سعى الكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو (1867 - 1936) في مؤلفاته المسرحية والقصصية والروائية إلى سبر أغوار فكرة إنسانية صارخة ومأساوية، وهي استحالة معرفة أنفسنا أو العجز عن فهم الإنسان لنفسه بالأحرى، وبها يؤسس لحقيقة لاذعة أخرى، تكشفها أعماله بقوة وسوداوية، هي حقيقة الوهم الذي تشيّده شخصيته إزاء العالم الخارجي، الوهم الذي يتعرى في النهاية وتتحول حقيقته إلى شيء مغاير، نقيض لما رسمته الشخصية في البداية، ومن هنا نشوء الصدمة .

قصة الأفكار الثلاثة للحدباء الصغيرة، نص يتمثل هذا المبدأ في الرؤية إلى الأشياء، بواقعية بسيطة لا تخلو من ترميز وذات منحى ساخر وموغلة في ثنيات الشخصية سيكولوجياً .

فكليمنتينا فتاة تعاني عاهة مستديمة، باعوجاج ساقيها ونموهما بشكل بشع أفقياً، كما تنبت جدبة على ظهرها ويمتنع على شقها العلوي الامتداد .

وأمام مقاومتها المجهدة بالابتسامة لوخز عيون الناس المصوبة إليها كإبر صينيّة، ستقرر وأختها تغيير الإقامة في الحي الأول وتنزلان في مكان جديد، داخل بيت هادئ .

كلمينتينا تزجي وقتها بصناعة أجهزة العرسان والمواليد وأختها لاورتا تحترف صناعة الأزياء .

أفكار الحدباء الثلاث القريبة المفترضة في القصة هي: عندما تفكر في زوج أختها الصغيرة المفترض، وتتخيل شكله وسيناريو لقائهما معاً وطريقة مناجاتهما . وفي غضون ذلك يلوح شاب وسيم في شرفة البيت المقابل ويرسم لها ابتسامة إعجاب ويحييها، وهذا ما يجعلها مرتبكة ومصعوقة، إذ تستبعد أن يكون هذا الشاب منجذباً إليها، بل ربما اعتقدها أختها، وتتحرك من النافذة العلوية إلى المبنى السفلي وتلاحظ أنه ينظر إلى نافذتها دائماً ويرقبها بولع، وحين تسأل أختها عن أمر الشاب وتنفي لها هذه الأخيرة معرفتها به، ستتجدد الحكاية في ما بينهما في اليوم التالي، ثم ينتابها إحساس بأن هذا الشخص يتسلى ويسخر منها لعاهتها القبيحة، وهنا تهاجسها الفكرة الثانية، بأن تصعد فوق المنضدة القريبة من النافذة حتى يرى هذا الشاب هيئتها البشعة بصورة كهذه تجس نبضه، إن كان يجهل طبيعة شكلها، وعندها تتخلص منه ويبتعد منها ويتركها بسلام، وفي الوقت الذي تنجز فيه فكرتها، وكادت تسقط إلى الشارع، صرخ الشاب فيها واعترته مخاوف الألم حول مصيرها وانتابه الهلع، فتراجعت الفتاة كليمنتينا وهي تهامس نفسها بأن هذا الشاب مجنون، وكان حينها يرسل إليها قبلاته المحمومة .

فكرة أنه مجنون هذه، وإن قالتها بملء الذهول، ستتحقق خلفيتها الواقعية، إذ إن أخت كلمينتينا أي لاورتا، تحرت حول الشاب وتعقبت أخباره، وتيقنت من جنونه حقاً، بعد أن كان عاشقاً إلى حد الوله لخطيبته التي كانت تسكن البيت نفسه الذي حلت فيه هي وكليمنتينا، فالخطيبة ماتت بعد بتر ساقها الأولى ثم الثانية بسبب مرض عضال .

فاندلعت كليمنتينا بالدموع، لأنها كانت تظنه ينظر إليها بالفعل، وفي بكائها ما يستضمر أيضاً رثاء الشاب المجنون وليس اكتشاف النقيض لما اعتقدته وحسب .

القصة تنحاز لبساطة الحكاية، والحكاية تنحاز لرمزية القصة التي تضعنا على محك مجابهة الذات الإنسانية لمسوخها عبر مرآة الآخر . وكأن العمل السيكولوجي هنا معني بالوقوف عند ملابسات التصادم وتوتره بين الشخصية وعالمها الخارجي .

الثقوب المفزعة للوجود والعدمية والمرضية والقلق والأعطاب الميتافيزيقية والغرابة المدمرة والبؤس الإنساني الكامن في حقيقته المخادعة وحقيقة فخ الحياة كمسرح ظلال هائمة باستمرار ثم الكآبة المتناسلة المحتكمة إلى اللايقين، هي المناطق المحتدمة لكتابة لويجي بيرانديللو، ونادراً ما يغادرها وعيه التراجيدي .

قصص بيرانديللو مولعة بالحكاية والحكاية في قصصه غير مفتعلة، تستدرج قارئها بغواية جوانية وتقحمه في تهويمات غرابتها الداخلية، حيث إرجاء المكاشفة ترتبه المهارة القصصية في الضربة الأخيرة لجناح القصة .

ما يشبه ملهاة مشيدة بوعي تراجيدي، ترتهن إلى رؤية وجودية وموقف فلسفي يلحم فوضويتها وإنتاج سؤالها الجارح .

ظل ابن صقلية الشقي، وفيّاً لعتمة هامشه المضيء، الذي صنع من موضوعاته البائسة والتقاطات معيشه الريفي أدباً كونياً بقضايا ورؤى وأساليب شاعت وتسللت ببراعة إلى اهتمامات وحقول المعارف الأخرى، فانتزعت لنفسها الإعجاب الحقيق والاعتراف الجدير، بحصوله على جائزة نوبل في عام 1934 .