اعتبر الإسلام العدل أساس الملك والمقصد الأول لشريعة الإسلام وحكمه وقوانينه، ولهذا حرص على توفير معاني المساواة والعدل لغير المسلمين ورفع الظلم بمعناه الواسع، وتأكيد هذا الحق المساواة في دنيا الناس. ولقد حفلت النصوص الشرعية بتقرير هذا الحق الإنساني العام، كما أكدته الممارسة العملية ليس فقط لأن غير المسلمين بشر لهم حق العدالة الإنسانية المطلقة، بل أيضا لأنهم أهل عهد لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ولأن المسلم بطبعه هو أقرب الناس للعدل وأحبهم للمساواة وأبعدهم عن الجور والظلم.

إن شرعية غير المسلم وحقه في العدل والمساواة الإنسانية مقررة لأنه بشر، ومؤكدة لأن دينا كالإسلام لا يمكن أن يقوم إلا على العدل والمساواة.

مما له دلالة في هذا كما يقرر الدكتور حسن الشافعي أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة أن فقيه الإسلام الأكبر ابن تيمية قد اعتبر العدل هو الكلية الكبرى التي تحفظ الكليات الخمس المعروفة في الشريعة الإسلامية وهي حماية: الدين والعرض والمال والعقل والنفس. لأنه بالعدل تصان هذه الكليات الخمس الإنسانية.

شهداء بالقسط

في شأن غير المسلمين يبدو العدل الإسلامي ظاهرا، فلا ظلم للمخالف في العقيدة في ماله ولا في نفسه ولا عرضه ولا إكراه له في عقيدته وتعبده طالما أنه لم يظلم ولم يعتد.

وقد تأصل هذا الحق في النص القرآني في عشرات الآيات، بيد أن الآية الثامنة من سورة المائدة تؤكد بوضوح شرعية العدل الإنساني حتى مع المتآمرين، يقول الحق تبارك وتعالى: يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتقْوَى.

وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أو اخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة.

وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل نجران النصارى نص العهد على أنه: لا يؤخذ منهم رجل بظلم رجل.

ويشير الدكتور حسن الشافعي إلى بعض صور هذا العدل، فعند المخاصمة والاحتكام إلى القانون يشدد الإسلام على أن الناس أمام عدل القانون سواء، لا يجوز أن تطغى الأهواء على الحقيقة كما لا يجوز أن يضيع حق لأن صاحبه غير مسلم.

ومن الوقائع شديدة الدلالة في هذه الجزئية ما روي في سبب نزول الآيات (105 113) من سورة النساء، حيث يذكر العلماء أن طعمة بن ابيرق وهو من مسلمي الأنصار سرق درعا من جار له وهو قتادة بن النعمان وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي.

فأنكر السارق سرقة الدرع التي اكتُشفت عند اليهودي، فحاول أهل طعمة أن يقنعوا رسول الله بأن اليهودي هو الذي سرق الدرع، وبالفعل أوشك الرسول أن يحكم ببراءة طعمة الأنصاري وتجريم اليهودي البريء، ورغم أن الرسول قاوم هذا الشك وحكم ببراءة اليهودي غير السارق ودان الأنصاري السارق إلا أن القرآن دافع عن قيمة العدل الإنساني، ولام على الرسول ميله المبدئي لإدانة اليهودي تحت رغبة أهله من الأنصار رغم أن اليهود في ذلك الوقت شأن كل الوقت كانوا أشد عداوة لله ورسوله والمؤمنين ونزلت في هذا آيات القرآن تتلى: إِنا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن للْخَائِنِينَ خَصِيماً. وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِن اللّهَ كَانَ غَفُوراً رحِيماً. وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِن اللّهَ لاَ يُحِب مَن كَانَ خَواناً أَثِيماً.

الكرامة الإنسانية

وهذا العدل الإسلامي، مع من نعتقد أنهم على باطل، من مظاهر سمو التشريع الإسلامي ورحمته بخلقه، فالمخالفة في الاعتقاد لا تعني إهدار الحقوق والواجبات ولهذا شدد القرآن على العدل في خطابه الواضح مع أهل الهوى والاختلاف من أهل الكتاب يقول الحق في سورة الشورى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبنَا وَرَبكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ.

ويربط بهذا العدل الإسلامي مع المخالفين لنا في العقيدة مبدأ شديد الخصوصية وهو الكرامة الإنسانية، التي تحقق المساواة في الإنسانية: وَلَقَدْ كَرمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَر وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم منَ الطيبَاتِ وَفَضلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ ممنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً وتحقق المسؤولية الشخصية: كُل امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وتحقق مبدأ الثواب على قدر العمل: وَأَن ليْسَ لِلْإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى كما تحقق أن يحاسب كل إنسان في الآخرة والدنيا حسب فعله وليس على حسب النية، يقول القرآن: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرةٍ شَرّاً يَرَهُ.

ومن الوقائع الشهيرة تفاخر أهل التوراة بما هم عليه وتفاخر أهل القرآن بما هم عليه فنزلت الآية القرآنية لتحدد عدل الثواب وعدل العقاب وعدل العمل في الدنيا والآخرة حيث قال الحق: ليْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ.

العدل في التقاضي

يقول الفقيه الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: من المستقر في الفقه الإسلامي أن الذميين إذا تقاضوا إلى قضاة المسلمين فإنهم يقاضون بالعدل ويقضى بينهم بما انزل الله، يقول القرآن: فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُروكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِن اللّهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ.

وقد استقر في الفقه الإسلامي أن الأمور الخاصة بالمعتقدات والعادات والأسرة والزواج والطلاق والميراث، خاصة بهم، يتقاضون فيها طبقا لما يعتقدون، وقد بلغ من إحساس غير المسلم بعدل الإسلام في هذا الجانب الشخصي أن احتكم المسيحيون كثيرا لأحكام الإسلام في الوصية والميراث والوقف كما فعل نصارى الشام.

ومن عدل الإسلام في التقاضي كذلك أن الحدود الشرعية لا تقام عليهم فيما يعتقدون حله مثل شرب الخمر على خلاف بين الفقهاء.

ويشير الدكتور رأفت عثمان إلى مظهر آخر من مظاهر العدل والتسامح الإسلامي، وهو المساواة في تطبيق بعض الحدود البدنية بين المسلمين وأهل الذمة، والمعروف أن هذه الحدود هي قمة التطبيق الشرعي في علاقات الناس ومعاملاتهم، ومعروف كذلك أن كثيرا من مجتمعات الغرب لم تطبق هذا المبدأ في تاريخها القديم والحديث.

ولو وقفنا أمام القصاص الشرعي، فإن هناك رأيا فقهيا يرى عدم القصاص من المسلم القاتل لو قتل ذميا، ولكن الرأي الآخر يرى أن أهل العهد والذمة، أي كل من تواجد في المجتمع الإسلامي وليس حربيا مقاتلا، يتساوى دمه مع دم المسلم، وهذا الرأي هو المعمول به والأقرب إلى العدل الإسلامي المعروف.

وأكد الأحناف وغيرهم أن المسلم لو قتل ذميا أو معاهدا بغير الحق فإنه يقتص منه، وذلك لعموم قول الحق: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَن النفْسَ بِالنفْسِ....

كذلك تتساوى عقوبة السرقة على الجميع، لأن حرمة مال الذمي كحرمة مال المسلم.

وفي دفع الدية هذا الرأي كذلك، إذ مال بعض الفقهاء للمساواة في الدية ومن ثم في كل صور العقوبات الحديثة مثل الحبس أو الغرامات المادية، قال الإمام أبو حنيفة والثوري وفي رواية عن عمر وعثمان وابن مسعود أن دية المعاهدين مثل دية المسلمين، وذلك لعموم قوله تعالى: وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثَاقٌ فَدِيَةٌ مسَلمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ.

مشهد حضاري

بيد أن قضية المساواة الإسلامية لا تبدو فقط في العدل في التقاضي أو تطبيق الحدود أو الرحمة في الجزاء والعقاب ولكنها تبدو أكثر إنسانية وعظمة في الأصل الفكري والمنحى الإنساني الذي يستشعر به كل إنسان أنه إنسان حر له الحقوق والواجبات كافة.

ويقول الدكتور محمد رأفت عثمان: هذه المساواة تضرب بجذورها في الممارسة الإسلامية العامة وفي تلبية حاجات الإنسان.

فالمساواة قائمة يوم يقرر الرسول هذا الحق الإنساني: ليس منا من بات شبعان وجاره جائع فيأتي عبدالله بن عباس ويأمر أن تكون بداية الإنفاق على جاره اليهودي.

والمساواة قائمة يوم يقرر الرسول أيضا هذا الحق الإنساني: من كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له فيأتي الفكر الإسلامي ويقرر أن النفقة والصدقة والمساعدة والوقف جائزة على المحتاجين من أهل العهد والوفاء.

ويقرر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ العادل حيث يقول: لا تفلح امة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي، ثم يأتي خلفاء رسول الله وصحابته فيطبقون هذا المبدأ في صورة حضارية رائعة إذ شكا يهودي سيدنا عليا رضي الله عنه إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، فأتى عمر بعلي واليهودي معا، فلما مثلا بين يدي عمر خاطب عمر اليهودي باسمه بينما خاطب عمر عليا بكنيته فقال له: يا أبا الحسن، عندئذ ظهرت آثار الغضب على وجه علي رضي الله عنه، فقال له عمر: أكرهت أن يكون خصمك يهوديا وأن تمثل معه أمام القضاء؟ فقال علي: لا ولكني غضبت لأنك لم تسو بيني وبينه، فخاطبته باسمه وخاطبتني بكنيتي.

ومعروفة قصة ولد عمرو بن العاص والي مصر، عندما ضرب قبطيا مصريا بالسوط لأنه غلبه في ميدان السباق، فشكا المجني عليه إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، فأرسل الخليفة يستدعي الوالي وابنه، ثم أمر بضرب ابن عمرو كما ضرب القبطي، ثم قال قولته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟.