نقل لنا القرآن الكريم الكثير من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وحكى لنا العديد من قصص الأخيار والأشرار التي تزخر بالعبر والعظات وتحمل دروساً مفيدة للمسلمين في كل العصور . . فالقصص القرآنية لا يمكن أن ينطفئ بريقها في كل زمان ومكان، ويتضاعف أثرها العميق في نفوس الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين الذين ابتعدوا عن هداية السماء لما فيها من عناصر التشويق، وجوانب الاعتبار والاتعاظ .
ونحن من خلال هذا الباب نعيش مع القصص القرآنية المؤثرة التي تخاطب العقول والقلوب والمشاعر لنعرف تفاصيل ما حدث ونتعظ ونسير في طريق الهداية، ونعتنق الفضائل ونتجنب الرذائل ونسلّم وجوهنا لله الواحد القهار .
قبل الغوص في أعماق القصص التي وردت في القرآن الكريم لتوضيح أهدافها والعبر والعظات التي تنقلها لنا لنستفيد منها اليوم وغداً إلى أن تقوم الساعة كما استفاد منها المسلمون في مختلف العصور نحاول الإجابة عن سؤال مهم هو: لماذا اهتم القرآن الكريم بالقصة لنقل أحداث ومواقف وقعت قبل نزول القرآن؟
يقول الدكتور طه حبيشي، أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر: القصة القرآنية تشتمل على كل ألوان التأثير في المخاطبين، وهي تعتمد على الكلمة الصادقة وتتحرى الحقيقة في كل ما تسرده من وقائع وأحداث، وتبتعد عن الخيال الجامح الذي تعتمد عليه القصة الأدبية، وتتنوع أساليب العرض في القصص القرآنية فهي تعتمد أحياناً على الحوار وأحياناً أخرى على طريقة الحكمة والاعتبار، وفي بعض الأحيان عن طريق الترهيب والزجر .
رسائل واحدة
وللقصة في القرآن أهداف سامية ومقاصد نبيلة وحكم متعددة ومتنوعة أوردها علماء التفسير وعلوم القرآن في النقاط التالية:
بيان أن الرسل جميعا قد أرسلهم الله تعالى برسائل واحدة في أصولها ألا وهي إخلاص العبادة لله الواحد القهار، وأداء التكاليف التي كلف الخالق خلقه بها . . فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه كما حكى القرآن: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ويقول هود عليه السلام هو الآخر لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . كما يقول صالح عليه السلام لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . وشعيب عليه السلام يقول لقومه: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . فهذه الجمل الكريمة التي وردت في العديد من القصص والحوارات القرآنية بين الرسل وأقوامهم تبرز هدفاً واضحاً من أهداف القصة القرآنية وهو إرشاد أقوام الأنبياء والرسل وقياداتهم إلى عبادة الله وحده، فهو المستحق للعبادة . . والقرآن الكريم يحكي لنا هذا المعنى على لسان كل نبي فيقول: وما أرسلنا من قبلكم من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون .
بيان أن هذا القرآن من عند الله وأن ما اشتمل عليه من قصص للسابقين لا علم للرسول صلى الله عليه وسلم بها، وإنما علمها بعد أن أوحاها الله تعالى إليه وأنه صادق في ما يبلغه عن ربه . . والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة في العديد من القصص فيقول عقب حديث طويل عن قصة نوح عليه السلام مع قومه: تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين، ويقول الحق سبحانه وتعالى عقب الحديث الطويل عن قصة يوسف عليه السلام مع إخوته ومع غيرهم: ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون .
يقول الداعية المعروف الشيخ محمد الراوي، أستاذ التفسير وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: الآيات والقصص التي وردت فيها أخبار بأمور لم تكن في متناول علم أحد لا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا المحيطين به، ولم تكن هناك وثائق تاريخية ومؤلفات وفضائيات وشبكات معلومات تنقلها . . المقصود منها هو إقامة الأدلة على مصداقية القرآن وناقله وتأكيد أن هذا الكتاب الحكيم من عند الله تعالى .
تثبيت رسول الله
أيضاً من أهداف القصص القرآنية تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ودعمه وتخفيف ما أصابه من قومه وحثه على الاقتداء بإخوانه، وتبشيره بأن العاقبة الطيبة ستكون له . وقد تحدث الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق رحمه الله عن هذا الجانب في أهداف القصص القرآنية وأوضح أن هذا الهدف نراه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين . . وقد جاءت هذه الآية الكريمة في أواخر سورة هود التي تحدثت عن جانب من قصص نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام مع أقوامهم، وفيها يبين الله تعالى أهم الفوائد التي تعود على الرسول صلى الله عليه وسلم من وراء إخباره بأحوال الأنبياء السابقين مع من أرسلوا إليهم .
الاقتداء بالأنبياء
ومن أهداف القصص القرآنية كما أوضح الدكتور طنطاوي تسلية النبي والتسرية عن قلبه صلوات الله وسلامه عليه ودعوته إلى الاقتداء بالأنبياء في صبرهم . . وكل ذلك نراه في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون، أتواصوا به، بل هم قوم طاغون، فتولَ عنهم فما أنت بملوم، وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين . . وقد جاءت هذه الآيات الكريمة بعد حديث عن جانب من قصص إبراهيم وموسى وهود وصالح ونوح عليهم السلام . والمعنى: نحن نخبرك يا محمد بأنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من نبي أو رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا إلا وقالوا له كما قال قومك في شأنك هذا الذي يدعي الرسالة أو النبوة ساحر أو مجنون .
والمقصود بهذه الآية الكريمة: التخفيف عن النبي صلى الله عليه وسلم عما أصابه من مشركي قريش، إذ بين الله عز وجل أن ما أصابه قد أصاب الرسل من قبله .
أيضاً نرى هذا الهدف واضحاً في قوله تعالى: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين وكُذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير .