إبراهيم اليوسف
رغم الكثير من الكتب التي تناولت المفكر طه حسين (1889-1973)، والذي تصادف ذكرى رحيله غداً، سيرة، وإنساناً، ومثقفاً، وباحثاً، وكاتباً، وإعلامياً، وأكاديمياً، وسياسياً وناقداً، ومفكراً، وصاحب موقف، ومن بينها ما كتبه هو نفسه في أجزاء "أيامه" الثلاثة، بيد أن أثر هذا الرجل الذي امتد عبر عقود، لا يزال قادراً على التأثير، باعتبار أن الأسئلة الكبرى التي أثارها،نتيجة الصدمة الثقافية التي تعرض لها، بعد اطلاعه على ثقافة الغرب، في فترة إيفاده، وتأثره بعدد من الأعلام من بينهم: ديكارت، مرجليوث، إرنست رينان ونولدكه . . إلخ، أدى إلى أن يعيد قراءة التراث، بروح نقدية، ليس من قبيل نسف كل ما فيه، بل من أجل رفع الغبار الذي تراكم عليه، إلى حد ذوبان الواقعي، في الخيال، بما لا يصمد في جوانب منه أمام أية محاكمة علمية، وهو في -الحقيقة- محاولة انتصار للجانب الإيجابي في التراث، لا محاولة محو وهدم له كما خيل إلى كثيرين .
لا يمكن فهم تكوين طه حسين، إلا من خلال معرفة بعض المحطات الأكثر أهمية في حياته، وفي مطلعها تعرضه للعمى في كلتا عينيه، وهو بعد في سن الرابعة من عمره، ودراسته في الكتاب على يدي أحد الشيوخ، وظهور ملامح نبوغه منذ تلك المرحلة المبكرة، واستفادته مما كان يدور في مجالس الكبار، من سرد لسير ونصوص الزير سالم، وعنترة العبسى، وألف ليلة وليلة، وغيرها، بما جعله يتأثر بها في قراءاته، وتكون خير أنيس له، في مواجهة محبس العمى بلغة أبي العلاء المعري الذي تأثر به، وخيل إليه أنه يستعيد شخصيته، لاسيما أن الرجل نفسه، قارب منطقة الألغام في ثقافة زمنه، بجرأة كبيرة، وطرح أسئلة أولى، وصلت أصداؤها أذني طه حسين، ورق لها قلبه، وهو يتلقى ما يمكن أن يكون الفضاء النظري لطروحاته على أيدي أعلام الفكر الغربيين، حيث إن الدراسات الأكثر توغلاً في عالم هذا العبقري، لابد لها من أن تنظر إليه، من خلال انعكاس صورة أعمى المعرة في مخياله، والذي كان سبباً في وضع رسالة الدكتوراة حوله، حيث لهذا دلالاته العميقة، لاسيما أن أبا العلاء بالنسبة إليه، ليس مجرد أعمى بينهما علامات فيزيولوجية، أو حتى سايكولوجية مشتركة، وإنما هناك ما هو أعمق بينهما، في ما يتعلق بالرؤى -أجل بالرؤى- في استقراء التراث، وإعادة غربلته، في إطار صياغاته الجديدة، خدمة له، لا إلغاء، كما يخيل إلى بعض الببغاويين، المتنطعين ل"حراسة التراث"، وتداوله، كما هو، من دون استكناهه، وفهم كيفية تشكله، ومحاولة تقديمه، في وجهه الأكثر نصاعة .
قبل تشريح بعض مفاصل عالم د . طه حسين، لابد من أن نقدم فرضية أولى، هنا، تتعلق -أكثر- بما وراء علاقته بالمصري، في الموقف، ليكونا أكثر بصيرة منا، معاشر المتمتعين، بنعمة البصر، وقد يكون هناك بعد نفسي، في اتخاذ موقفهما من العالم، لاسيما أن آفة العمى، تشكل-لأول وهلة- موقفاً عدوانياً من المحيط، وطرائق تفكيره، إضافة إلى أن هذه الآفة ترافق ب"عقدة" افتراضية أولى، وأن التخلص منهما، لا يأتي إلا بعيد هامش زمني، من التجارب، حتى تستقيم فيها شؤون المصالحة المتوخاة، وإن كانت المصالحة لا تستكمل بسهولة، لاسيما في ظل هيمنة أثر صدمة الواقع أو الثقافة .
لاشك، أن ردود الفعل تجاه العالم، لم يعبر عنهما من لدن لدى كل من هذين العبقريين، إلا بعيد طوال روية، بل طوال تجربة، وثقافة، وحكمة، وتبلور في المواقف، وهو السر في أن آراءهما لقيت استقطابات كثيرة لدى النخبة، في موازاة مع حالة الرفض من قبل حراس النصوص، وما أكثرهم، في كل زمن، بل أن أثرمثل هذا المخاطب، المضاد، يأتي من ائتلافه مع الذات، بل من خلال انسجام الذات مع التصورات الأولى، وهو ما قدمه في إطار نظرية، في بعض أطروحات كليهما، وما الموقف من الشعر الجاهلي -كأحد الموضوعات المتناولة من قبل حسين- إلا نواة نظرية، أجل نظرية، وإن كنا نبخس من لا نتفق معهم من أعلامهم حقوقهم، ونغمطهم استحقاقاتهم، ونظر إليهم شزراً أثناء تقويماتنا لهم، وهذا ما لا يأتي إلا كنتاج لتراكمات ثقافة متخلفة .
إن أي استعراض للخط العام للسجل الوظيفي للمفكر الكبير طه حسين، بدءاً بمعركته الأولى التي خاضها، بعيد نيله شهادة الدكتوراة الأولى ،1914 ما استثار ردود فعل الأزهر، حيث اتهمه أحد أعضاء البرلمان ب"الزندقة"، نتيجة الآراء التي طرحها، إلى الدرجة التي اقترح فيها، نتيجة مواجهاته التي لم يفتأ يواصلها، أن يحرم من المنحة الدراسية التي حصل عليها، لولا تدخل السطان حسين كامل، حيث عاد بعد ذلك إلى فرنسا، كي يحصل على شهادة الدكتوراه الثانية تحت عنوان "الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون" .
ومن الصعب -هنا- أن نسرد ردود الفعل على آرائه التي كان يطرحها في الجامعة، أو عبر مؤلفاته، التي باتت تطبع، لأنها جد كثيرة، ومن بين من ردوا على آرائه في كتابه "في الشعر الجاهلي" مصطفى صادق الرافعي ومحمد لطفي ومحمود محمد شاكر، ما جعله يغير عنوانه إلى "في الأدب الجاهلي" ويحذف منه أربعة مقاطع كانت مدعاة إثارة الهجوم عليه، ومحاكمته أزهرياً .
وكان سيد قطب نفسه، أحد هؤلاء الذين ردوا على بعض آرائه، فقد استفزه كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" ما جعله يرد عليه في كتاب خاص بعنوان "نقد كتاب مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين"، بل أن ممن ردوا عليه، في كتابه هذا أنور الجندي الذي ألف كتاباً بعنوان "محاكمة فكر طه حسين" . ناهيك عن أن خالد العصيمي رد عليه في بحثه المعنون ب"مواقف طه حسين من التراث الإسلامي" وهكذا فعل كل من صابر عبدالدايم و محمد مهدي الاستانبولي اللذين تناولاه في بعض من كتبهما، إضافة إلى آخرين، يحتاج حصر أسمائهم إلى معجم خاص حقاً .
ورغم تراجع طه حسين، عن آرائه، يبدو أن طريقة تراجعه، تلك، لم تشف غليل، من سجلوا مآخذهم عليه، بل من هاجموه-بضراوة- حيث يقول محمد محمود شاكر "قد بينت في بعض مقالاتي أن الدكتور طه قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه، وببعض ماصارحني به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال، ولكنه لم يكتب شيئاً صريحاً يتبرأ به مما قال أو كتب، وهكذا كانت عادة "الأساتذة الكبار" يخطئون في العلن، ويتبرأون من خطئهم في السر" .
ما يسجل لطه حسين -حقاً- أنه استطاع أن يرمي مستنقع التطرف والتحجر العامة بحجر، لا تزال الدوائر التي تركها وراءه، تتسع، ونشهد أثرها، ونشهد الفقاعات التي تنتجها، أيضاً، معترفين -هنا- أن مقاربة هاتيك الموضوعات، تتطلب الجرأة، وهي ما تمتع بها الرجل، لأنه كان يعي ما هو فاعل، فلقد قال: هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقاً آخر سيزورون عنه ازوراراً، ولكني على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أتبع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة، وليس سراً ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين، ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعاً ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث، ونشره، في هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخط، ولا مكترث بازورار المزور .
مارس د . طه حسين العمل السياسي، فقد كان من عداد الدستورين، في مواجهة الوفديين، ولم يتنازل عن قناعاته، رغم الكثير من المضايقات التي تعرض لها، وليست استقالته عن عمادة الجامعة، نتيجة لقرار سياسي بمنح الدكتوراة الفخرية لبعض ذوي النفوذ إلا نتاج صلابته، بل وما تنقله من سلك التعليم الأكاديمي، إلى الصحافة، وتركه للصحافة، إلى أن يتم إعادة النظر في وضعه، إلى الدرجة التي يصبح فيها عميداً للجامعة، أو وزيراً للمعارف، فقد كانت آراؤه في كل مرحلة، تنتمي إلى قناعاته التي شكلها، عبر تجربته، وثقافته، ولم يضره أي وعيد، أو تهديد له، وهو ما جعل الثقافة العربية، مدينة له، كأحد المجددين، المجتهدين، على صعيد أن ما قدمه ثقافة تطرح الأسئلة، ضمن متواليات لا تنتهي، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود عاملين، هما: الشجاعة وعمق الثقافة، وكانتا متوافرتين، في شخص طه حسين حقاً، ما جعله مقروءاً بيننا -الآن- نعود إلى رؤاه، في الثقافة، والفكر، والأدب، والنقد، وهذا أحد أسرار ومقومات الخطاب الذي يخلص لأدوات تشكل ملامحه الفعلية، غير المزورة، وغير الببغاوية .