حوار: إيمان عبدالله

حلم العمل في مجال الإعلام راود اللواء عبدالرحمن محمد رفيع مساعد القائد العام لخدمة المجتمع والتجهيزات في شرطة دبي منذ طفولته، ولكنه وجد الأبواب مقفلة أمامه، وانخراطه في العمل الكشفي مهد له الطريق للدخول إلى المجال العسكري، وتعرض لمواقف عدة باستخدامه السلاح شكلت صدمات في حياته، ورغم انشغاله في العمل، إلا أنه يجد متسعاً من الوقت لهواياته القديمة، أهمها الكشافة، والتصوير الذي بدأ يمارسه في عام 1958 ب "عكاسة" قيمتها 30 روبية . التقيناه وكان معه هذا الحوار:

* ما العمل الذي كنت تحلم بشغله في بداية حياتك؟
- إعلامي، لأني مصور محترف وذو علاقات واسعة، رحال شاركت في معسكرات شبابية وكشفية، وهذا دفعني لإقامة علاقات مع الإعلاميين، لذلك أحرص على صداقات مع المؤسسات الإعلامية، وكونت علاقات مع صديق عزيز، رحمه الله، هو عبدالغفور السيد مدير الإذاعة والتلفزيون بدبي، لذلك أصررت على الدخول إلى استديوهات إذاعة دبي، لإعلان خبر ترقية الفريق ضاحي خلفان آنذاك . الذي شجعني على التقدم لوظيفة مذيع المغفور له خلفان المر وصابر محمد من إذاعة صوت الساحل من الإمارات المتصالحة، التي كانت تبث من معسكر المرقاب أثناء حقبة الاستعمار البريطاني . وعندما تقدمت لهم لاختبار وظيفة مذيع، جاء الرد بعد الامتحان أن الصوت غير إذاعي، والوجه ليس مناسباً للتصوير، حيث كان التلفزيون الأبيض والأسود، وهذا الجواب أحزنني لأنني أردت أن أكون مذيعاً .

* تهوى العمل الكشفي، متى بدأ اهتمامك بهذا العالم؟
- هويت الكشافة منذ أن كنت طالباً في السنين الأولى من المراحل الابتدائية، حيث كنت شبلاً ناعم الظفر، استمريت في هذا العالم، ومازلت نائب رئيس مجلس إدارة كشافة الإمارات، ورئيس مجلس إدارة مفوضية كشافة دبي، هذه الهواية أحببتها وعايشتها وانعكست علي إيجاباً، مهدت دخولي للعسكرية، وشجعتني للقيام بالعطاء من دون انتظار المقابل، الكشافة فكر وعمل وقيم وخلق ومبادئ، عهد لخدمة المجتمع في جميع الظروف وبكافة الأساليب، وباسم الكشافة أقف وقفة تقدير لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة راعي الحركة الكشفية لحرصه على تنمية الشباب بدنياً وثقافياً .

* أنت عسكري، هل بدأت حياتك العملية في هذا المجال؟
- بدأت حياتي العملية في جمارك دبي، ولكن نظرتي الى ضباط الشرطة وعملهم كانت تجذبني لهذا العالم، والعمل العسكري كان يستهويني امتداداً للقناعة الكشفية التي تكونت لدي، وبدأت العمل في العسكرية أيام القائد الإنجليزي الذي كان يعمل في قوات كشافة ساحل عمان في إمارة الشارقة، وكنت ضابط القيادة وهو أول منصب أعطاني إياه القائد الإنجليزي، وشاءت الظروف أن نعمل في بداية السبعينات، وكانت القيادة مازالت إنجليزية، ومن خلال خبرتهم الواسعة في مجال المستعمرات البريطانية حققنا استفادات منهم في مجال الإدارة والتنظيم، لأن الإنجليز بطبيعة تكوينهم معروف عنهم النظام والانضباط في المواعيد وحب التنظيم والترتيب .

* بما أنك عملت في الجانب العسكري لأكثر من 40 سنة واستخدام السلاح جزء مهم وحيوي في الوظيفة، ما المواقف التي لا تستطيع أن تنساها؟
- أصعب موقف حصل في البيت، لدي ورشة صغيرة لصيانة الأسلحة التي تستخدم أثناء الرماية في الميدان الإلكتروني في القيادة، وجميع المترددين من المسؤولين الكبار في البلاد يتركون السلاح للتنظيف، وكانت زوجتي تساعدني في عمل الصيانة والترتيب والعناية والتنظيف، وفي إحدى المرات بعد أن انتهينا من العمل وإعداد وترتيب كل شيء في مكانه، كان بيدها مسدس سلمتني إياه بطريقة التسليم المعتادة للسلاح، وبعد تفتيش المسدس حسب الأصول وجهته لها مازحاً، بقولي: "ماذا لو أطلقت عليك"، فردت علي بثقة التحدي والشعور بالأمان: "هل لديك الشجاعة أن تفعل"؟، وكلانا ظن أن المسدس فارغ، ضغطت على الزناد، خرجت الطلقة ومرت قريباً جداً من زوجتي، فأحدثت ثقبا فيه .
جمدت في مكاني من هول الموقف وبكيت من شدة الصدمة، ونظرت هي أيضاً إلي بذهول، ولأني دربتها على الرماية وكيفية حمل السلاح، أخذته مني وربتت على كتفي، وقالت نحمد الله فكل شيء مقدر ومكتوب، وهذه كانت أكبر صدمة في حياتي . وحقيقة زوجتي لها دور كبير في حياتي العملية، إذ كانت تحرص على مشاركتي في الأعمال التطوعية التي كنت أقوم بها قبل 30 سنة، عندما بدأنا المشاركة في زراعة أشجار القرم في رأس الخور في دبي، ففي نهاية كل أسبوع على مدار عامين كنا نقطع مسافة تزيد على 300 كيلو لجلب الشجيرات الصغيرة من القرم وزراعتها في رأس الخور، والآن بعد مرور تلك السنوات أصبحت غابة وبها العديد من الأشجار .
كانت زراعة هذه الأشجار تكلفنا العناء الكثير بسبب صعوبة اقتلاعها ومكان زراعتها الذي يرتبط بنوعية التربة وظروف المد والجزر، حيث إنه في بعض الأحيان يتطلب الأمر الانتظار لساعات طويلة حتى تنحسر المياه عن المكان المحدد لزراعتها . ومع مرور الوقت بدأت الأشجار تنمو وتلقي بثمارها لتنبت أشجار كثيرة حولها، وكنت أسأل زوجتي، لماذا الاستمرار، هل هناك من سيقدر جهودنا، فكانت ترد علي بكبرياء وشموخ إنها دبي إنها الإمارات، الأم الحنون مهما قدمنا فلن نوفيها حقها، كانت الكلمات البسيطة من زوجتي التي تصغرني بعشر سنوات حجمها كالجبال الشامخات، تدفعني للمزيد من المثابرة ومواصلة الدرب، نعم زوجتي وأم أولادي ومضى على زواجنا أربعة عقود، ومازلنا بنفس الإرادة والمودة، وما زال عطاؤنا في أمور كثيرة يتجدد .

* ماذا تتذكر عن الحي البسيط في طفولتك؟
- أنا من فريج البطين من منطقة الرأس بديرة حيث ولدت، تقطعه سكة الذهب وسابقاً سكة الخيل، أعيان البلاد كانوا يتسابقون بالخيول في هذه السكة، وكان الأكابر من القوم يتراهنون على الشارة، وكثيراً ما كانوا يتوقفون أمام دكان الحلوى لتناول بعض منها، وكان تناول الحلوى العمانية آنذاك نوعاً من الوجاهة، لأن سعر السكر كان غالياً، وهو المكون الرئيسي، خاصة بعد انقشاع الحرب العالمية وشح الأسواق، ومن يفوز يحصل على كميات منها، وتلك الحياة البسيطة علمتنا الكثير .

* لماذا كنت تذهب الى سوق السلاح؟ وهل كان لديك اهتمام بالحياة العسكرية منذ الطفولة؟
- كانت هناك أسواق تخصصية، كسوق السلاح وسوق الوعيان (الأواني المنزلية) وللمفارش وللسمك الذي يقع بالقرب من مدخل سوق الذهب الحالي، والغريب أن جميع العاملات في سوق السمك من النساء المواطنات، اللاتي يشاركن أزواجهن في تدبير أمور الحياة بسبب قلة ذات اليد، فبحنكة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، استطاع أن يجعل المنطقة أكثر استقراراً، ليلجأ لها أصحاب البضائع والصناع، وأصبحت منطقة جاذبة، وكنت آنذاك رغم صغر سني أتردد على سوق السلاح مراراً وتكراراً، لأن الرجل الذي يحمل السلاح آنذاك له مكانته الاجتماعية وهيبته، وهي من الوجاهة الاجتماعية، وكانت البنادق متاحة للجميع في سوق السلاح دونما قوانين تحد وتمنع ذلك، حيث كانت إحدى ضرورات الحياة وأحد مظاهر الترف والوجاهة والرجولة .

* الحياة البسيطة والقاسية آنذاك، هل جعلتك تفتقد والدك بسبب سفره؟
- كانت الحياة قاسية والموارد قليلة، إلا من يسافر للعمل أو التجارة أو ارتياد مهنة الغوص وهي شاقة، لأن الظروف تفرض نفسها، وعلى ما سمعت من والدي، رحمه الله، كان يعمل في شركة بابكو في البحرين، ومعظم أهل البلاد كانوا يعملون في دول الخليج التي سبقتنا للثروة البترولية، والموارد كانت شحيحة، وبالتالي كانوا يسافرون من أجل العمل .
لم يكن لآبائنا متسع من الوقت لمراقبة الأبناء وتوجيههم، حيث كانت همومهم موجهة لتوفير لقمة العيش، ومن كان موجوداً في الفريج فهو أب لجميع أبنائه، والأم هي أم للجميع، والدليل على ذلك أننا عندما نذهب لمشاهدة التلفزيون في أحد بيوت الجيران فيغلبنا النوم، نعامل وكأننا جميعاً من المنزل نفسه، وهذا دليل التكافل والتلاحم الاجتماعي الأسري الذي كان سائداً آنذاك، لنا شقاوة في الطفولة كبقية الأطفال، ولكن الحياة لم يكن بها انحرافات، وكانت بسيطة، ومن يخالف يؤدب ليكون عظة وعبرة لغيره .
والحياة علمتنا كيف نوجه أنفسنا، ولا أذكر أن قال لي والديّ رحمهما الله يوماً لا تدخن أو ادرس أو افعل كذا واترك كذا، بل كنا نوجه أنفسنا، لذلك نادراً ما يقوم أحد في الفريج بارتكاب سلوكيات مشينة، مجرد نظرة من أم أو حكمة من أب نعرف المغزى .

* لوحات كثيرة في مكتبك تؤكد عشقك للتصوير، هل تولدت هذه الهواية منذ الطفولة؟
- التصوير هواية قديمة، لدي خال رحمه الله كان بحاراً في السفن التجارية الخشبية، وبمجرد أن يعود من البحر كان يصطحبني لجمع الأرقام من على علب السجائر حتى نفوز بجائزة، ووعدني أنه إذا حصل على الرقم الرابح سوف يشتري لي كاميرا، وفاز واشترى لي كاميرا ب 30 روبية، وكان ذلك في عام ،1958 وبدأت أصور، وأحببت الهواية حيث اكتسبتها من والدتي، رحمها الله، حيث كانت مصورة، ولديها أدوات التحميض والطباعة في المنزل، وتستفيد من ذلك في تصوير مشاهد معينة لي تقوم بنقلها على القماش للتطريز وخياطة الملابس، وكانت تجني من ذلك أرباحاً جيدة عشنا خلالها في رغد، وتعلمت طريقة التحميض منها، وكنا نسمي الكاميرا عكاسة، ووالدتي كانت تملك استديو في المنزل متكاملاً بكل احتياجاته . وانطبع هذا الأمر في ذهني ونمت وكبرت الهواية معي، حتى أصبحت في وقت من الأوقات حرفة، ولفترة استهواني التصوير السينمائي، وكانت الأفلام عندي في البيت وأخرجها وأنتجها، وكم سافرت حول العالم بآلات التصوير السينمائية والفوتوغرافية .

* في ظل وجود أحدث التقنيات في التصوير، هل مازلت تشعر بمتعة الهواية؟
- التقنيات الحديثة لا توجد بها متعة، كانت اللقطة سابقاً بمثابة الإبداع والتميز، حيث تخرج من الروح لتعكس جمالاً وتمثل لوحة بما يجول في فكرنا، أما اليوم فالكاميرا تقوم بكل الأدوار، من دون عناء، ولا تحمل الصور اليوم بصمات المصور، وإنما التقاط موقف وتسجيله بلا مشاعر أو أحاسيس .