أين العرب الآن من الفتوحات العلمية والابتكارات العصرية في كل مجالات الحياة؟ أين هم من ذلك التطور الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي المذهل الذي هيمن على كل قارات العالم الأرضي؟

لقد أنجبت أمة العرب نخبة من الشوامخ في مختلف العلوم في عصور ازدهار حضارتها، و يقدم هذا الكتاب البسيط الذي صدر ضمن سلسلة كتب ثقافية بقلم معاوية حنفي محمود، تحت عنوان علماؤنا العرب بعض هؤلاء النوابغ، الصفوة من العلماء العرب، لنستلهم سيرتهم، وتحفزنا إنجازاتهم، وتمنحنا القوة الدافعة والطاقة المحركة التي تدفعنا على الطريق الصاعد، لنكون في قلب الحاضر المتقدم .

خاض العرب مجالات العلم على اختلافها، وذهبوا فيها أشواطاً بعيدة وحققوا إنجازات مبهرة ترتكز عليها جميع العلوم في عصرنا هذا . ففي الرياضيات جعلوا من الجبر علماً قائماً بذاته، ووضعوا أُسس الهندسة التحليلية، وكانوا بلا منازع مؤسسي حساب المثلثات الكروية والمسطحة؛ وتألق جابر بن حيان (120هـ - 190هـ) في سماء الكيمياء حيث يعد أحد الأعلام الذين وضعوا القواعد الأولى لهذا العلم، ويعترف أساتذة الكيمياء في الغرب بنبوغه في هذا المجال . وكان جابر طبيباً يستخدم في علاج الأمراض دواء يسميه الأكسير يبدو أنه كان يُشفي كثيراً من العلل . ويتجلى نبوغه في الكيمياء في أنه أول من استعمل الميزان في تجاربه العلمية، إذ اهتم بوزن المقادير التي يستخدمها بميزان حساس يقارب ما نستعمله الآن، واستفاد علماء الكيمياء الأوروبيون بذلك في تجاربهم بعد ابن حيان بستمئة سنة .

وقد تمكن جابر من تحضير مداد مضيء استخدم في كتابة المخطوطات الثمينة لإمكان قراءتها في الظلام، وحاول تحضير الذهب من مواد أولية، وتمكن من تحضير معدن ذي لون أصفر براق يتعذر التمييز بينه وبين الذهب، كما قال بأن ذوبان المادة لا يفقدها هيئتها الطبية في كتاب المعرفة بالصفة الإلهية والحكمة الفلسفية، واستطاع أن يكتشف نوعاً من الطلاء إذا عومل به الحديد لا يصدأ، وإذا وضع على الثياب لا تبتل . وكان يجري أبحاثه وتجاربه في غرفة منعزلة بمنزله حيث كان فهو يحضر الأواني، ويخلط مختلف المواد أو يسحق بعضها، متوخياً الدقة .

وألف عدداً من الكتب يستطيع القارئ أن يتفهمها في سهولة ويُسر ومنها كتاب الخواص الكبير والأحجار، وكتاب السموم ورسالة الحدود وهو في تقسيم العلوم وإحصائها .

أبو نصر الفارابي

وإذا كان ابن حيان أول من أرسى قواعد العلم التجريبي؛ فإن أبا نصر الفارابي هو حجة المنطق وأستاذ الفلسفة والاجتماع الذي دعا إلى قيام المحبة والإصلاح بين الناس فقال بأن القصد إلى الأعمال يكون بالعلم، أما غاية العمل فتكون أولاً بإصلاح الإنسان نفسه، ثم إصلاح غيره ممن في منزلته ومدنيته . . وهو أول من نادى بالمدينة الفاضلة، وتخيلها تجمع الناس جميعاً وقد صلح حالهم وتجردت نفوسهم من كل شر . ترفرف عليهم السعادة، ويبتعد عنهم الألم وقد احتوى كتابه المعروف: المدينة الفاضلة على آرائه في الإصلاح الاجتماعي والمعيشة الإنسانية . وألف كتباً في المنطق والأدب والسياسة والنجوم والكيمياء والرياضيات والموسيقى، فكان على قدم المساواة مع أرسطو، وهو يعلم أوروبا فلسفته اليونانية بالشرح الوافي والفهم الواضح حتى سُمي بالمعلم الثاني .

ابن الهيثم والبيروني

وفي علوم الطبيعة، شمخ الحسن بن الهيثم، رائد علم الضوء، والذي قامت شهرته على علم البصريات، وسبق جاليليو في اكتشاف نظريته المشهورة في اختلاف وزن الأثقال من مكان مرتفع ومدة سقوطها إلى الأرض، كما سبق نيوتن في نظرياته في الميكانيكا، وقال بأن الضوء لا يرى منفرداً إنما يرى بواسطة الذرات العالقة بالجو . وبحث في انتشار الضوء والألوان والخداعات البصرية والانعكاس البصري، بتجارب علمية في زوايا الانعكاس والسقوط . وكان ابن الهيثم أكبر عالم طبيعي عربي، ومن أكبر المشتغلين بعلم الضوء في جميع الأزمان .

وأشهر علماء عصره في الفلك والرياضيات كان محمد بن أحمد البيروني (362 - 439هـ) وكان فيلسوفاً ورياضياً وجغرافياً . اعتمد في بحثه العلمي علي التحقيق التاريخي، والمشاهدة العلمية، وانتقد كثيراً من أوهام السابقين، ورأى أن العلم اليقيني لا يحصل إلا من إحساسات يؤلف بينها العقل على نمط منطقي .

والآثار الباقية أعظم كتبه وهو أول سفر من نوعه في العالم يبحث في التواريخ واختلاف الشهور والسنين والتقاويم وأسبابها وكيفية استخراجها، وله كتب: تاريخ الهند، والقانون المسعودي، ورسالة في الاسطرلاب، واستخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني فيها وكتاب الصيدلية في الطب عن ماهيات الأدوية . . كما بحث في العلوم الطبيعية، وحقق الوزن النوعي لسوائل عديدة .

ابن سينا والإدريسي

وكان الفيلسوف الحكيم ابن سينا (370 - 428هـ ) متصوفاً ونبغ في الطب، وهو أول من ربط بين الاضطرابات النفسية وأمراض الجسم فأرجع أمراض المعدة إلى سببين مختلفين: الأول نفساني يؤدي إلى اضطرابات معدية والثاني عضوي، وكلاهما يسبب قرحة المعدة .

وابن سينا هو أول من اكتشف الدورة الدموية في الإنسان، وأول من كشف الطفيلية المسماة بالأنكلستوما والمرض الناشئ عنها الرهقان، وأول من أجرى جراحات لمعالجة الأورام الخبيثة، وعرف العلل النفسية وعقدها وقدم لها الدواء . ومن أشهر مؤلفاته: القانون في الطب، والشفاء وهو موسوعة في الرياضيات والطبيعة وفيما وراء الطبيعة والسياسة وعلوم الدين والاقتصاد والموسيقى، وكتب في الجيولوجيا كذلك .

وأشهر الجغرافيين العرب الذي علَّم أوروبا هذا العلم هو أبو عبد الله محمد الإدريسي المولود في سبته بالمغرب، سنة 493ه، مؤلف نزهة المشتاق في اختراق الآفاق وكانت خارطته هي الدستور المتبع في رسم الخرائط وقد حاكاها ونقل عنها آخرون، وقَسَّم العالم إلى سبعة أقاليم، وذكر أن هناك الإقليم الثامن جنوب خط الاستواء . وقال بكروية الأرض، وتكلم عن الكون ومكوناته والنجوم والسديم، ووصف البلاد والأمصار التي شاهدها وعاش بين أهلها، وله مؤلف عنوانه نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والبلدان والجزر والمدائن والآفاق وكذلك روضة الأنس ونزهة النفس .

ابن رشد وابن البيطار

وابن قرطبة بالأندلس الوليد محمد بن أحمد بن رشد (520 - 595هـ )، هو دائرة معارف في شتى العلوم؛ الفلسفة والطب والفيزياء والفلك والرياضيات . كان ينشد الحقيقة، وانشق على مذاهب الزهد والتصوف، ورد على كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة بكتاب اسمه تهافت التهافت، ورأى أن الوحي يدعو إلى إصلاح الناس وتحسين أحوالهم لا إلى تعليمهم فقط، وأن غرض الشارع ليس تلقين العلم، بل أخذ الناس بصالح الأعمال والطاعة، وأعلن أن العمل يكون خيراً لنفسه وشراً لنفسه أو ذاته أو بحكم العقل . ونظر ابن رشد إلى الدين بعين الرجل السياسي، وأنه وسيلة فعالة للإصلاح لما يهدف إليه من غايات خُلقية سامية . آمن بالمجتمع وأن سعادة الفرد في سعادة المجموع، كما دعا إلى تحرير المرأة من حالة العبودية التي نشأت عليها . ومن كتبه الأخرى: تلخيص كتاب المقولات، وتفسير ما بعد الطبيعة .

أما أعظم عالم نباتي بين العلماء حتى القرون الوسطى فكان ضياء الدين بن البيطار، الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، وقد اهتم بدراسة الحشائش التي تنبت في الحقل وتضر بالمحاصيل، ومؤلفاته ثروة عالمية في النبات وزراعة الحقل، ومنها الجامع، وميزان الطبيب والمغني في الأدوية المفردة، وفي مجال ابن البيطار، هناك رشيد الدين الصوري الذي كان يرسم النبات في جميع مراحل نموه ونضجه .

وكان ابن بطوطه (703هـ - 777هـ) إلى جانب كونه رحالة، عالماً فقيهاً، وتميز بدقة وصفه للأماكن التي ينزل فيها أو يمر بها، والتي سجلها في كتبه المشهورة .

ويستمر الباحث في التعريف بالعلماء والمفكرين والمبدعين العرب، فيتحدث عن ابن خلدون ومقدمته، وسلام الترجمان . وأبي الفرج الأصبهاني وكتابه الأغاني الذي يتسع لفنون الغناء والشعر والأدب، والكثير غيرهم من النابغين في كل مضمار .