لم يقتصر حلم الاتحاد على حكام الإمارات وشيوخها، بل كان الحلم نفسه يراود كل من عاش على هذه الأرض الطيبة واستظل بسمائها، من هؤلاء عبد الله سلطان أحمد بن خادم، الذي طالما حلم بوطن فتي ينمو ويزدهر، يسهم هو إلى جوار جميع أبنائه في عملية البناء والتقدم، متخذين من المؤسسين قدوة ونموذجاً. تحقق الحلم بقيام الاتحاد، فحقق عبد الله نصيبه من هذا الحلم، بمشاركته في بناء هذا الوطن، ورسم صورة مشرفة له، على مدى السنوات الماضية من عمره، ولم يكتف بذلك، بل اتخذ من العمل الخيري ميداناً يحاول فيه رد الجميل لبلده الحبيب، يرى فيه البسمة على شفاه المحتاجين إلى المساعدة، داخل الإمارات وخارجها. عبد الله بن خادم، المدير التنفيذي وعضو مجلس إدارة «جمعية الشارقة الخيرية»، يروي لنا هنا مشوار حياته، وكيف حقق حلمه.
ولد عبد الله بن خادم في مدينة الشارقة في عام 1960، درس في مدارسها: «حطين» و«عبد الله السالم» و«العروبة الثانوية»، يبدأ بالحديث عن نفسه قائلاً: كنت شغوفاً بأن أرى نفسي ابناً لدولة الإمارات، التي ولدت وأنا في العاشرة من عمري، وكنت سعيداً بتأسيس هذا الاتحاد، الذي ولّد داخلي التطلع إلى أن تكون هذه الدولة إحدى أكثر دول العالم رقياً وتقدماً، وهو ما أراه الآن واقعاً يتحقق.
بدأ عبد الله حياته العملية بالالتحاق بالقوات المسلحة طياراً، ثم مراقباً جوياً، وبعدها ملحقاً عسكرياً، عن ذلك يقول: كان حلمي خدمة وطني في الميدان العسكري، وبالفعل رشحت للعمل طياراً، أحرس سماء بلدي، فبدأت برتبة ملازم حتى وصلت إلى أن كنت أول رئيس غرفة عمليات مواطن، في قاعدة «الظفرة» الجوية، ثم انتقلت للعمل كمساعد ملحق عسكري في دولة ألمانيا، برتبة رائد، وشاركت في تأسيس أول مكتب عسكري لدولة الإمارات. وبعدها عملت قائماً بأعمال الملحقية، ثم رئيس قسم الملحقين العسكريين في الإمارات وخارجها.
لم يقتصر مشوار عبد الله سلطان العملي على العمل العسكري، بل امتد ليشمل العمل عضواً في عدد من مجالس إدارة المؤسسات المختلفة، منها «استشاري الشارقة»، و«نادي الشارقة الرياضي»، و«إدارة الآباء والمعلمين». إضافة إلى عدد من اللجان، منها اللجنة «المالية والصناعية والاقتصادية»، ولجنة «شؤون التربية والتعليم والشباب والثقافة والإعلام»، في المجلس الاستشاري، و«لجنة فض المنازعات الإيجارية» ببلدية الشارقة، و«لجنة شركاء مجلس التعليم» في إمارة الشارقة.
ويؤكد أن العضوية التي يتمتع بها في هذه اللجان، ساعدت في توسيع دائرة العمل الخيري التي يهتم بها، فانصب عمله من خلالها على الجانب الاجتماعي، وتقديم المشورة والعون لأهل الإمارات والمقيمين بها. يوضح هذا الدور بالقول: عضويتي بهذه اللجان وسعت دوائر معرفتي بالمستحقين، وطرق الوصول إليهم، حتى أصبح من عاداتي اليومية ألا يمر يوم دون تقديم مساعدة، وإن لم أجد من يستحق قمت بذلك في عملي الخاص.
وفي عام 2006 التحق ب«جمعية الشارقة الخيرية» عضواً في مجلس إدارتها، ومن ثم مديراً تنفيذياً لها، وتلك كانت بدايته مع العمل التطوعي بشكل رسمي، فمن خلاله يرسم الابتسامة على شفاه المحتاجين. يقول: في طفولتي تعلمت معنى التطوع والمساعدة، فكنت أسارع إلى حمل المصاحف يوم الجمعة إلى المصلين في المسجد، وأتبارى مع أصدقائي على إرجاعها إلى أماكنها بعد الانتهاء من القراءة، والإسهام في حمل الطعام إلى المسجد للإفطار الجماعي في رمضان. حب العمل الخيري تولد لدينا من خلال المجتمع الذي نعيش فيه، ووجدت الوسيلة إلى ممارسته في تنفيذ مشروعات «جمعية الشارقة الخيرية»، لأحقق حلمي ألا أرى محتاجاً في الداخل أو الخارج، حيث تصل مساعدات الإمارات إلى كل محتاج حول العالم.
يضيف: العمل الخيري جزء من منظومة حياتنا، تربينا عليه منذ الصغر، وكان لمعلمينا دور في ذلك. تربيت على حب التطوع منذ نعومة أظفاري، فمع سقوط الأمطار كنا نسارع إلى خدمة الأقارب وأهل الحي بحمل أمتعتهم وحمايتها من المطر. وعندما كبرت أثر عملي في القوات المسلحة في تنمية جوانب الخير داخلي، فالانضباط والالتزام والإحساس بالمسؤولية عوامل دعمت هذا التطلع، وبعد أن كنت أسعى إلى الخدمة الفردية تعودت مؤسساتية العمل الخيري.
ويشير إلى أن تميز الإمارات إنسانياً، بالتركيز على الأعمال الخيرية والتطوعية، إلى أن بلغ صيتها الآفاق، بلور جهود الجمعيات الخيرية الموجودة في كل إمارة، والتي تترجم نظرة حكام الإمارات في الحث على العمل التطوعي والخيري، ولذا ليس مستغرباً حصول الدولة على المركز الأول لأربع سنوات متتالية في هذا المجال، ما يعد دليلاً على هذا الإنجاز الكبير والعمل الدؤوب.
يرى بن خادم أن من يطلب المساعدة مستحق إلى أن يثبت العكس، فمن وجهة نظره أن من يسعى لأخذ حق ليس له، هم قلة واستثناء يثبت القاعدة. كما يرى أن العمل الخيري يتطلب تدريباً وتربية؛ لذا فإن الكثير من الجامعات والمؤسسات التعليمية باتت تشترط ساعات تطوعية، لتعويد شباب الإمارات العمل التطوعي وتدريبهم على ذلك. وهناك إدارة كاملة تستفيد من الخبرات التطوعية في هذا التخصص، وتوجهها بطريقة صحيحة؛ إذ إن سياسة الدولة هي تنمية فكرة العمل الخيري، وأن يصير من أولويات الشباب كما كان في السابق، وتعد الإدارة وسيلة مهمة لاسترجاع هذه الأولوية المجتمعية والوطنية.
ويعتقد عبد الله أن هناك مواقف في حياته رأى فيها جزاء لما يقوم به، ولحرصه على العمل الخيري، يذكر منها ما وجده من عناية إلهية حفظت ابنه، يقول: اتصل بي ابني، بعدما ودعته بدقائق معدودة قبل ذهابه إلى الجامعة ودعوت له بالسلامة، ليخبرني أن حادثاً مرورياً وقع له.. وعندما توجهت إلى مكان الحادث، وشاهدت السيارة التي تحولت إلى قطعة من «الخردة»، التي يظن من يراها أنه من المستحيل أن يكون قائدها قد نجا، تذكرت وقتها دعاء أحد كبار السن قبلها بساعات معدودة، كنت قد ساعدته فدعا لي بألا أرى في أبنائي مكروهاً، فتأكدت أن دعاء ذلك الرجل وكثيرين غيره حماية لي من كل مكروه. وكذلك عندما أجد العقود المحلية والدولية تتوالى على شركتي الخاصة، والتي تمثل مصدر دخل للموظفين والعمال، رغم انخفاض ساعات عملي بها لاهتمامي بالعمل الخيري في الجمعية. ويشير في هذا السياق إلى أنه يقسم وقته بين النشاطات التي يقوم بها، لافتاً إلى أن أسرته تتأثر بهذا الانشغال وجدول أعماله المزدحم؛ إذ لا يجد سوى يوم الجمعة فقط ليخصصه لها، لكنه يعوض ذلك باصطحاب أفراد أسرته معه في جميع أسفاره، ما لم يكن السفر خاصاً بالعمل.
علاقة متميزة
للرياضة دور كبير في حياة ابن خادم، لا يقتصر على ممارستها إذ يعتبرها وسيلة تربية وحماية لأبناء الوطن، متأثراً في ذلك بخميس سالم السويدي، الذي رافقه في العمل الرياضي التطوعي لسنوات. يقول: الهدف من العمل الرياضي بناء جيل سليم العقل والجسم، وترجمة أهداف الدولة في بناء البيت والنادي والمدرسة، فهو مثلث تربية وبناء جيل واع يحمي الوطن ويعمل على تقدمه. يضيف: اشتركت مع السويدي في تغيير نظرة المجتمع نحو الرياضة، وكان إنجازاً يذكره البعض لي عند لقائه، وهي أيضاً إحدى نتائج العمل التطوعي لأبناء الإمارات.
بين عبد الله وبين الكتاب ووسائل الإعلام والمعلومات علاقة متميزة، فهو يصفها بأنها الوسيلة إلى معرفة جميع الأحداث: خيرية أو رياضية أو علمية، ما يساعده على القيام بدوره. يقول: أهتم بكل مصدر للمعلومات في المجالات الخيرية والرياضية، وهذا ينبع من اهتمامي بالعمل الميداني أكثر من المكتبي. كما أن علاقتي بوسائل التواصل قوية، لأنها أوجدت طفرة في التعرف إلى المحتاجين والمتبرعين، وتوسع العلاقات المعرفية والإنسانية بين البشر.
حديث إلى البحر
كلما أراد عبد الله بن خادم الحديث إلى صديق توجه إلى البحر، يقول: البحر هو صديقي وكاتم أسراري، أتحدث إليه كلما احتجت إلى ذلك، فأقضي وقتاً طويلاً على الشاطئ أتأمل فيه حياة الأجداد، وأتحدث إليه بصوت مرتفع.
وللمرأة مكانها المميز لدى عبد الله، فهو يعتقد بحق أن وراء كل رجل عظيم امرأة، فهي المساندة له في ما يحقق من نجاح، كما يرى أن احتلال المرأة الإماراتية مكانة كبيرة في جميع المجالات، دليل تفوقها وقدرتها على تحمل المسؤولية، وأن اللجان التي تضم عناصر نسائية تكون أكثر إنتاجاً، إضافة إلى أن دور المرأة في العمل الخيري والتطوعي في الإمارات لا يستطيع أحد أن ينكره.
تقدير
قدرت الدولة دور عبد الله سلطان أحمد بن خادم في خدمة المجتمع، فحصل على عدد من الأوسمة والميداليات، منها «ميدالية الخدمة العسكرية الحسنة للمرة الأولى» في العام 1991، و«ميدالية الخدمة العسكرية الحسنة للمرة الثانية»، و«ميدالية الخدمة الحسنة الطويلة» في 2002، إضافة إلى «وسام تحرير الكويت» في 1992.