثر خصوصية.
وكانت بدايات الروايات الحديثة قد جاءت مع مطلع القرن العشرين، مع عدد من الأدباء الذين كانوا يكتبون باللغات المحلية، التي كانت تكتب بالحرف اللاتيني، على أيدي رواد أمثال توماس موفولو، وصومويل ماجايي، وبنديكت فيلاكازي، و دانييل فاجونو، وكانت تلك الأعمال التأسيسية تدور معظمها في مواضيع، الأساطير والأرواح الشريرة والسحر، والكائنات المتوحشة والغريبة، وصراع الخير والشر، والحياة والموت، وقيم الشجاعة والبطولة.
غير أن تلك الفضاءات والمواضيع قد وجدت تطورها على يد عدد من الروائيين، الذين كتبوا الأدب بلغة المستعمر مثل الفرنسية والبرتغالية والإنجليزية، حيث مثلت تلك اللغات مدارس روائية إفريقية، وهم الكتاب الذين درسوا وفق التعليم الحديث، وتخرجوا في جامعات أوروبية وإفريقية مرموقة مثل مكريري في أوغندا، والتي شهدت عام 1962 تجمع لأدباء، تصدروا المشهد الروائي لاحقا، حيث مثل ذلك التجمع الخريطة الحقيقية لمستقبل الأدب، فصارت موضوعات الرواية أكثر انفتاحا على السياسة، خاصة في تناول الواقع المحلي لبلدان القارة في ظل الاستعمار، فطرحت أعمالهم قضايا الحرية والنضال والزنوجة، حتى لحظة الانعتاق من الاستعمار، لتتبنى بعدها الرواية الإفريقية مواضيع الهوية والواقع الاجتماعي المتخلف والصراعات السياسية.