أكد عدد من علماء الإسلام والتربية أن ارتفاع معدلات وأنماط جرائم الأبناء ضد الآباء التي فرضت نفسها على واقعنا الاجتماعي والأمني في عدد من الأقطار العربية والإسلامية نتيجة طبيعية لتجاهل المنهج التربوي الإسلامي وانتهاج الآباء والأمهات سلوك القسوة والعنف في تربية أبنائهم الأمر الذي يدفعهم إلى الانحراف والسخط على كل الأوضاع الحياتية.

وطالب العلماء باتباع المنهج النبوي والطرق القائمة على التفاهم والحب لأنها تخرج أجيالا قادرة على تحقيق التواصل مع أفراد المجتمع كافة دون عقد نفسية أو تراكمات أو ضغوط ورغبة في الانتقام، مشيرين إلى أن جعل الأبناء صالحين لأنفسهم ولأهلهم ولوطنهم يبدأ منذ لحظة الميلاد حين يرضعون الحنان والحب والعطف مع التوجيه الأبوي في المراحل التالية.

ويرجع العلماء الجرائم الأسرية التي ازدادت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة إلى القسوة المفرطة من بعض الآباء والأمهات في تربية الأبناء، فها هو الابن يقتل أباه بمساعدة أمة لقسوته عليهما وآخر يضرب ابنه لتأديبه بعصا غليظة ولا يتوقف إلا بعدما فوجئ به جثة هامدة، وهذه أم تعذب ابنتها التي تتبول لا إراديا أثناء النوم.

د. عبد الصبور شاهين الأستاذ بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة يرى أن العديد من الآباء يجهلون الواجبات المفروضة عليهم بأمر من الله عز وجل وتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: لم يترك ديننا الحنيف صغيرة ولا كبيرة تصلح من شأن دنيانا وأخرانا إلا وأرشدنا إليها، ومن ذلك البر بالأبناء وحسن رعايتهم لأنه في مقابل هذا البر سنجد بر الأبناء بآبائهم الذي نفتقده اليوم في غالب مجتمعاتنا الإسلامية، فما حوادث الاعتداء على الأب أو الأم وقتلهما وقضايا الحجر والطرد وإيداعهما دور المسنين إلا حصاد زرع الآباء الذي افتقد الروح

الدينية الصحيحة التي على أساسها تقوم العلاقات الأسرية والأبوية والاجتماعية عامة.

اختيار الزوجة الصالحة

إن غياب هذه التربية الدينية ساعد على انتشار مظاهر الانحراف الخلقي والسلوكي وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بتخير الزوجة الصالحة وكذا الزوج حين قال: تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس، وقوله أيضا: إذا جاءكم من ترتضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، وغير ذلك من الأحاديث إنما أراد أن يحمل الأب والأم منذ البداية مسؤولية تخريج أبناء صالحين من خلال إقرار حقوقهم أولا حتى نستطيع مطالبتهم بأداء ما عليهم من واجبات. فليس من المعقول أن نطلب من الحافظ لكتاب الله العامل بما فيه، أن يحسن معاملة والديه وهو الذي لم يرب على الأسس القويمة ولم يعرف للخلق أو التربية معنى.

ويضيف د. عبد الصبور شاهين أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو من جحود وعقوق ابنه له فما كان منه إلا أن أحضر الابن وعرض عليه شكوى أبيه فقال الابن: إن أبي لم يحسن اختيار أمي، ولم يحسن اختيار اسمي فسماني بعلا ولم يحفظني شيئا من كتاب الله فنظر عمر إلى الرجل وقال له: يا هذا، لقد عققت ابنك قبل أن يعقك.

فكفانا إهمالاً لأبنائنا وتقصيراً في حقهم لأن ما وصل إليه حالنا اليوم من تقهقر وتخاذل أمام الشعوب الأخرى إنما هو نتيجة اعتدائنا على حقوق أبنائنا وهو عقوق بكل معنى الكلمة لا يغفره إلا العودة إلى منهج ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم في التربية وإعداد النشء.

المنهج الإسلامي

أما د. آمنة نصير أستاذة العقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر فترى أن الكثير من الآباء والأمهات يشكون من عقوق الأبناء أو من سلوك الأبناء وينسى الآباء والأمهات أن فرصة التربية قد ضاعت منهم، إما في زجر الأبناء في وقت لا يستدعي الأمر زجراً، أو في التقليل من شأنهم في وقت يحتاج الابن فيه إلى من يعتني به ويرعاه. فالأب إما غافل عن أبنائه بالتجاهل لحياتهم وما يلزمهم في كل مرحلة، وإما غارق في زخم الحياة بعيدا عن رعاية الأبناء، والأم كذلك مشغولة في أمور أنستها مهمتها الأساسية في الحياة، فلا تأخذ الابنة عن أمها حنانا وقت الاحتياج إليه، ولا تلقى حزما وقتما تحتاج إلى شدة ولا تنال حق الصداقة والنصيحة عندما تحتاج إليها فساد التنافر بدلا من الصداقة.

لو تأملنا المجتمعات الحديثة لوجدنا علماء يعودون إلى منهج الإسلام، ليأخذوا منه قواعد التربية الصحيحة لأبناء لا كدين من عندنا يجب عليهم اتباعه ولكن كناحية اجتماعية تضمن لهم سلامة حياتهم الاجتماعية.

وتضيف: إن قواعد هذه التربية الصحيحة الموجودة في المنهج الإسلامي تتطلب عدة أمور هي:

الحنان والاحترام والمودة بين الزوجين فينشأ الطفل متمتعا بالوجدان الصافي لتلقي مسؤوليات الحياة.

صداقة وفهم وصحبة في ضوء الإيمان ليكون الشاب متقبلا للحياة المؤمنة، مخلصا في أداء عمله، واعيا بمسؤولياته فيقوم المجتمع على أفراد منسجمين بالإيمان مع أنفسهم ومع من حولهم.

وتؤكد د. آمنة نصير أنه يجب على الآباء والأمهات أن يتعاملوا مع الأولاد على أنهم نعمة من الله إليهم وتقول: كل نعمة لها حق الشكر لمن أنعم، وهو الله عز وجل، ثم إن الولد خامة صالحة في يدك وعجينة لينة طيعة، لك أن تشكلها كيف تشاء، حيث تستطيع أن تصنع إنسانا سويا يخدم بلده ومجتمعه ودينه ونفسه إن أحسنت القيام بحقه كما أمرك الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وهذا هو شكر النعمة، هنا يكون الولد لك قرة عين في دنياك ورحمة لك في آخرتك.

فعلى الآباء أن يتعهدوا أولادهم حتى تنشأ بينهم علاقة محبة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد ضرورة إنشاء هذا الانسجام بين الوالد وولده فيقول: من كان عنده صبي فليتصابى له، ويقول أيضا: أحبوا الصبيان وارحموهم وإذا وعدتموهم فوفوا لهم فإنهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم. ويؤكد الرسول الكريم أن الأبناء لهم حقوق عند آبائهم فيقول: حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه وأن يزوجه إذا أدرك، ويعلمه الكتاب.

والأب إذا حرص على الوفاء لولده في حقوقه كما تقول د. آمنة نصير يخرج إلى المجتمع رجلا صالحا يعرف ربه ويخاف حسابه فيؤدي حقوق الله وحقوق المجتمع. ولذا علينا أن نحسن تربية أبنائنا وألا نقسو عليهم ولا نجور على حقوقهم وبراءتهم فإنهم قد خلقوا في زمان غير زماننا ولنحذر من أن نجعل من أبنائنا أعداء لنا بسبب سوء التربية أو القسوة في التعامل التي تدفع بهم إلى الانحراف والضياع.

تمرد الأبناء

د. حامد عامر أستاذ التربية بجامعة عين شمس يؤكد أن تربية الأبناء كزراعة النبات فإذا لم تكن التربة صالحة ذبل النبات ومات، وكذلك الأطفال إذا كانوا في جو فاسد يحيط بهم فسدوا وانحرفوا، ومن أهم أسباب انحراف الأطفال القسوة عليهم وحرمانهم من الأشياء التي أمام أعينهم في بيوتهم. كأن تكون الأم أو زوجة الأب قاسية القلب فتتسبب في إيذاء الأبناء إما بيديها أو بتحريض الزوج عليهم فهنا يهرب الأبناء إلى السلوكيات العدوانية والسلبية فيسرقون ويدمنون.

ومن هنا فإن الآباء والأمهات الذين يقسون على أولادهم في التربية والتعامل يخلقون في قلوبهم جفوة وغلظة في التعامل ليس مع الآخرين الغرباء فقط بل مع أقرب الأقربين لهم، وصفحات الحوادث في الصحف والمجلات تكشف لنا كيف أن القسوة من قبل الأهل تولد لدى الأبناء الرغبة في الهرب أو التحايل على الآباء، فيكون هناك تغيب الأبناء أو هروبهم أو وقوعهم في دائرة الكذب والنفاق والصفات السيئة كلها حتى لا يتعرضوا للعقاب والإيذاء البدني من قبل آبائهم.

ويشير د. حامد عمار إلى ضرورة التعامل بالرفق واللين خاصة مع الأبناء المتمردين ويقول: إن الطفل الذي تظهر عليه مظاهر التمرد والعصيان هو أكثر شخصية تحتاج إلى التعامل بالرفق واللين، فالتمرد أمر يحدث كثيرا مع الأطفال والمراهقين ويكون في أغلب الأحيان من مظاهر النمو والرغبة في الاستقلال والإحساس بالذاتية وهو بهذا الاعتبار يحتاج إلى رعاية وعناية وحسن تعهد فيؤتي ثمرة طيبة يكون الآباء أسعد الناس بها.

ومن ناحية أخرى فإن غياب دور الأب ودوره يؤثر بصورة سلبية في الأبناء لأن الدور الأبوي يأخذه الولد عن أبيه باعتباره المثل.

أسلوب فاشل

د. هناء أبو شهبة أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر تؤكد أن مجتمع القسوة والتعنيف الدائم للأبناء لا يخرج إلا أبناء مهزوزين اجتماعيا ونفسيا لا مشاركة لهم في الحياة العامة، بل إنهم يتحولون إلى ناقمين على الأوضاع ساخطين على كل ما حولهم، وعندما تتاح لهم الفرصة يحاولون بشتى الطرق التنفيس عن مكنون نفوسهم من القسوة التي عانوها ويخرجونها على من هم أقل منهم وبالتالي يتعلمون القهر والظلم والاضطهاد ويعشقون ممارسته على الآخرين كما مورس ضدهم من قبل.

وتضيف: التربية في مفهوم الكثيرين هي القسوة والعنف مع الأبناء رغم أن هذا الأسلوب أثبت فشله على مر العصور وحتى إن نجحت هذه الوسيلة العقيمة مع بعض الأطفال في بعض الحالات فإنها تحطم شخصية الابن وتفقده الثقة بنفسه وتورثه كره الذين يمارسونها معه ولا تنشئ إلا إنسانا جبانا يخاف ولا يستحي ويطيع رهبة وخوفا لا رغبة وحبا.