كتبت:نجاة الفارس
تعتبر الكاتبة والباحثة الدكتورة عائشة عبدالرحمن من أشهر الشخصيات الأدبية المعاصرة، لما لها من مكانة عالية وأثر كبير في عالم الأدب والتأليف على مستوى العالم العربي كله، ومن يتعرف إلى سيرتها يدرك الدور الإيجابي لها في المجتمع وأثرها على الحركة الأدبية، وبصفة خاصة أن مسيرة عائشة عبدالرحمن لم تكن ممهدة بالورد، وإنما كانت رحلة قاسية كافحت فيها بجد واجتهاد وتميز، حتى استطاعت أن تصل إلى ما حققته من إنجازات مهمة، توجتها كنموذج يحتذى به وقدوة رائعة للمرأة المسلمة التي تشق طريقها بالعلم والعمل، من أجل خدمة أمتها ودينها.
ولدت عائشة عبدالرحمن في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 1913، في مدينة دمياط بشمال دلتا مصر، وهي من بيت علم وعلماء، فقد كان والدها من علماء الأزهر، وكان مدرساً بالمعهد الديني بدمياط، وقد تربت على يديه تربية سليمة صحيحة، فنهلت من جلسات الفقه والأدب التي كان يقيمها والدها، كما حفظت القرآن في الكتاتيب التي كانت منتشرة في القرى آنذاك.
تحدثت عائشة عبدالرحمن عن أبيها فقالت «إلى من أعزني الله به أبا تقياً زكياً، ومعلماً مرشداً، ورائداً أميناً ملهماً، وإماماً مهيباً قدوة: فضيلة والدي العارف بالله العالم العامل الشيخ محمد علي عبدالرحمن الحسيني، نذرني عنه لعلوم الإسلام ووجهني من المهد إلى المدرسة الإسلامية، وقاد خطاي الأولى على الطريق السوي، يحصنني بمناعة تحمي فطرتي من ذرائع المسخ والتشويه».. من خلال هذه الكلمات يظهر مدى تأثر الدكتورة عائشة بفكر والدها وعلمه وعمله، ويبدو جلياً مدى اعتزازها بمنهجه الذي سلكه في تربيتها.

نبوغ مبكر

كان والد عائشة عبدالرحمن رافضاً أن تتلقى صغيرته تعليماً غير التعليم الديني، وقال لابنته الراغبة في الذهاب إلى المدرسة «ليس لبنات المشايخ أن يذهبن للمدارس، وإنما يتعلمن في بيوتهن»، ولكن الصغيرة تمردت وهددت بالإضراب عن الطعام، فرق قلب والدها ووافق على ذهابها، واشترط أن تتابع ابنته دراستها الدينية في البيت، وأن تنقطع عن المدرسة عندما تشارف على البلوغ، واستطاعت عائشة أن تتفوق في دراستها، وأن تقبل بشغف شديد على دروسها التي تتلقاها بالمنزل التماساً لرضا والدها، ونجدها تقول في مؤلفاتها لاحقاً حول ذلك «بحكم نشأتي في بيت علم ودين، فإني ألفت منذ الصغر أن أصغي بكل وجداني إلى القرآن الكريم، وأن أتلو آياته في تأثر وخشوع».
عندما أتمت دراستها الابتدائية في مدرسة اللوزي الأميرية للبنات، لجأت إلى جدها لأمها الشيخ إبراهيم الدمهوجي، لكي يتوسط لها عند والدها لإكمال دراستها بالمدرسة، ولكن قلب الأب لم يرق هذه المرة، فخرج الجد من عنده غاضباً وصدمته دابة، وسببت له ملازمة الفراش طوال عمره، فأحست الصغيرة بالذنب، وقررت المكوث مع جدها في بيته كنوع من تخفيف الإحساس بالذنب، وفي بيت جدها بدأت تتعرف على الصحافة والحياة العامة عن طريق قراءة الصحف لجدها القعيد، وكتابة العرائض التي كان جدها يمليها عليها للصحف، وظلت هكذا حتى تحسنت كتابتها واطلعت عن قرب على مشكلات الواقع، وعندما وافت جدها المنية عادت للعيش مرة أخرى مع أبيها وأمها، وعاد إصرار والدها على حجزها في البيت، فآثرت عائشة أن تكمل دراستها من المنزل، وتؤدي الامتحان في طنطا، ثم كانت أولى الناجحات سنة 1929، حيث حصلت على شهادة الكفاءة للمعلمات وكانت الأولى على القطر المصري، ثم حصلت على الشهادة الثانوية عام 1931، وتدخلت والدتها لمساعدتها في استكمال دراستها الجامعية، فدرست اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة عين شمس، تلا ذلك حصولها على درجة الماجستير بمرتبة الشرف الأولى عام 1941.
وخلال فترة دراستها الجامعية، تزوجت عائشة عبدالرحمن من أحد فحول الفكر والثقافة في مصر آنذاك، وهو الأستاذ الجامعي أمين الخولي، وقد أنجبت منه ثلاثة أبناء، ولم تشغلها مسؤولياتها كزوجة وأم عن طلب العلم، ففي عام 1950 حصلت على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز في «تحقيق رسالة الغفران لأبي العلاء المعري» وناقشها فيها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
تبوأت الدكتورة عائشة عبدالرحمن عدة مناصب مهمة، وساهمت في تخريج أجيال من العلماء والمفكرين من سبع دول عربية قامت بالتدريس فيها، فعملت ما يقارب العشرين عاماً أستاذة للتفسير والدراسات العليا في كلية الشريعة بجامعة القرويين في المغرب، وبعد ذلك أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة عين شمس في مصر، ثم عملت أستاذة زائرة لجامعة أم درمان عام 1967 ولجامعة الخرطوم وجامعة الجزائر عام 1968 ولجامعة بيروت عام 1972 ولجامعة الإمارات عام 1981 وكلية التربية للبنات في الرياض، 1975- 1983، كما شغلت عضوية مجموعة من الهيئات الدولية المتخصصة ومجالس علمية كبيرة مثل: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، والمجالس القومية المتخصصة، والمجلس الأعلى للثقافة، وكانت أيضاً أحد أعضاء هيئة الترشيح لجوائز الدولة التقديرية بمصر.
كانت عائشة عبدالرحمن كاتبة ومفكرة وأستاذة وباحثة ونموذجاً للمرأة المسلمة التي حررت نفسها بنفسها بالإسلام، فمن طفلة صغيرة على شاطئ النيل في دمياط إلى أستاذة للتفسير والدراسات العليا بكلية الشريعة، كما كانت كاتبة خرجت بفكرها وقلمها مبكراً إلى المجال العام، وبدأت النشر منذ كانت سنها 18 عاماً في مجلة النهضة النسائية، وكانت تكتب تحت اسم: «بنت الشاطئ»، وبعدها بعامين بدأت الكتابة في جريدة الأهرام، فكانت المرأة الثانية التي تكتب بها بعد الأديبة، مي زيادة، وكان لها مقال أسبوعي طويل، وكان آخر مقالاتها ما نشر بالأهرام يوم 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1998، وكانت صاحبة مواقف فكرية مشهود لها وحاسمة في الدفاع عن الإسلام، فخلفت وراءها سجلاً مشرفاً من السجلات الفكرية التي خاضتها بقوة.

مؤلفات لافتة

من مؤلفاتها في مكتبة الدراسات القرآنية والإسلامية: (التفسير البياني للقرآن الكريم، الإعجاز البياني ومسائل ابن الأزرق، مقال في الإنسان - دراسة قرآنية، القرآن والتفسير العصري، مع المصطفى في عصر المبعث، نساء النبي صلى الله عليه وسلم، أرض المعجزات رحلة في جزيرة العرب).
وفي مكتبة الدراسات العربية تركت أيضاً إرثاً مهماً جداً منه: (رسالة الغفران / نص محقق، الغفران دراسة نقدية، قيم جديدة للأدب العربي القديم والمعاصر، تراثنا بين ماض وحاضر، الخنساء، الصاهل والشاجح نص محقق لأبي العلاء).
وفي مجال الأدب والقصص لها ذخيرة كبيرة مثل: (على الجسر، الريف المصري، سر الشاطئ، سيرة ذاتية) وقد سجلت فيها طرفاً من سيرتها الذاتية، فتحدثت عن طفولتها على شاطئ النيل ونشأتها، ثم جاءت على ذكر زوجها الراحل ونعته في هذه السيرة بكلمات رقيقة.
يتميز أدب بنت الشاطئ بنغمة حزينة، وذلك راجع إلى مجموعة عوامل منها على الخصوص فقدان الأم في سن مبكرة، كما يعطي أدبها صورة الأنثى في مختلف صورها، فهي ابنة بيئتها، وانعكس ذلك على أسلوبها بشكل قوي، يضاف إلى ذلك عامل مهم، وهو حفظها للقرآن الكريم في سن مبكرة، والاشتغال به، مما جعل لغتها سلسة وقوية في آن واحد.
وقد نشر لها العديد من البحوث منها (المرأة المسلمة، ورابعة العدوية، والقرآن وقضية الحرية الشخصية الإسلامية).
حصلت الدكتورة عائشة عبدالرحمن على الكثير من الجوائز منها: جائزة الدولة التقديرية للآداب في مصر عام 1978، جائزة الحكومة المصرية في الدراسات الاجتماعية، ووسام الكفاءة الفكرية من المملكة المغربية، وجائزة الأدب من الكويت عام 1988، وفازت أيضاً بجائزة الملك فيصل للأدب العربي، مناصفة مع الدكتورة وداد القاضي عام 1994، وقد أطلق اسمها على الكثير من المدارس وقاعات المحاضرات في العديد من الدول العربية.
في الأول من شهر ديسمبر/ 1998 رحلت عنا الدكتورة بنت الشاطئ بعد إصابتها بأزمة قلبية حادة أدت إلى حدوث جلطة في القلب والمخ، وقد خلفت وراءها ثروة هائلة من الكتب والمؤلفات الأدبية التي تعبر عن كفاحها وجهادها في سبيل علمها ودينها، وستبقى قدوة لمن بعدها وعلماً يشير إلى المكانة السامية التي وصلت إليها المرأة المسلمة، وستبقى ذكراها خالدة في أذهان طلابها المنتشرين في كل بقعة من بقاع الوطن العربي الذين صاروا أعلاماً في الفكر والأدب.